هل اسْتبدلوا الورق المُصادَر بسخاء الأنترنت؟
تحقيق:عبداللّطيف الوراري
1.تقديم:
كواحدٍ من أهمّ وسائل الميديا الجديدة الّتي نشأت عن العولمة المعاصرة، يتعرّف المغاربة على الانترنت الّذي تحوّل، بسرْعة وبعد فترة تهيُّبٍ منْه، إلى ضرورةٍ من ضرورة حياتهم المعاصرة، وكيْف صارquot;انْفجاراًquot; يأخذ الكثير من وقتهم وأحاديثهم، اليوم.شرائح واسِعة، ومشارب مختلفة من المجتمع باتت تتعاطى مع الانترنت بشكْل طبيعيّ، أمّا الشّباب فإنّ لهم فيه مآرب شتّى، من غرف الشّات إلى محرّكات البحث فيما هو، بين أيديهم، يقرّب المسافات، ويعبر الحدود، ويوسّع من مجالات الحرّية في التّعبير والإحساس والرّؤية.
2.
النّشْر الإلكتروني ومغامرة الأيدي:
في وقْتٍ ظلّ فيه كثيرٌ من الرّعيل الأوّل ولاحقيه من الروّاد والمؤسّسين يتهيّبون منْ صورته الافتراضيّة، أي غير الواقعيّة في المعنى المادي، ومتحفّظين على الصّيغ الّتي يتمّ بها تدول الأدب الرقميّ، إخترق أدباء المغرب من المُعاصرين، والشّباب تحديداً، هذا الفضاء السبرنتيكي معرِّفين بكتاباتهم ورؤاهم ومواقفهم، وموّسعين دوائر حركتِهم من خلال نشْر نتاجهم في عددٍ من في المواقع الثّقافيّة الإلكترونيّة، بلْ أنْشأ البعض منهم مواقع إلكترونية بدايةً من أواخر التسْعينيّات(رضا اكديرة /1996، المهدي المنجرة/1998، هشام فهمي/1999، سعيد يقطين/2000، محمد العمري /2000، يحيى اليحياوي/2002، محمد أسليم /2002، أحمد العمراوي /2002، محمد المصباحي/ 2002، سعيد بنكراد /2003...إلخ)، والكثير منْهم، بلا عددٍ، وضع مدوّنات شخصيّة تهتمّ بنتاجات الثّقافة والأدب المغربيّين، كما يسجل حضورٌ لافِتٌ في عملية إنشاء المنتديات وإدارتها أو حتى الإشراف عليها بشكل فعّال.ورغم هذا الدأب المبذول في اختراق عوالم الأدب الافتراضيّة لا زال أدباء المغرب يفتقدون لموقعٍ عظيم الشّأن والأثر ينقل صورة أدبهم وقضاياه بشكْل واسع يُضاهي كبريات المواقع الثّقافيّة الإلكترونيّة العربيّة الّتي سارتْ بذكْرها الأجْواء لرصانتها، وكفاءتها العالية، وأفكارها الّتي تُشيع روح الإبْداع والتّسامح والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتنفتح على الآداب والثقافات الأجنبيّة(إيلاف، جهة الشعر، الكلمة اللندنية، ديوان العرب، الامبراطور، دروب، كيكا، فضاءات...إلخ)، بل إنّ مواقع مؤسّسات وازنة تُعنى بالشأن الثّقافي والأدبي (وزارة الثّقافة، إتّحاد كتّاب المغرب، بيت الشّعر في المغرب...) لا تعمل إلّا ببطء، ولا تواكب ما يستجدّ في السّاحة حتّى أنّها لا تُغري أحداً، وصارت طُرْفة في لسان الحال على الْكَسل والتّقصير وسوء التّدبير.
3.
من الورَق المُصادر إلى سخاء الأنترنيت:
يُلاحظ، في غياب محفّزات النشْر الورقي، إقبال على هذه الواجهة التواصليّة مِنْ شاشات الصفحات الافتراضية مع ما توفّره وسائطها التّفاعليّة مِنْ إمكانات العمل والانتاجية، وفُرص الفاعليّة والتّأثير؛وهو ما انْعكس، سلْباً أم إيجاباً، على تصوّر الظّاهرة الأدبيّة نفْسها، ومُمْكنات فعاليّاتِها العابرة للذّوات والخطابات.إنّها، بلاشكّ، أتاحتْ هامشاً مهمّاً من الحريّة والحدّ من الطّابوهات والإكْراهات السياسيّة، وعملت على أرْشفة النّصوص الأدبية والفكرية والفنية، وعلى رجّ أشجار النّسب الثّقافية والجماليّة بأكملها، كما أماطت اللّثام عن مواهب أدبية حقيقيّة هُمّشت لهذا السّبب أو ذاك.
لكنّه سيْف ذو حدّيْن.بقدرما كان لمسألة النّشْر الإلكتروني من أهميّة لا تُنْكر، فإنّه فتح الباب على مصْراعيْه أمام التّهافت والتّرويج السّهْل والرّداءة المنفلتة من كلّ معيار، وأمام التّعليقات الّتي تغيب عنها روح المسؤولية وتتحول الحريّة فيها خطاباً للكراهية، ومجالاً لتصفية الحسابات والأحقاد الصّغيرة وراء الأقنعة والأسماء المستعارة.بلْ مِن المواقع الثقافية الالكترونية مَنْ نافس الصّحف الورقيّة التقليديّة سارِقاً مِنْها جماهيريّتها، ومِنْا مَنْ تحوّل إلى مؤسّسة لا تعدم منطق السّلْطة الّتي جاءت للردّ عليها، والخروج على شرْعتها مُحتمية في ذلك بالأسماء والقوانين والكليشيهات.

4.
علْم الرّيح:إسْتطلاع آراء.
بهذه المعاني، يمكن القول إنّ المواقع الالكترونية فتحت فضاءً بلا ضفاف في حياتنا الثقافية، ودشّنت عصْراً جديداً من تاريخ الكتابة والتلقّي، وأنشأت مفاهيم وحساسيّات ورؤى جديدة في حياة كلّ أديب من أدباء العربيّة ينْضوي تحت هذا المجمع، أو يحلّق في غيْر سماء، لكنّ أجنحته المحترقة هي زادٌ للسّالكين على عِلْم الرّيح.
لاسْتِطلاع آراء بعض من أدبائنا في المسألة الّتي تشغلهم فتحْنا هذه الأسْئِلة:
أ ـ هل ترى أنّ المواقع الثقافية الإلكترونية أتاحت للكتّاب فرصة إيصال إنتاجهم الأدبي إلى أوسع قطاع ممكن من القرّاء، بعيدا من إشكالات النشر في الصحافة الورقية المغربية، وحواجز المنع أمام الذين لا يمتلكون أسماء معروفة؟
ب ـ هل تعتقد أنّ ما تنشره من مساهمات أدبية أنترنتيّاً يصل إلى القرّاء المفترضين؟وأنّ النشر الإلكتروني لا يقلّ أهمية عن النشر الورقي؟وأنّ لذلك أثراً في تجربتك الكتابيّة؟ثمّ ما هي في نظرك أهمّ هذه المواقع بحسب الجودة والانتشار؟
ج ـ في ضوء فسحة الفضاء الانترنتي، والمساحة الهائلة التي خلقها، وحرية الاختيار التي فتحت الأبواب للتعبير عن الآراء ووجهات النظر بدون قيود، هل تعتبر أنّ ذلك خلق في المقابل فوضىً في القيم واختلالها، واختلاطاً في معايير الحكم الجمالي فلا نعرف الرديء من الجيّد؟
ــــ
1.4.
ـ الكاتب والنّاقد رشيد يحياوي:
الإعلام الحزبي المغربي ما زال في عصور الانحطاط
بدايةً يوضّح الكاتبquot;أنّ سهام النقد عادة ما توجه للصحف الحزبية بدعوى أنّها تقصي الكتاب غير الحزبيين أو حتّى الموالين و المتعاطفين مع الأحزاب التي تصدر تلك الصحف. والحال أنّه حتّى الصحافة المسماة بالمستقلة، إمّا أنّ بعضها يمارس نفس الإقصاء و التضييق أو أنّها غير مهتمّة بالثقافي عموما.quot;
وبخصوص الحالة في المغرب، يقول أنّه quot;يُثار هذا السؤال لكون الصحف الحزبية كانت هي الأكثر مقروئية في عقود السبعينات و الثمانينات و التسعينات، ليس كلّها ولكن صحيفتان منها تحديدا. أمّا حاليا فلم يعد لها سوى وجود رمزي في سوق القراءة بعد أن تراجعت مبيعاتها بصورة حادة. ومهما كان الأمر، فإنّ المسألة لا تخصّ الأحزاب، ولكن وجود بعض الكتاب ذوي النظر القصير والمزاج الضيق، على رأس تحرير الصفحات الثقافية في العديد من الصحف الحزبية و غير الحزبية معا. وهذه الفئة تستغل مواقعها لإرضاء صداقات و خلق أخرى دون أن تكون لها استراتيجية ثقافية معينة. والأكيد أنه في ضوء هذا الواقع السلبي، بحث العديد من الكتاب عن متنفسات أخرى للنشر في واحدة من الصحف المستقلة، وايضا خارج المغرب في العديد من الجرائد العربية المعروفة ثم في الانترنت بعد ذلكquot;.
وعنْ علاقة بفضاء النّشْر الإلكتروني، أكّد أنّ quot;الكتّاب المغاربة لم ينجحوا حتّى الآن في إنشاء مواقع إلكترونية ثقافية ذات نسبة عالية من التصفح و عدد الزيارات، قياساً إلى مواقع أنشأها كتاب من المشرق العربي، بل قياسا أيضا إلى مواقع أنشأها كتاب مغاربيّون من تونس و الجزائر و ليبيا. ولما كنت طرحت سؤالا حول الإعلام الحزبي، أشير هنا إلى أنّ الإعلام الحزبي المغربي ما زال يعيش في عصور الانحطاط على مستوى الإبداع في النشر الإلكتروني. و المسألة لا تتعلق بغياب الخبرات، بل بضعف الوعي الثقافي وغياب الإرادة. ولدينا أحزاب يسارية مثلا، ليس لديها صحف ورقية و لا مواقع إلكترونية، و لا حتّى مدونات بسيطة.
أمّا بالنسبة للكتاب كأفراد، حزبيين وغير حزبيين، فربما يكون عدم إنشائهم لمواقع إلكترونية ذات أهمية، راجعا لأسباب مادية أو لأسباب أخرى أجهلها حالياquot;.
وفي مقابل ذلك، يؤكّد الكاتب رشيد يحياوي الّذي أكبّ منذ سنواتٍ على تحليل خطاب الشّعرية في المجال العربي أنّ quot;انتشار الكتاب المغاربة داخل هيئات الإشراف على الكثير من المواقع الإلكترونية الثقافية العربية. كما لابدّ من التأكيد على أن بعض الكتاب المغاربة تستقبل كتاباتهم بكيفية محترمة من لدن الصحافة العربية و المواقع الإلكترونية، لكنّها في المغرب لا تجد طريقها للنشر رغم أهميتها، و رغم أنّ أصحابها أصبحت لهم أسماء يعتدّ بها خارج المغرب. إذن يوجد خلل معين على هذا المستوىquot;.
ويُضيف quot; صحيح أنّ الكتاب المغاربة النشيطين في النشر إلكترونيا، يصدق عليهم ما يصدق على غيرهم من الكتاب العرب، فبينهم الكتاب فعلا، كما أنّ بينهم أنصاف الكتاب و أرباع الكتاب، بينهم الناشئون، ومن يهذون من زمن ولم يصبحوا كتابا بعدن وبينهم من يحبون في الكتابة، وبينهم الراسخون فيها، و بينهم من رسخوا فيها بفضل من انتبهوا لإضافاتهم و فتحوا لهم صفحاتهم الورقية و الإلكترونية خارج المغربquot;.
قبل أن يستطرد quot;كلّ هذا صحيح في رأيي، و لا أريد التعليق عليه، أريد فقط، أن أحيي كل مسؤول عن النشر الورقي أو الإلكتروني، يشعل شمعة في طريق الكاتب- مغربيا كان أو مشرقيا- يستطيع بنورها أن يسير بخطى ثابتة نحو المزيد من الكتابةquot;.
2.4.
القاصّ والرّوائي حسن البقالي:
.
فضائل الانترنت وفضائحه
بلغته الأدبيّة يتناول القاصّ حسن البقالي يفتتح الموضوع قائلاً:quot;هو انتفال من جدول صغير إلى شساعة البحر..إلى كون يعيش انفجاره العظيم ويتمتع بجاذبية آسرة.على أن هذه الخاصية (شساعة المساحات الافتراضية بدون حد) هي ذات رأسين اثنين:
- الكاتب الذي تجاوز الحواجز والمعيقات التقليدية التي ظل يفرضها النشر الورقي القائم على الانتقاء..وهو انتقاء مبرر بضيق المساحة الورقية المتوفرة, لكنه غير خاضع بالضرورة لمعايير الجودة والإبداع فحسب.
- المتلقي الذي تجاوز بدوره حدود الدولة القطرية, وفي أحسن الأحوال الرقعة العربية إلى فضاء العالم الفسيحquot;.
ويؤكّد quot;إن الانترنت خير تمظهر لمقولة quot;ماكلوهانquot; التي جعلت من العالم قرية صغيرة..قرية كونية مشرعة على الفضاءات اللامحدودة.. وبشكل ما هي أيضا قرية quot;جوبوسكيquot; المدفونة وقد خرجت للشمس, إذ أليس الانترنت في النهاية شكلا من أشكال الإبداع الإنساني الماحق؟quot;.
وعن النّشر الإلكتروني وعالمه الافتراض يرى أنّ quot;هناك دوماً مساحة بيضاء بين القارئ المفترض والقارئ الفعلي..وما يحدث الآن مع الانترنت هو أنه يؤسس لتقاليد قرائية جديدة وعلائق من نوع آخر بين الكاتب والقارئ, لعل أهم تجلياتها ما يمكن وسمه ndash; إحالة على الحقل التربوي- بالتغذية الراجعة feed backالفورية.
أكيد أن المواقع الإلكترونية أثارت وما تزال تثير الكثير من الجدل من خلال عقد مقارنات بين الإلكتروني والورقي, مع الانتصار لهذا أو ذاك.وهو جدل صحي وطبيعي مرده إلى آليات المقاومة النفسية التي تميز البشر إزاء كل ما هو جديد أو غريب وشاذ عن القيم السائدة.لكن يكفي ذكر واقعة شراء أحد الناشرين لحقوق النشر الإلكتروني لأعمال نجيب محفوظ للتدليل على أهمية النشر الالكتروني, الذي ربما تحول في القادم من السنين إلى طوفان يغرق جبال الورق.والتاريخ يبين لنا دوما أن الشوكة المنغرزة في الخاصرة كثيراً ما صارت هي نفسها الخاصرة بل سائر الجسدquot;.
وبصدد تجربته الشخصية في مجال النشر الإلكتروني الّتي تنوّعت بيْن كتابة القصّة والمقالة النقدية، يشير إلى أنّها quot;قصيرة جدا (مع انتهاء هذا الشهر: أبريل/نيسان, سأكمل سنتي الأولى في التعامل مع هذه الأداة/العالم..وهي تجربة تزامنت مع حدثين دالين:
- انتقالي من مدينة فاس/مقبرة المبدعين إلى مدينة الخميسات.
- وعودتي إلى الكتابة بعد فترة انقطاع دامت زهاء خمس سنوات.
ومن ثمة لعب الانترنت دورا محفزا وداعما للمرحلة الجديدة من مساري الإبداعي الذي عملت جهات متعددة فيما قبل سواء عن جهل أو سوء طوية أو حساسية حزبية/إيديولوجية وحتى شخصية, على التعتيم عليه بشكل يقارب المحو..إن أول خطوة على أرض الانترنت لا تختلف عن خطوة كولومبس الأولى فوق جسد قارته الجديدة..انزلاق عبر رسالة جديدة للغفرانquot;.
أما عن المواقع الإلكترونية, فيؤكّد quot;أن أية محاولة لتقييمها تبقى مرتهنة بمعرفة شاملة لخارطتها ومؤشرات الجودة والإقبال عليها..وما دامت مسألة كهذه متعذرة بالنظر إلى العدد الهائل للمواقع وتنوعها والعجز عن تتبعها, فلا أقل من ذكر البعض منها مما ارتبطت به كتابة أو قراءة..مثل دروب, شبكة القصة العربية, كيكا, إيلاف, الندوة,الإمبراطور, والمواقع المغربية أنفاس, الفوانيس وهسبريس..quot;.
ومن الفضائل الأساسية للانترنت الّتي يراها quot;أنّه كشف بعض المستور وعرض للشمس العديد من السلوكات المحسوبة شططاً على الثقافة والتي ظلت تطبع العلاقات الثقافية في هذه المنطقة من العالم مستفيدة من السراديب المعتمة للنشر الورقي..وذلك من قبيل:
- الغلو في المجاملات ومظاهر الارتشاء العاطفي
- الغلو في التحامل والإقصاء غير المبررين موضوعياً (كطرف نقيض للنقطة الأولى)
- التضايق والانزعاج من الانتقاد ولو كان يصب في إطار التقويم الإيجابي للتجربة
- سوء فهم للآخر بسبب التأويل الخاطئ للإشارات المتضمنة في خطابه.
- انعدام الجرأة في إبداء الرأي بعيداً عن حسابات الربح والخسارة والمصلحة الشخصية.
- سلوك القطيع الذي لا يسلم منه المثقفون..
- القبلية والانتصار لquot;الأخquot; في كل الأحوال..
وطبيعي أن يختلط الحابل بالنابل في ظل واقع كهذا, يصير العادي بله المبتذل إبداعا والإبداع لغوا والصحو محوا والسرقة تناصّاً...ليكرس بذلك لفوضى القيم واختلال المعايير والذائقةquot;.
ويستطرد قائلاً:quot;ليس الأمر ndash; مع ذلك- بهذه القتامة, فما تزال هناك واحات مخضرّة في صحرائنا الممتدة..أقلام مبدعة لنشر الجمال والدفء, سأبقى مديناً للانترنت بالتعرف عليها والدنو من عوالمهاquot;.
3.4.
ـ الشّاعر والنّاقد عبدالحقّ ميفراني:
يراهن النشر الالكتروني على كتابات تحتفي بهويّة مفتوحة متعددة قابلة للحوار وللتفاعل.
عن سؤال هل أتاحت المواقع الثقافية الإلكترونية للكتّاب فرصة إيصال إنتاجهم الأدبي بعيدا من الإكراهات، يُجيب الشّاعر والنّاقد عبدالحقّ ميفراني quot;أفترض أن الجواب بquot;نعمquot; لن يمثل كشفاً جديداً في هذا المجال، بحكم أن هذه المواقع الإلكترونية الثقافية بعضها لا يمثل رقابة ذاتية، لكن بعضها الآخر لم يتخلص بعد من هذه العقدة، سواء عبر تمثلها لخط تحريري، إن وجد، يساهم في بلورة مفهوم رقابة جديدة، أوعبر احتضان مفهوم معين من أنواع الثقافة.يجب أن نعترف أننا أمام ثقافات بالجمع وليس أمام ثقافة بالمفرد، ناهيك عن الصدام النفسي لأنواع الخطابات التي قد تلتقي على فكرة وقد تلتقي لتفترق.هنا يأتي دور الهيئة التحريرية لهذه المواقع في رسم quot;خارطة طريقquot; لنقاش حضاري أوسع، على أساس توسيع قاعدة القراءة وتحفيز هوامش عريضة من كتّاب مفترضين بعيداً عن معيار الجودة الذي لا زال يفتح نقاشاً يهم آليات وجود هذه الوسائطquot;.
وعن الإمكانات الّتي فتحها الشّاشة الافتراضية في زمنا الموسوم بالتحوّلات، قال:quot;إنّ النشر الإلكتروني حضر في واقع ثقافي خاص ومعقد، بحكم أن هذا السيلان المعرفي وهذا الحضور الواسع لهوامش quot;الحريةquot; دفع بالفاعل الثقافي أينما كان، عربياً على الخصوص، إلى توظيف هذه الآلية المكشوفة والواسعة في تقعيد تمظهرات ثقافية لا تمثل كشفا معرفيا اليوم، ولا تقعد لأية دينامية على مستوى بنية الخطاب. فقط يمكن الإشارة إلى أن هذا الواقع الجديد والوليد القادم من جغرافيات أخرى، حضر في وقت أمسى فيه الواقع الثقافي العربي يعيش أسئلة الهوية وانشطارات الكينونة، بل إن واقع العولمة، اليوم، يدفعنا إلى إعادة التفكير في آليات التوظيف النشر الالكتروني بما يتوافق مع إنتاج كتابات تحتفي بهوية مفتوحة متعددة قابلة للحوار وللتفاعل؛ والأكيد أن النشر بهذه الطريقة، في نطاق أوسع، سيساهم في بلورة رأي عام جديد بدون ملامح، وبالتّالي يساهم، ربما، في بلورة مشروع ثقافي عربي يمثل الانترنيت آلية إنتاجه وقاعدة بياناته الجديدةquot;.
وعن تجربته الشخصية بحكم أنه مراسل مجلة quot;الكلمةquot; الإلكترونية الّتي تصدر من لندن، يؤكّد أنّ quot;هذه المجلة التي تحولت إلى حدث ثقافي وإلكتروني في وقت تعرف فيه العديد من المجلات الورقية الرائدة انحساراً وصعوبات في الحضور، بل والمحافظة على تراكمات هذا الفعل. ورغم الاعتراف أن لا أحد يمثل بديلاً عن الآخر، لا يمكن أن تكون المجلة الالكترونية بديلا عن المجلة الورقية، والعكس صحيح. مجلة quot;الكلمةquot; ساهمت في بلورة مفاهيم جديدة لواقع النشر الالكتروني اليوم، بل إن مستويات التفاعل مع المثقفين والأدباء من جميع الجغرافيات العربية ساهم في خلق مثقف نوعي... ويكفي أن أستشهد بمقولة للدكتور صبري حافظ رئيس التحرير الذي أكد في أحد أعداد المجلة وهو يتناول حصيلتها مدة سنة أن quot;(الكلمة) جلبت إلى هذا الوسيط الجديد ـ النشر الرقمي على شبكة المعلومات الإليكترونية ـ كل ما راكمته الثقافة العربية من خبرات قيمة في مجال المجلة الجادة والمطبوعة على مد مسيرتها الطويلة والتي تمتد من مجلة رفاعة رافع الطهطاوي (روضة المدارس) في القرن التاسع عشر وحتى مجلة محمود درويش (الكرمل) في العقود الثلاثة الأخيرة. وهي مسيرة طويلة بحق شهدت خلالها المجلة الأدبية تراكمات قيمة من الخبرات المعرفية وأدوات الفرز والتمحيص المعيارية، وسياسات النشر الأدبية والفكرية المختلفةquot;.
وفيما يخصّ الفضاء الانترنتي وما سبّبه، رغم فسحته، من فوضىً في القيم واختلاطاً في معايير الحكم الجمالي، قال:quot;يتوقف هذا الأمر على ما تُعْرف به هذه المعايير، كما أفترض أن الجواب على هذا السؤال قد يعيدنا إلى مشكل أخطر بكثير وهو quot;الرقيب الجماليquot; إذا ما افترضنا أن فسحة الفضاء الانترنتي قد ساهم في بلورة قيم أخرى ليست بالضرورة معرفية، ولا تهم الجانب الأدبي ولا حتى التواصلي؛ويمكن لحقل السوسيولوجيا الرقمية أن يفيدنا على مستوى تدبير آواليات خطابية لفهم واستبصار عمق وديدن هذه الممارسة. لكن، مع ذلك، يجب الاعتراف أن فسحات وجرعات الحرية التي تتبلور في هذا الفضاء الواسع تخلق هي أيضا وازعاً quot;اخلاقياًquot; قد يساهم، إذا أردنا أن نسمي الأمور بمسمياتها، في تحريف قدرة هذه الشبكة الواسعة المعلوماتية في توسيع هامش التداول المعرفي، وفي قدرتها على بلورة ما أسميته في السابق رأياً عامّاً جديداً، وآليات خطابية جديدةquot;.
وختم صاحب quot;كولاج الشّاعرquot; بالقول:quot;ما يهمني في الأمر هو مفهوم الكتابة، المفهوم الذي أمكن لهذا الوسيط أن يخلق له قوانين جديدة، قد تساعد الدرس النقدي على إعادة تمثل مفاهيمه، وإعادة مراجعة خلاصاته.ويمكن للخطاب النقدي العربي اليوم، ولو في بعض إشراقاته، أن يعيد المصالحة مع المنجز النصي من خلال إعادة التفكير في النص الرقمي.إعادة قراءة الكتابة من بوابات معرفية جديدة، وإعادة قراءة تمظهرات المعرفة وسيول من المعارف التي تحتاج منا إلى تسريع خلق مرصد عربي يكون أفقه هذه المستويات من الإنتاجquot;.

4.4.
ـ الشّاعر سعيد الباز:
يفتقر المغرب إلى مواقع إلكترونية ثقافية تقابل ما هو موجود في المشرق، و فيها يساهم المغاربة بفعّالية.
عن هجرة النص المغربي إلى الخارج قال الشاعر أنّه quot;حاز على الاعتراف و الاستقبال الجيّد في العديد من المجلات و الدوريات العربية و المنابر الثقافية ذات الصيت و المكانة المحترمين قبل المنابر المغربية التي إما تجاهلته أو كانت مرغمة في الأخير على التسليم به كواقع لا محيد لها عنهquot; حيثquot;بدأ تحطيم جدارات برلين في عالم النشر والكتابة في المغرب مبكّراًquot;؛وأضافquot;إنّ ما وقع على مستوى النشر في السابق هو ما تواصل الآن بواسطة النشر الإلكتروني الذي أتاح المزيد من الحرية للإبداع و التواصل الحرّ مع القارئ دون حدود جغرافية أو سياسيةquot;.
وفي تقدير مدى أهمية النشر الإلكتروني في التواصل مع القراء المفترضين، أشار إلى أنّ quot;هناك صعوبة لسبب وجيه هو أنّ استعمال الانترنت ما زال محدودا بسبب ضعف مستوى العيش لدى الشريحة التي يفترض منها الإقبال على المواقع الإلكترونية ذات الصبغة الثقافية و الإبداعية من طلبة و أساتذة و مدرسين و متخرجي الجامعات العاطلين... أي أنّ الثقافة في عمومها، و المواقع الإليكترونية خاصة تستهدف بالضرورة الطبقة المتوسطة، و الحال أنّ الطبقة المتوسطة في المغرب و الكثير من البلدان العربية تتميّز بهذه الهشاشة الاجتماعية التي تنعكس بطبيعة الحال على دورها الثقافي و السياسي كذلكquot;؛وزاد quot;يفتقر المغرب إلى مواقع إلكترونية ثقافية تقابل ما هو موجود مثلاً في المشرق، علماً أنّ المساهمة المغربية في هذه المواقع مهمّة و جيّدة، تجعل المرء لا يفهم سبب هذا التقصير و الإهمال كما حال موقع إتحاد كتاب المغرب.لهذا الأسباب مازال للنشر الورقي دور هامّ خصوصاً في الحالة المغربيةquot;.
وعن تجربته مع النشر الإلكتروني قال إنّها quot;لا بأس بها و إن لم أنشر سوى في موقع كيكا. لكنّ تعاملي مع الحاسوب كان مبكّراً. و الآن، أكتب بعض النصوص مباشرة و أتعامل مع الشاشة في علاقة شبيهة بالورق، لاسيما وأنّني كنت أعتبر الجلوس على مكتب مرتب في حجرة تطلّ على أجمل منظر في المدينة ترفا كاذبا لا يجدر بكاتب أن يدّعيه... المكتب الوحيد الذي كان في ملكيتي أو على الأصح وقع بين يدي تخلصت منه ذات فقر مزمنquot;.
بدوْره طابع quot;الفوضىquot;الّذي يطال النّشر الإلكتروني، لاسيما أن بعض كتاب الانترنت الذين لم يخرجوا من عوالمه الافتراضية ربما يسقطون في بعض أوهام الكتابة، لأن معايير التقييم غائبة أو مضللة حيْث يغدقون على بعضهم البعض الألقاب و الصّفات في المنتديات و المواقع المفتوحة، ممّا يدخل الجميع في متاهة شاسعة تخلّ بأبسط آليات التلقي الضرورية في قراءة العمل الأدبي، quot;لكن في النهاية ستبرز مواقع جادة حريصة على قيمتها الأدبية وبعضها موجود بالفعلquot;.ولم بفُتْه في الأخير أن يؤكّد quot;أنّ ثمة تغييرات واضحة قد شملت عالم النشر والكتابة بفضل المواقع الإلكترونية، وذلك بإزاحة تلك الهيمنة المستبدة لبعض المنابر الثقافية التي كانت تروّج لأسماء محددة و لتيارات معينة، لا علاقة لها بالقيمة الفنية للأعمال الأدبية و الفنية. بل، تتحكم فيها في الغالب العلاقات الحزبية و الصداقات الشخصية والأسوأ في بعض الحالات الانتماء إلى نفس المنطقة أو الجهةquot;.
**
هذا لسان حال الأدباء العابرين في الوقت لِتُسْمِع الاسْتعارةُ قافيتَها في زمنٍ يتحوّل ويدعونا إلى التّفكير لئلّا يتجاوزنا.واللّه أعلم!

نقلا عن جريدة quot;القدس العربيquot;اللندنية