حوار مع القاصة السودانية رانيا مأمون


محمد الحمامصي:
الكاتبة الشابة رانيا مأمون قاصة وروائية سودانية متميزة؛ حيث تتمتع بحس إنساني عال في كتاباتها التي تتميز بجمال الأسلوب وخصوصيته، في روايتها الأولي فلاش أخضر عالجت قضية الحرب في السودان وكان العلاج هو الحب. ورانيا مأمون تكب عمودا أسبوعيا بعنوان (ذات بوح) بصحيفة الأضواء منذ 2003، كما تعد وتقدم برامج في إذاعة ودمدني منذ العام 2003 أيضا، ونُشرت قصصها في العديد من الصحف والمجلات السودانية (الأيام، الصحافة، الأضواء، الخبر، السوداني،الخرطوم، رأي الشعب، مجلة الخرطوم الجديدة، مجلة أوراق جديدة ومجلة الثقافي)، ومواقع الإنترنت الثقافية والأدبية، تُرجمت أيضا بعض قصصها إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية، من أعمالها رواية (فلاش أخضر)، لها تحت الطبع مجموعة قصصية بعنوان (طِّين الرَّوح).


** بداية نود التعرف علي بدايات الكتابة لديك والمناخ الذي نشأت داخله وكان له تأثير مباشر علي الكتابة؟
** البداية حائطية بكتابة قصّة بالطباشير على الحائط في غرفة محلية إن شئت تسميتها، نسميها نحن هنا quot;بالراكوبةquot; وهي عبارة عن عريشة من القش والحصير تُبني بقصد المقيل فيها؛ لأنها في العادة أكثر برودة من الغرف، وربما تعرف عن طبيعة الطقس في السودان، قد تُنبي كلها من القش والحصير أو قد تستند على حائط، وهذا ما كانت عليه quot;راكوبتناquot;. بداية كانت في الثانية عشرة بقصة عنوانها quot;الأصدقاء الثلاثةquot; بخيال طفولي، وعي في طور التشكُّل ومحتوى عن الوفاء والإخلاص والصداقة، وهذا طبعاً ما يشغل بال الأطفال وبالضرورة ما يعبِّرون عنه ولم أشذ عن هذه القاعدة.
والمناخ الذي نشأت فيه كان عادياً أخوة وأخوات يكبرونني (آخرالعنقود) quot;الحتالةquot; كما نقول هنا، قرأت ما خلّفوه من كتب وألغاز وروايات لا تتعدى وصف العادية والمتواجدة تقريبا في كل بيت، من هنا أحببتُ القراءة بعدما نشأ في خاطري أنني سأؤلف كتاباً للأطفال وصار حلمي بعد ذاك. ولكن الأطفال يكبرون وأحلامهم تكبر أو تتغير مسيرتها تماماً.

** وماذا عن مراحل تطور الكتابة؟
** تطورت مراحل الكتابة بتطور القراءات وبتطور الوعي، وبالأشخاص الذين تصادفهم في الطريق ويؤثرون فيك أيّما تأثير، وربما يغيرون حياتك في مُجملها. ففي بداية دخولي الثانوي كوّن شباب وشابات الحي رابطة وضمن إنجازاتها كانت إنشاء مكتبة عامة، كنت أصغر الأعضاء وأكثرهم مداومة على الاستلاف من المكتبة هذا بخصوص تطور القراءات، أمّا عن التجربة وكما قلتُ في حوار آخر إن في البدايات الأوُل في ذاك التخبط وعدم وضوح الرؤية إن لم يكن غيابها أصلاً، يرسل الله لك من يأخذك من يدك ويسير بك في اتجاه لم تخبره من قبل، غالبا هو الإتجاه الصحيح، قد يتمثل في كلمة تشجع، في تربيتة رضا، في ابتسامة استحسان، أو تأسيس حقيقي وجاد للتجربة، المهم أن هذا يحدث وتجد هذا يدفعك للمرحلة التالية، ربما دون انفصال عن المُعلِّم الأول. هذا ما حدث معي وأظن أنه حدث مع الكثيرين غيري.
عملي الأول رواية quot;فلاش أخضرquot; تراهن على الحب كحل لمشكلة الحروب التي يعاني منها وطني السودان، والتي هي أصلا لأسباب إثنية وعرقية، سواء كانت حرب الجنوب أو ما يدور في درافور. تحاول الرواية أن تقول بالحب يمكننا حل جميع المشكلات، وهي رواية تشتغل على الجانب النفسي في بناء شخوصها أكثر من اشتعالها على عناصر المكان والزمان، واعتنت عناية لافتة باللغة كعنصر أصيل في الرواية، الجديد هذا الرهان على الحب والقبول.

** في ضوء ذلك ما طبيعة المشروع المستقبلي لك؟
* مشروعي المستقبلي الأساسي الذي أعمل عليه هو quot;إنسانية الأدبquot; وهو بالطبع مشروع مشى فيه من قبلي الآخرون خطوات واسعة وأضافوا إضافات حقيقة مثل البير كامو، الشاعر إدريس محمد جمّاع، ومعاوية نور الذي توفي في ريعان الشباب ورغم هذا ترك إرثاً خالداً من المؤلفات. وأتمنى أن أضيف ولو لبنة واحدة في هذا البناء. ومشاريع جانبية مثل توظيف الحكاية الشعبية في السرد.

** ماذا عن الكاتبة السودانية وما طبيعة المناخ الذي تعيش؟
** في اعتقادي أن الكاتبة السودانية تسير قُدماً، فثمة أصوات كثيرة مبشِّرة بالإضافة إلى أن حركة النشر تشهد تطوراً عن ذي قبل، سواء بمجهودات فردية أو مؤسسية، فالراهن يشهد حراكاً إبداعياً صحيح أنه دون الطموح ولكنه مبشِّر.
المناخ هنا ليس معادياً كما أنه ليس مشجعاً، فكثير من الإنتاج الثقافي يتم بمبادرات شخصية وفردية بالإضافة إلى بعض المؤسسات الخاصة مثل مركز عبد الكريم ميرغني، دارعزة للنشر والشركة العالمية للطباعة والنشر. فمؤسسات الدولة لا تأبه كثيراً بالأعمال المتميزة.
لكن هناك أصوات مميزة من جيلي مثلاً القاصة استيلا قايتانو من الكاتبات المُجيدات، وأصوات شعرية نشطة مثل الشاعرة نجلاء عثمان التوم، والقاصة كلتوم فضل الله. ومن جيل سابق القاصة فاطمة السنوسي وبثينة خضر مكي وسلمى الشيخ سلامة، وروضة الحاج كصوت شعري. بالطبع هنالك من لهنْ شرف المحاولة.

** بشكل عام كيف تنظرين إلي المبدعة العربية؟
** المرأة العربية في اعتقادي ndash; سيما- في السنوات الأخيرة شكّلت حضوراً كبيراً على خارطة الإبداع فثمة كاتبات مبدعات حقيقة يرفدن الحركة الإبداعية بأعمال جميلة في القص نجد لطيفة الدليمي، ليلى العثمان، أحلام مستغانمي، في الشعر كذلك، حتى على مستوى الكتابة الفكرية والنقدية هناك نساء سامقات سطعنْ مثل اعتدال عثمان، يمنى العيد، سعاد الحكيم، جمانة حداد كتجربة متفردة في العمل الصحافي والترجمة والشعر. أكثر من هذا فإن د. سعاد الصباح تقوم بجهد كبير على المستوى الثقافي سواء بالحضور الفاعل ككاتبة وشاعرة أو بنشر كثير من الأعمال الأدبية المتميزة.

* الكتابة النسوية الآن مشغولة بالجنس ما تقييمك لذلك؟
ليست الكتابة النسوية فقط التي تتناول ثيمة الجنس، هناك كتاب ذهبوا في هذا المنحى بعيداً وصريحا جداً، مع هذا فإن تناول الجنس بغرض اجتذاب القاريء وتدلليه أو تضليله أو حتى بغرض التسويق مسألة تحتاج إلى كثير من المراجعة، أما إن كان استخدامه لدواعي العملية الإبداعية فهو يضيف للنص ويكمّل لمكونات النص الأخرى كثيمات المكان والزمان واللغة.

** المرأة السودانية كيف تقيمين أوضاعها عامة؟
** بخلاف الواقع الذي يشهد كثيراً من العقبات هنا وهناك وعلى مستويات مختلفة ساسية واجتماعية وثقافية، رغم ذلك فالمرأة السودانية تثابر في وضع بصمات واضحة على الواقع، في المشاركة السياسية نجد أنه ولأول مرة ربما تترأس المرأة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم العتيدة، الذي كان حكراً على الرجال لسنوات طويلة، كما أن المرأة السودانية تشارك في الواقع السياسي، ومنذ وقت باكر ساهمت وشاركت في العمل القضائي بخلاف كثير من الدول المجاورة، صحيح أنها كانت تتمتع بحضور باكر غير أنها كانت مبادرات فردية من قبل بعض الرائدات، إلا أنها الآن أخذت تشارك في كل مفاصل الحياة، فثمة الوزيرة والقاضي والمستشار وخلافه. أما على المستوى الثقافي حتى عهد قريب لم نكن نجد إصدارات نسائية إلا فيما ندر، أما الآن فهناك أصوات نسائية كثيرة تكتب وتنشر وتتواجد بثقة ورسوخ على خارطة الإبداع السوداني.