بقلم: محمد عمر
ترجمها عن السويدية سعيد الجعفر

إذا استثنينا مسرح خيال الظل العربي في القرون الوسطى والطقس المسرحي التراجيدي في ذكرى الإستشهاد البطولي للإمام الحسين (استخدم الكاتب مصطلح مسرح الآلام وهو مصطلح تواضع عليه النقاد في الأدبيات الغربية بخصوص قيام بعض الفرق المسيحية بتمثيل مقتل السيد المسيح - المترجم)، فليس هنالك حسب علمي شئ ذو قيمة فيما يخص المعلومات المتعلقة بالفن المسرحي في العالم الإسلامي. لكني وجدت من خلال مراجعتي للسيرة الذاتية لأوجست ستريندبيرج التي كتبها أولوف لاجر كراتنز***، شيئاً مثيراً للإنتباه وهو وجود مسرحية سويدية بطلها شخصية إسلامية خالصة. والأكثر إثارة أن تلك المسرحية افتتحت بأية قرآنية. أقصد بما ذكرته مسرحية quot;حذاء أبو القاسمquot; والتي كتبها ستريندبيرج في خريف 1908.
كان ستريندبيرج قد انتقل للتو الى بلو تورنت**** وأقام علاقة غرامية مع فتاة أصغر منه بكثير هي فاني فالكنر، بنت صاحب المسكن. وبحسب لاجر كرانتز فإنه يمكن قراءة المسرحية كونها ترمز الى علاقة الحب المليئة بالمشاكل تلك.
فلدى التاجر أبو القاسم ابنة جميلة، إسمها زليخا. وفي المنام رأت هي رؤيا جرى فيها تحذيرها من خيانة الرجال ولذا قررت أن تبقى باكراً طيلة حياتها. أحد الأمراء يقع في غرامها ويتعذب حد المرض في داخله. ويفكر الإسكافي حسن بخطة تجمعهما quot; فالخيانة القائمة على التقوى يسمح بها القرآنquot;.
الأمير يبقى طريح الفراش شاحباً وعليلاً، متخف في ملابس رجل عجوز ليوضع في سريره أمام باب غرفة زليخا. تمر هي فتأخذها الشفقة عليه، لكنها للإحتياط تسأل عن عمر الرجل المريض. quot; إنه كلب هرمquot;، يؤكد لها حسن الإسكافي.
quot; لو كان هرماً حقاً فانني سأرى إن كان باستطاعتي تخفيف مرضهquot;، قالت زليخا، فأجاب الإسكافي quot; بالتأكيد تستطيعين ذلك، أنت بالذات وليس أحد غيركquot;. تتجه زليخا نحو السرير، وتنادي المريض quot; الرجل الهرم المسكينquot;، تتناول يده كي تجس نبضه. وحين تكتشف أن نبضه أسرع من اللازم تضع يدها فوق قلبه. القلب في داخل صدره يتوقف عن الخفقان، فاللمسة المرة و اللطيفة في آن تثير لوعته، لكنه ما يلبث ثانية أن يعود الى الخفقان. زليخا من جانبها تفهم توقف النبض كونه علامة الموت لكن عيناها تلتقيان في اللحظة ذاتها عينيه ndash; سهمي آمور المسومتينndash; وهكذا تغرق في قنوط الخسارة.
ويصف ستريندبيرغ المشهد بهذا الشكل:
والآن ماذا حل بك
أيها الرجل الهرم؟
هل هو القلب؟ وكيف هو النبض، ناولني يدك!
الله أكبر! لديك حمى ويدك ترتجف، لكنها جميلة.
بالنسبة لرجل هرم مثلك، دعني أجس نبضك.
على القلب! الأمر ليس على مايرام،
لقد توقف! ها هو ينبض ثانية،
النبض يبطأ، يتوقف ndash; إنه يموت!
دعني أنظر في عينيك!
زليخا تحدق إذن في عينيه وتقع ضحية الحب. وتدرك أنها استدرجت الى فخ نصبه الإسكافي. quot; يا إبليس! ياجني! ياحسن يانذل!quot; تصرخ هي في وجه وسيط الزواج العنيد.
تضع زليخا يدها على قلبها، في حالة شبه إغماء: quot; أيها المحتال الآتي من أعماق الجحيم! رحمتك ياربي!quot; الإسكافي المحتال يفرك يديه منتشياً بالنصر: quot; لقد أصاب السهم هدفه! ها ها! الأمر يحتاج الى حفل!quot; الأمير ينهض، ينزع الملابس التي تخفي بها، ويرمي سترته.
المشهد الذي يصور زليخا عند سرير الأمير يمكن أن يقرأ كونه يرمز الى علاقة ستريندبيرغ بفاني فالكنر.فما الشيخوخة إلاّ قناع، فأعماق روح الرجل الهرم تمور بالشباب، وزليخا لا تحتاج ألا اكتناه سر عيون الأمير المتخفي تحت مسوح رجل هرم! والأمير المتخفي في تلك الثياب والذي ينتظر أن يُكتشف- سترندبيرغ- هو من كان في بيت أهل فاني، في البرج الأزرق.
ولم يكن اسم زليخا مجرد أسم فحسب، فقد كان لدى ستريندبيرغ quot; الديوان الشرقي للمؤلف الغربيquot; وبنسخ عدة، هناك حيث نجد اسم بوخ زليخا، التي ترمز الى حب غوته القديم للصبية ماريانه فون ويليمر.
الفنانة الموهوبة فاني فالكنر وشت غلاف المسرحية بعبارة قرآنية بالعربية، من الصورة رقم 94: quot;ألم نشرحquot;. والصورة في ترجمة تورنبيرغ من عام 1973 كانت كما يلي:
ألم نشرح لك صدرك
ووضعنا عنك وزرك
الذي أنقض ظهرك
ورفعنا لك ذكرك
فإن مع العسر يسرا
إن مع العسر يسرا
فإذا فرغت فانصب
والى ربك فارغب

ويعتبر جونار أولين جازماً في مقدمته للأعمال الكاملة لستريندبيرغ أنه ليس هناك من علاقة بين السورة القرآنية ومضمون المسرحية، لكنني أعتقد مستنداً الى ما طرحه لاجر كرانتز، أن مضمون السورة يرتبط على المستوى النفسي وبشكل جلي بالحالة التي كان يمر بها ستريندبيرغ في فترة كتابة المسرحية. ويتماهى الكاتب الآن، كما فعل قبل ذلك حين تماهى في عذابات المسيح، في النبي الذي أنهكه الفشل، فيجد عزاءاً وإسناداً من الله، quot;أن مع العسر يسراquot;، بمعنى أن ستريندبيرغ ليس بحاجة الى أن يكتئب فهو سيفوز بقلب quot;فانيquot;، ويخرج من علته ويأسه وثانية يرتشف سعادة الصبا. الهرم لا يعني شيئاً، فالإنسان يرميه كما يرمي سترته، أما في دواخله فهو إنسان آخر، وسترندبيرغ متأكد الآن من أن عيني الإله آمور قد اكتشفتاه، تماماً كما رأت النبي، عين الله التي ترى كل شئ.

هوامش:

1-أولوف لاجركرانتز كاتب وناقد وصحفي سويدي من أهم ماكتبه السيرة الذاتية لكل من سترندبيرج وجونار أيكلوف و ستيج داجرمان. كما كان محرراً لفترة طويلة للصفحة الثقافية في الجريدة السويدية الواسعة الإنتشار داجينز نيهيتر.
2-بلو تورنت (القلعة الزرقاء) تسمية أطلقها ستريندبيرج على آخر مسكن عاش فيه ويقع في مركز مدينة ستوكهولم. وهنالك آراء عديدة حول سبب هذه التسمية منها مقارنة سكنه بأحد القصور في كوبنهاجن الذي استخدم كسجن للارستقراطيين في القرون الوسطى، والذي يحمل أيضاً اسم بلو تورنت. وهناك تفسير عملي يرتبط بكون الأبواب الداخلية وبئر السلم ذات لون زرق.

محمد عمر كاتب وناقد وشاعر سويدي من أب آذري وأم سويدية ومن مواليد 1976. ويرأس هو تحرير مجلة المنارة بالسويدية والتي تعنى بالثقافة الإسلامية. نشر هذا المقال في مجلة سويدية أسمها quot;الثقافةquot;.