عشر سنوات على رحيل نزار قباني
جيناته الأنثوية كانت راجحة ولافتة وبحاجة إلي تفسير
لم يكن مجرد شاعر لقد كان أيضاً شاعرة لفرط التماهي والتمثل، ولأن نصف شعره الغزلي جاء علي لسان النساء!
عندما كان يخون المرأة بشعره السياسي كان الشعر الرفيع يخونه فهو شاعر المرأة أولاً وأخيراً
عكس الشائع لم يكن نزار قباني دونجواناً خطيراً وكثيراً ما كان يأوي إلي فراشه في السابعة مساءً!
لم يعرف السهر إلا نادراً وكان كثير الاهتمام بما تنشره الصحف من أخبار ومكتشفات طبية
لو أنه استجاب لتوسلات بلقيس بالاستقالة من عملها في السفارة العراقية في بيروت لما حصل ما حصل
حرفي حاذق يلعب بالشعر كما يلعب بالعشق.. والقصيدة سلعة ناجحة
جهاد فاضل
يحتاج الحضور الطاغي للمرأة في شعر نزار قباني الي وقفة خاصة. فقد بدأ حياته بمدح المرأة، أو بهجائها أحياناً، منذ أول قصيدة كتبها الي آخر قصيدة. فهي عروس قصائده الي أن يثبت العكس. وحتي عندما كان يخون المرأة بكتابته شعراً سياسياً، فلم يكن هذا الشعر السياسي شعراً جيداً، وانما كان شعراً رديئاً في أغلب الأحيان. فنزار الحقيقي اذن هو نزار شعر الغزل لا نزار الشعر السياسي أو الوطني الذي اقتصر فيه علي السباب والشتم والغضب، ولدرجة انه اخذ في طريقه القيم العليا للأمة وثوابتها وتاريخها، فبدا كما لو انه شاعر شعوبي لا شاعر وطني أو قومي.
في البداية لفت شعره الغزلي الجميع، ووجدوا فيه تعبيراً في يقظة المشاعر والأحاسيس في المدينة العربية الطالعة من مناخ القرون الوسطي، وعلي مدي سنوات طويلة لقي هذا الشعر رواجاً كبيراً عند الأجيال الجديدة بصورة خاصة. فقد كان بالفعل ظاهرة جديدة في الشعر العربي الحديث تختلف عن أية ظاهرة شعرية أخري. فصحيح أن الشعراء المحدثين الذين سبقوا نزار، أو عاصروه، قد أولوا المرأة علي الدوام اهتمامهم، الا ان اهتمام نزار بالمرأة فاق اهتمام هؤلاء الشعراء. لقد كان نزار متخصصاً بالمرأة، ان جاز التعبير، ولدرجة القول ان احدا من الشعراء قبله لم يلج عالمها كما ولج هو هذا العالم. كل أشيائها الأنثوية الصغيرة، كل تفاصيل عالمها الحميم الدافيء، رسمه نزار باقتدار لم يؤت لشاعر قبله. فكأن المرأة هي التي تتحدث عن نفسها لا الرجل، وكأن الشاعر هنا هو شاعرة لفرط التماهي، والاستبطان والتمثّل، وكأن الشاعر دخل غرفة المرأة وفقد مع الوقت نفسه أو ذكورته، وتحول الي انثي، مع كل ما في الأنوثة من ليونة ورقة وضعف.
يلفت النظر في شعر الغزل عند نزار انه جاء بلسان الذكر حينا، أو بلسان الأنثي حينا آخر. ومع انني لم الجأ الي احصاء قصائده الغزلية التي تحدث فيها بلسان الذكر، أو بلسان الانثي، الا انني اتصور انهما متعادلان تقريباً.
وقد لا تقل القصائد التي أتت بلسان المرأة، ونموذجها أيظن أنني لعبة بيديه ، جودة عن القصائد التي يتحدث فيهاالرجل عن معاناته أو تجربته مع المرأة، ولا يمكن نسبة هذه الكفاءة العالية في الجودة الي القدرة علي استبطان الآخر فقط لا غير، أو الي قدرة اخري هي امتلاك الشاعر لقدرات فنية أو نفسية عدة. فالواقع انه كان لنزار قدرة أخري أصلية مبثوثة في ذاته، هي توفر هذه الذات علي أنوثة شفيفة باستطاعتها التقاط أدق ذبذبات الأنثي.
لقد أمضيت في صحبة نزار سنوات طويلة كنت خلالها حائراً في تكييف أو وصف هذه الأنوثة الكامنة في ذاته. كنت استمع الي رجل يتحدث، ولكن ما لحديث هذا الرجل يختلف عن حديث أي رجل آخر؟ الرجل يتحدث، ولكن الروح في حديثه تختلف عن الروح التي يتحدث بها الرجال في أحاديثهم. لقد قرأت مراراً في كتب علم النفس عن أن كل ذكر يتوفر علي جينات أنوثة، وعن أن كل أنثي تتوفر علي جينات ذكورة. وهذه الجينات تقوي أو تضعف عند الجنسين، فتكون جينات الذكورة عند المرأة، أو جينات الأنوثة عند الذكر قوية أو طاغية، مع احتفاظ كل منهما بجنسه الأصلي!.
كنت استمع الي نزار يحدثني، فأجد مواضيع هذا الحديث، واهتماماته، ومعالجاته، تختلف اختلافاً كبيراً أحياناً عن مواضيع واهتمامات ومعالجات الرجال لقد كانت المرأة موجودة في ذاته وجود الرجل. وحاشا ان أكون قصدت، أو أن يكون قد تبادر الي ذهني حتي في تلك الفترة أمر يتصل بالأخلاق أو بالطبيعة، فما كان يرد الي ذهني يومها، وما يرد الآن، هو هذا التوحد الغريب، ولدرجة الاندماج، بين الذكورة والانوثة عنده قد يكون اتحاد الحدود بين الجنسين في ذاته، عائداً الي عدة عوامل منها الطفولة والتربية، وخضوع المرء منذ الصغر الي مناخات أمومة حميمة. وأياً كان الأمر، فان نزار لم يكن محتاجاً الي خوض تجارب معمقة مع المرأة لكي يصف عالمها وصف خبير محلّف، كما يقولون فقد كان خبيراً بها وبعالمها خبرة ذاتية مدهشة غريبة، حتي ولو كانت خبرته العملية محدودة أو بسيطة. ويخطيء من يظن أن نزار قباني كان دونجواناً خطيراً، أو انه كان هذا الدونجوان الخطير حتي في شبابه، لقد لمست لمس اليد مدي نفوره من المرأة، وامتهانه لها، وتفادي الوقوع في أية تجربة عاطفية معها إلا عند الضرورات القصوي. لقد كان متوفراً علي ما يكفيه منها. ولم يكن بحاجة الي مزيد. وقد روي لي الشاعر السوري خليل الخوري مراراً ان احدي الأديبات الدمشقيات التي ارتبطت بنزار ارتباطاً عاطفياً ذات مرة، روت له أن فحولة نزار التي يشيعها عن نفسه في شعره، هي اشاعة كبيرة وانه كان يتلافي دائما ذلك الصخب العاطفي أو الجنسي، وانه اذا اضطر، في فترات متباعدة، الي أن يقرب انثاه، فقد كان يسرع الي الثلاجة في الصباح الباكر ليستل منها ديكاً رومياً، أو طعاماً مغذياً ليعّوض الطاقة التي بذلها. وتجمع بقية الأخبار علي ما ورد في خبر الأديبة الدمشقية اجماعاً غريباً.
ومما يعزز الأخذ بهذه الاخبار عزوف الشاعر عن السهر، وعن تناول الخمر، والاهتمام الدائم بالصحة والعافية، وبما تنشره الجرائد في صفحاتها الأخيرة من أخبار طبية ومكتشفات حديثة حول هذه العشبة التي تنفع في هذا الشأن الصحي، أو سواه.. وقد كان يمضي يومه في نثر الحياة اليومية، كأي انسان آخر، فاذا جاء أول الليل لاذ بفراشه مستسلماً الي مملكة النوم، مع أن الشعراء، ومعهم العشاق والفنانون، يسهرون حتي مطلع الفجر عادة. وكثيراً ما كنت أزوره في الساعة السابعة أو الثامنة مساء، بدون موعد نظراً لما كان بيننا من رفع كلفة فيفتح لي الباب بنفسه، قادماً من غرفة النوم، وبالبيجاما!.
وقد جرت حيرة شديدة في مصادر إلهامه. فاذا كانت المرأة في حياته غائبة مثل هذا الغياب، بل ومنبوذة ومضطهدة أحياناً، فمن أين يأتي بقصيدته عنها؟ ومن الصعب اعتبار ان بلقيس الراوي، زوجته الثانية، كانت تمده بمثل هذا الإلهام فالواقع الذي لا شك فيه انهما كان مجرد زوجين، كأي زوجين آخرين، وان بلقيس فقدت كل إلهامها كحبيبة بمجرد تحولها الي زوجة. الحبيبة تلهم وبها يتغزل الشاعر. لم يتغزل شاعر يوماً بزوجته، في حين ان الحبيبة حتي ولو خانت شاعرها، تظل موضع غزله واهتمامه اكثر من زوجته الوفية! وكانت بلقيس تلح علي شاعرها، قبل الحادث المأساوي الذي أودي بحياتها، ان يأذن لها بتقديم استقالتها من عملها في السفارة العراقية في بيروت كي تتفرغ لتربية ولديها كانت تذهب في السابعة والنصف كل صباح الي السفارة ولا تعود منها الا عند الرابعة ولكن نزار كان يمانع الي أن حصل ما حصل!.
ثمة اذن كينونة متوفرة علي كينونتين. كينونة متماهية في كينونة ذات متحدة بالفطرة والجبلة مع ذات أخري، وفي حالة مقابسة لا تنتهي معها. ثمة صوت يصل الي أذني لا أستطيع وصفه بأنه صوت الرجل واهتماماته وعالمه وحده، بل صوتها واهتماماتها وعالمها هي أيضا. فيا للعجب، ويا للحاجة الي مزيد من التفكير والتعليل!.
في قصيدة له من ديوانه سيبقي الحب سيدي ، عنوانها أنا والنساء يقول:
أريد الخروج من القنّ
حيث الدجاجات
ليس يفرّقن بين الصباح وبين المساء
أريد الخروج من القنّ
إن الدجاجات مزّقن ثوبي
وحلّلن لحمي..
في هذا المقطع من القصيدة نحن ازاء ديك ولكن هذا الديك الذي يشكو من نهم دجاجاته، هو جزء من القن، وجزء من الدجاجات، هو ديك قطعاً، ولكنه لفرط مخالطته للدجاجات، صار منهن وفيهن، المخالطة كثيراً ما تؤدي الي المشاكلة والتطبع. وكثيراً ما تؤدي الي زوال الحدود، وتصل الي حد التطبع أو التطبيع. هو ديك طبعاً ولكنه يبدو، بصورة من الصور، احداها أو احداهن.
فاذا انتقلنا الي الشعر، تبين ان الشعر عنده مجرد لعبة كالعشق. كان يلعب بالعشق كما يلعب بالشعر، وكأنه مجرد حرفي حاذق يعرف شروط أكثر من مهنة أو صنعة. الاصل اتقان ظاهر الصنعة وشروطها البرانية الخارجية، لا مكابدات الروح، ومواجدها وأحوالها. ولتأكيد كل ذلك، نستشهد بهذه القصيدة النزارية التي تنفي عن العاشق كل عشقه، وتشكك في نزاهة ممارسته للشعر:
اجلسي خمس دقائق
لا يريد الشعرُ كي يسقط كالدرويش
في الغيبوبة الكبري سوي خمس دقائق
لا يريد الشعر كي يثقب لحم الورق العاري
سوي خمس دقائق
فاعشقيني لدقائق
واختفي عن ناظري بعد دقائق..
القصيدة براغماتية بحتة يتأباها ويمجها تاريخ العشق وتاريخ الشعر في آن. يأمر الشاعر امرأة، بأن تقترب منه وتثيره، فاذا أوصلته الي حالة الاثارة، تكون قد أدت مهمتها وتعين عليها أن تنسحب. شهريار يأمرها بذلك لكي يدخل بعد ذلك في غمار نظم قصيدته، لا يلزم الشعر كي يثقب لحم الورق العاري سوي خمس دقائق. ولكن أي شعر رفيع المقام وذي جودة عالية يمكن أن يخرج من رحم صفقة ملوثة كالصفقة التي عقدها الشاعر مع تلك المرأة؟ وهل هكذا يكون العشق؟ وهل تولد القصيدة علي هذا النحو؟
المرأة ممتهنة في عملية مذلة لكرامتها كأنثي. انها مجرد موديل ، او أداة اثارة للرجل، في حين أنها في الحسابات الانسانية ذات شأن خطير في مصائر البشر. ولكن الشاعر لا يلتفت الي كل ذلك، بل الي ما يثيره ويدفعه الي كتابة قصيدته. ولكن اية قصيدة ذات محتد كريم ستولد في هذه الصفقة؟ هل تكفي خمس دقائق لولادة قصيدة عظيمة؟ أغلب الظن أن الخمس دقائق لن تنتج سوي سلعة شعرية يدرجها الشاعر في ديوان جديد يعرضه للبيع، بورق مصقول وبسعر مرتفع!.
لم تكن القصدة في حسابات الشعراء الكبار مجرد سلعة أو منتج اقتصادي ينتج بعد اثارة حسية بسيطة، وانما كانت عند هؤلاء الشعراء الكبار عملا جليلا من أعمال الروح والوجدان والجمال. وكثيراً ما كانت القصيدة خلاصة حياة، أو تجربة جوانية خطيرة. كل ذلك كثيراً ما انتقده الباحثون والنقاد في قصيدة نزار قباني.





التعليقات