إذا لم تَحْدث ظاهرة تعيد الاعتبار إلى الأنواع الأدبيّة وتُجدّدها مؤهّلة إيّاها للانبعاث، فستنتهي الأنواع الأدبيّة. ولن يبقى من القصّة إلّا ما يُباع، أي ما يندرج في السياق التسليعي، ولن يبقى من الشعر إلاّ فئتان: أولى لا يفهمها أحد، وثانية هي العجز عن التعبير، عجز معبّر عنه بالفشل سواء في مفهوم الشعر وفي الكتابة.بقلم أنسي الحاج
حاليّاً، أكثر ما يُقرأ في ما يُنْشر هو المقال. ومنذ عقود، على الأرجح. أعتقد أن ممّا نجحت فيه قصيدة النثر (العربيّة خصوصاً) هو
| بريشة غازي يونس |
تخفيف صدمة الانتقال من الأوزان إلى النثر، تمهيداً، دون قصد منها، للانتقال من عهد القصيدة إلى عهد المقال.
المقال الجديد هو النوع الذي جَمَع العديد من الصفات التي كانت موزّعة بين القصّة والحكاية والقصيدة والخطاب. لذلك تقع عليه مسؤوليّة ضخمة.
الصحافة انتهت كوسائل إخباريّة أو فوتوغرافيّة ولم يعد يميّزها إلّا المقال. صحافي المقال يجب أن يدرك مسؤوليته كفيلسوف وأديب ومؤثّر وفاعل متعة، لا كمعلّق مُمازح أو مأجور.
ستبقى الدُور تطبع كتباً فيها قصص وقصائد، إلى أن تحصل تلك الظاهرة الإحيائيّة الجذريّة، أو تواصل القصص والقصائد مسيرة لَفْظ أنفاسها. مع استثناء للرواية الاستثنائية وتلك الشعبيّة، وهذه يكمن الخطر الأكبر عليها في السينما.
مَن سيرغب في laquo;الأدبraquo; عندما لا يعود يَهزّ شيئاً؟ الأفضل حينذاك أن نعود إلى الصفر ونترك الأبواب مفتوحة. حين تتجوَّف الأشكال لنَدَعْها تسقط. لا نَخَفْ أن نكون مرتكبين بحقّ التجديد، التجديد لا يكون مضجراً وخاوياً كما هو حاصل. ولا يجوز أن نترك التجديد يتحكّم فينا ويبتزّنا وينحرف بحدسنا.
لا laquo;ندعوraquo; إلى مبايعة المقال، بئس الصحافة، بل إلى معاينة ما أمسينا عليه من تراجع الحال الأدبيّة. لا تَسْمع إلّا كلمات إبداع ومبدعين وليس من إبداع ولا مبدعين إلّا بمقدار ما في الصحراء من سراب. إذا كان حقّاً ما ندّعيه هنا من أن المقال حَلَّ في المرتبة الأولى لأنه يُقرأ، فهذا منتهى الانكفاء. لم يحصل في التاريخ مثل هذا. وعليه، فإمّا أن نرفع شأن المقال حتّى يستجمع ما له وما لسواه فتكتمل عناصر الخَلْق الأدبي فيه ويأخذ مكانه، وإمّا أن ينقلب الواقع الأدبي ويحترق وينبعث من موته. ولا يقوم بهذه المهمّة غير روّاد جدد، أو النقد، ولعلّه أفضل الباقين على قيد الحياة بين سائر الأنواع الأدبيّة.
الذين يجب أن يعرفوا يعرفون ما هو الخَلْق. وهم لا شك يلاحظون اضمحلاله. لقد خضع النشر مثل غيره من المواد الاستهلاكية والأنشطة الاجتماعية لآفة المظاهر، واغتصب الإرهاب الإعلامي عالمَ التقييم. وعوض أن تكون الكتابة الإبداعيّة، أو حتّى مجرد الكتابة الجيّدة سبيلاً إلى الانعتاق من الضحالة اليوميّة وتعاسة العبء الوجودي الخانق، صارت بدورها كابوساً يُعمّق مشاعر العجز. وصار الضجر عنوانها وتدليل الذات غايتها. وبات المضطلعون بفن التعبير أقليّة على شفا الانقراض وأشبه بجماعة سريّة تختبئ من ضياعها في محيط تُوهمه التكنولوجيا بأنه كونيّ وليس هو غير اجترار الذات النرجسيّة لنفسها، بل لظاهر جِلْدِها، في انحطاطٍ تحتقره الطبيعة ويوغل الكونُ في الابتعاد عنه تاركاً هذا الكوكب الجميل يموت من نرجسيّته.
نقلا عن quot;الأخبارquot; اللبنانية









التعليقات