بغداد:يعدّ يوم 24 شباط/ فبراير يوما مميزا جدا بالنسبة للفنان العراقي الكبير يوسف العاني، يذكره على الدوام ويحتفل به،حتى لو على طريقته الخاصة مع محبيه، او بينه وبين نفسه ان اقتضى الامر، ففي كل سنة حين يقف العاني على حافة هذا اليوم يرمي بصره الى البعيد، الى صورة كان فيها صبيا يافعا يرتقي لاول مرة خشبة المسرح، اصبحت فيما بعد نقطة ضوء تتلألأ في حياته وتزداد اتساعا مع السنوات ويبتهج بها لان طريق الفن الذي سلكه كانت خطوته الاولى من هناك، على الرغم من انه اصبح محاميا بعد ان اكمل دراسته، الا ان الفن هو المهنة التي احترفها وعاش فيها اجمل ايام عمره، وهو القائل : (ما حققته في الفن.. لا استطيع ان احققه بمهنة المحاماة ولا بفلوسي).

وإذ يقيم الفنان العاني حاليا في العاصمة الاردنية لاسباب صحية، فهو يحرص على ان يجيء الى بغداد كلما سنحت له الفرصة، فأنني في كل مرة ألتقيه وأحرص على ان احاوره في اشياء شتى عن المسرح وغيره، ومنها تلك الذكرى الخالدة في ضميره، لذلك وهو يحمل على عاتقه نحو 86 عاما من عمره المديد (مواليد 1927)، فمن الممكن ان نحتفي به وبتلك الذكرى التي يحبها، نوقد له شمعة محبة لا تعرف الذوبان ونشاركه،حتى وهو بعيد، توهجات ذاكرته.

* لنذهب الى يوم 24 شباط/فبراير عام 1944، كيف تنظر اليه الان؟
- انا الان، وهذا سر بقائي على قيد الحياة، في يوم 24 شباط 2013 ساكمل عمري المسرحي الذي بلغ 69 سنة ، لكنني، وقد يقول البعض عني (انه يبالغ)، كلما اضفت رقما لعمري المسرحي كلما احسست انني ما زلت بعيدا عما يجب عليّ ان اقدمه للمسرح.

* اية تفاصيل ما زالت عالقة في ذاكرتك عنه؟
- كل التفاصيل ما زالت في بالي، في ذلك اليوم قدمت مسرحية بالطبع، ووقفت لاول مرة على خشبة المسرح، لنص انا كتبته، وهو نص ساذج بوقته، وانا اخرجته، وكنت لا اعرف ماهو الاخراج، وكان عندي مجرد كلمات مثل : اقعد، قم، وحتى عندما كنت امثل، كنت اقلد شخصية في السينما وليست موازية للشخصية التي مثلتها وهي (مجيد ابو الجايخانة / مجيد صاحب المقهى) وكانت فائدة كبيرة بالنسبة لي عندما انتهت المسرحية وصفق الناس وضحكوا، ناداني مدرس مادة (النبات)، وكان هو المشرف علينا، قال لي : يوسف.. ما الذي اردت ان تقوله بهذه التمثيلية؟ فقلت له : استاذ.. هذه لا يسمونها تمثيلية، فالاستاذ سيد صادق الاعرجي يقول (مسرحية)، فلم يأبه لكنه قال لي : ماذا اردت ان تقول انت؟ فقلت : كما رأيت، رجال شرطة ودخلوا المقهى على اساس فيها اشخاص يلعبون القمار، وعندما شاهدوا الشرطة وقفوا وكأنهم يؤدون الصلاة، ولكن عندما خرج الشرطة احد افرادها انتبه فقال للعريف ان الجماعة يصلون في هذا الاتجاه بينما القبلة في الاتجاه الاخر، لكن (مجيد) الذي مثلت شخصيته انا، سمع ما تحدثوا به، وعلى الفور استدار على القبلة، فدخل الشرطة ثانية فوجدوهم يصلون على القبلة، فقلت انا : الله اكبر، وبما ان ورق القمار في عبي، فمع انحناءتي انزلقت الاوراق امامي، فبدأ الشرطة يفاوضوننا ويريدون ان ندفع لهم ربع دينار وانا اقول لهم : اعطيكم درهما، وبعد حديث من هنا وهناك قلت لهم : اذا اعطيكم ربع دينار، فللاكبر منك.. ماذا اعطي من فوق الى تحت، ماذا اعطي، واذا بالقاعة تصفق، وكان من ضمن الحضور الوزير الذي صفق، ولكن في اليوم التالي ارسل المدير منير القاضي في طلبي وقال لي : (بابا يوسف.. ليش هيج بابا)، نحن اذا عزمنا احدا الى بيتنا هل يجوز ان نشتمه؟ قلت له : لا، فقال : كيف يوم امس قدمت المسرحية بهذا الشكل وتقول من فوق الى تحت؟ فقلت له : نحن نقرأ في الدستور ان الملك غير مسؤول، فرد ّ علي : والا من المسؤول؟، في ذلك الوقت كان احد افراد العائلة المالكة قد سكر بالليل وعمل انقلابا اسمه (علي الحجازي)، فأعتقلوه والقوه في السجن، وكان هو مدير الشرطة العام، فقلت له : هذا علي الحجازي، فهل هذا يعتمد عليه؟ فهز رأسه وقال : بابا.. ان بعض الظن اثم، فطلعت من غرفته وكان جماعتي يعتقدون انه سيفصلني من المدرسة.

* هل كانت هنالك رقابة معينة؟
- والله كنا نمتع الناس، نأتي باكبر فكرة، من هذه التي عليها عشر سنوات سجن، ولكن الرقابة لا تشعر بها، كنا (اشطن) منهم، وكنا نمثل في البساتين، يجتمع الشباب في البساتين البعيدة ونقدم مسرحية ومن ثم نرجع بهدوء الى بيوتنا، عملنا كل شيء نقدر عليه، وهذا سبب احترام الناس لنا.

* خلال زياراتك لبغداد ما الذي اثارك،على الصعيد الفني، اكثر من سواه؟
- قبل عام جئت الى بغداد وفي ثاني يوم ذهبت الى دائرة السينما والمسرح لارى ما يحدث، وحينما دخلت الى جماعة مجتمعين توقعت انهم سيسألونني ماذا كتبت وماذا قدمت وماذا وماذا، واذا بالمجاميع تجلس مجموعة بعيدة عن مجموعة وكلهم يتناقشون حول من هو الاحق في ان يكون مديرا عاما لدائرة السينما والمسرح؟ ونسوا المسرح الذي رفعهم ووضعهم في مكانتهم الصحيحة، فهم لا يعلمون ان الادارة لا تشكل شيئا.

* ولكنك كنت مديرا عاماا؟
- اقسم بالله.. انا قدمت قانون السينما والمسرح في عام 1959، اخذه فيصل السامر يرحمه الله وارسله الى عبد الكريم قاسم فوافق على تأسيس (دائرة السينما والمسرح) وكتب مهمشا على القانون : (على ان يكون الفنان يوسف العاني مديرا عاما لهذه الدائرة)، منذ ذلك الوقت وانا اشعر ان السينما والمسرح مسؤولية كبيرة جدا، لذلك كنت اقول : من هو المدير العام الذي سيأتي بعدي، لكنني احسست بالثلاث سنوات التي اصبحت فيها مديرا عاما انني خسرت، مع ذلك بعد شهر ظهرت على المسرح في مسرحية عنوانها (تؤمر بيك) واعتمرت (جراوية) وأديت شخصية في احد مشاهدها يسألني الطبيب عن عملي : يقول لي (اشتشغل؟) وانا واقف.. هززت له مؤخرتي،اي (انا مبيّض) حتى لا يقول الناس صار مديرا عاما ولا يقبل ان يمثل على المسرح مثل هذه الادوار.

* كيف تنظر الى الشباب المسرحيين الان؟
- ذات مرة حضرت بروفة مسرحية لمجموعة من الشباب، اتيت وجلست قرب المخرج، اعتقد انهم كانوا 16 شابا من معهد الفنون الجميلة، كان لابد عليهم ان يمثلوا، قال المخرج : (يللا بروفة) قاموا وهم خائفون، ومع اول مشهد قلت لهم : انا لم أأت لكي اشاهد تمثيلكم، انا اريدك تلعبون، فالمسرح لعب، وحكيت لهم قصة لمخرج فرنسي اخرج مرة فيلما ابطاله كلهم اطفال، انا انذهلت فقلت له : كيف استطعت السيطرة على هؤلاء؟ فقال لي : سأحكي لك حكاية، وهو ممثل مسرحي ايضا، قال ذات مرة اهمّ بالخروج من بيتي فسألني اولادي : الى اين ذاهب؟ فقلت لهم بما معناه بالانكليزي (I am going to play)، فقالوا لي : لنأت معك ونلعب، يقول انا تأملت، قلت : لماذا اجعلهم يمثلون، بل لاجعلهم يلعبون، فكان كل الفيلم لعبا، ونال جائزة افضل فيلم في ذلك الوقت، لهؤلاء المجموعة من شباب المعهد حكيت هذه الحكاية، فانكسر الحاجز، العبوا.. وربما تغلطون، ولا ضير، فالذي يفهم هو الذي يصحح خطأه، ولكن من لا يصحح خطأه هنا يكمن العيب، والذي لا يعرف ما المسألة ولا يسأل عنها ولا يتعلم هنا الخطأ، بعدها بدأ الشباب يمثلون المشهد من امتع ما يكون.

* هل هذا يعني انك متفائل؟
- انا متفائل بكلية الفنون لانني اعرف من ينتج او خلف الشباب الذين يعملون في الكلية وكذلك المعهد، وعيب على كل مسرحي اذا ما شاهد مبادرة مسرحية ذات قيمة، ولم يساندها ويعتمدها في المسار الذي يجب ان يكون.

* ما الذي يمكن ان توصي به المسرحيين كبارا وشبابا؟
- انصحهم بالتخلي عن (الانا)، اقول لهم : اشطبوا على الانا.. وسوف تنجحون، ذات مرة كرمت في عمان، قفزت وصرت امام الماكروفون، قلت : اصحح، هذا التكريم ليس لي بل اولا لمن علمني وثانيا لمن دفعني والثالث لمن عمل معي، هؤلاء لهم التكريم، فبدونهم لم اكن استطيع ان اصل الى هذه المكانة التي استحقيت عليها هذا التكريم، وبصراحة : ما الذي كنت سأفعله لو لم يكن ابراهيم جلال معي، او عبد الجبار عباس معي، وماذا كنا نفعل لو لم يكن فلان وفلان ومعنا، انا كنت عندما اجد المسرح وسخا اصعد على الخشبة واكنسها، واشعر بمتعة من كل قلبي لانني اعمل من اجل ان يكون هذا المكان نظيفا، ليس عيبا هذا، من هو المدير العام ووكيل الوزارة، اينهم؟ نحن الممثلون باقون، امشي في شوارع عمان المتعبة، يلاقيني مواطنون عراقيون، انا اسأهم كيف حالكم، يردون علي بالقول : (اذا انت بخير العراق بخير)، وهناك عراقيون، انا اعرف انهم محتاجون، حين الاقي بعضهم ينحني لي ليهمس باذني (استاذ محتاج شي؟)، هذا هو ما يجعلنا متفائلين وان الدرب الذي بدأنا به ونرجو ان يسير عليه الاخرون لان المسرح العراقي لايمكن ان ينتكس ان لم ينتكس اصحابه.

* و.. (مسرح بغداد) مسرح اعمالك المسرحية الغائب الان،كيف تراه ؟
- هناك من يطالبني بمسرح (بغداد) ويسألني عنه اقول له انتظر.. كيف يمكن العرض في مسرح بغداد، كيف يمكنني ان أأتي بمئة وخمسين شخصا وأضعهم في مسرح بغداد لتأتي المفخخة وتقتلهم، انا لا اقبلها، المسرح لا يمكن ان يؤدي اثره وتأثيره ان لم يكن هناك امان، المسرح احتفالي، لايمكن ان تكون العروض ظهرا، ففي الساعة الثانية عشرة ظهرا.. المرأة في بيتها، والطالب في مدرسته، والموظف في دائرته، واذن لمن نقدمه، في السابق كانت تأتينا سيارات من كركوك وبعقوبة والحلة، كانوا يأخذون اربعين بطاقة الى ما بعد اسبوع، وحين يشاهدون المسرحية، كانوا في طريق العودة يناقشون المسرحية، هكذا كان المسرح.

* يقال انك كنت دكتاتورا في عملك في المسرح؟
- نعم.. انا كنت دكتاتورا، واعترف بهذا، وانا كنت اختلف مع النقاد، يا الله.. اي اختلافات، ولكن في النتيجة كنا نلتقي ونبدأ نصفي ما بيننا، انا اعرف انه لديه وجهة نظر تحترم، انا فعلا كذلك، يجوز السياسة جعلت مني دكتاتورا، انني نظامي جدا، ومتشدد، نحن في فرقة الفن الحديث هي اول فرقة رقمت الكراسي في المسرح بالعراق، فلم يكن قبل ذلك ترقيم، وهي الفرقة الاولى التي تبدأ المسرحية بالموعد المحدد بالضبط، يعني اذا المسرحية موعدا في السابعة والنصف، فبالسبعة والنصف تماما ترفع الستارة، واذكر ذات يوم في احدى المسرحيات التي تمثل فيها السيدة الفاضلة الكريمة زكية خليفة،المشهود لها بالدقة والاخلاص، ولكن في ذلك اليوم تأخرت ونحن لابد لنا ان نبدأ بالعرض، وبالمصادفة كانت هنالك الفنانة عواطف نعيم موجودة خلف المسرح، فقلت لها : تعالي عواطف وادخلي مثلي الدور قراءة، قالت : كيف استاذ؟ قلت لها : لا يوجد كيف، ادخلي ومثلي وسوف ترى الناس شيئا جديدا، ممثلة تقرأ وتمثل، وهو شيء غريب سيعجب الناس، وما ان بدأت المسرحية ودخلت عواطف حتى جاءت زكية، وهي تقول : يا.. لا لا لا ..، اتيت.. اتيت، فقلت لها : تعالي يا زكية، قلت لها اليوم سنلعب لعبة كبيرة، قالت : كيف؟ قلت لها : انا منعتك من التمثيل لمدة خمسة ايام، فهؤلاء الممثلون سيقولون اذا زكية خليفة التي يعتبرها يوسف العاني قيمة كبيرة عاقبها لانها تأخرت خمس دقائق، فأنهم سوف يتعظون، ويخشون ان يتأخروا، نظرت الي زكية وقالت : والله حقك، ثم قبلتني، وبعد ان انتهت المسرحية وخرجت عواطف قامت زكية فشكرتها لانها قدمت هذا المشهد.

* هل متعتك على الخشبة اكبر ام مع المتفرجين؟
- نحن الممثلين عندما نكون على خشبة المسرح، اسعد من الجالسين في القاعة لمشاهدتنا، فنحن نمارس عملا مفرحا ومتعة، وتحدث اشياء حميمة، ونشجعهم على ان في اليوم التالي يقدمون بعض التجارب البسيطة التي مرت بهم، عالمنا المسرحي عجيب غريب، عالم حميم.

* هل تتعامل في عمان مع المسرحيين تعاملك في بغداد؟
- انا في عمان اعمل مستشارا مجانا (ببلاش) للعديد من الفرق المسرحية الاردنية، ولكن عندما اجلس معهم، وحتى لو امام الوزير او الوزيرة افضحهم، لانني اكتشف ان هذا المسرح لن يكون هناك مسرح اردني، لان الفرق الموجودة (ناس تقتل ناس)، فحين تقدم فرقة (فلان الفلاني) عرضا، فأن الفرق الاخرى لا تأتي لمشاهدتها، وبالعكس، ذات مرة قلت للوزيرة : لابد للفرق المسرحية ان تشاهد مسرحيات بعضها البعض لكي يعرف اذا ما كانت تلك الفرق تقدم عرضا افضل فعلى الاخر ان يستفيد مما قدمه، ومن يقدم عملا سيئا ليتعلم من الاخر، اتذكر اننا كنا نحن والفرقة الشعبية، عندما نأتي ونجلس لمشاهدة مسرحياتهم قلوبنا تنبض بقوة، وكنا نفرح ان تقدم الفرقة الشعبية عملا متميزا، واعضاء هذه الفرقة عندما يأتون لمشاهدة مسرحياتنا يفعلون الشيء نفسه، لان البدايات التي بدأنا بها ايجابية ومخلصة وحميمة وهي التي اوصلتنا الى ما نريد وهي التي اسعدتنا.

* يقال ان ثمة ذكرى لك مع العلامة الدكتور علي الوردي، هل تتذكرها؟
- الوردي الله يرحمه من الاساتذة الذين كانوا مؤثرين، وكان مختلفا عن كل الاساتذة الذين درسونا في الثانوية، ولذلك كان يثير قضية مهمة، وفي الحقيقة انه سألني سؤالا، قال لي : لماذا انت في الفرع العلمي؟، لانه كان يشاهدني احفظ شعرا، فقلت له : اريد ان اصير طبيبا، فقال لي : ولكنك قبل اسبوعين قدمت (تمثيلية)، وهذه هي المسرحية التي قدمتها في 24 شباط / فبراير عام 1944، الوردي قال لي انت (علمي) فكيف يكون التمثيل، فقلت له : هناك الكثير من الممثلين، وبعد مدة طويلة التقيت به وصرنا اصدقاء وليس طالبا واستاذا، فجاء لمسرحية (طال حزني وسروري في مقامات الحريري) وكان معه نوري جعفر، وبعد انتهاء المسرحية نزلت اليه وشكرته، وقلت له : استاذ تتذكر ذاك الطالب؟ فقال : اي والله، وانا اريد اتذكر ولست واثقا من ذاكرتي، أليس انت ذاك الطالب؟ فقلت له : نعم.. ما صرت طبيبا اصلا وصرت ممثلا، فردّ قائلا : هذه موهبة.