بغداد:صدر للقاص العراقي مهدي علي إزبيّن كتابه الذي يحمل عنوان (سلالم التيه) عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع، وأعطاه صفة (نص سردي)، يقع الكتاب في 112 صفحة من الحجم المتوسط، يتضمن جزءين، الاول بعنوان (نياسم متماهية) والثاني (على مدارج التيه)، ليس للكتاب مقدمة او اهداء بل انه وضع (كلمة مرور) على الصفحة التالية لصفحة العنوان جاء فيها : (امي وأبي : اعتذر منكما.. لقد استوطن الليل في اعكاقي، بسط سدوله عليّ اجنحة، وأطلق/ بث رماده في نهاري. اني ابحث عني على مدارج التيه، فهل اجدني؟.)
يقدم الكاتب نصا ادبيا مفعما بالحيوية، يعتمد فيه على لغة شعرية تحلق في فضاءات مدهشة وتتناغم ايقاعاتها بشكل معبر وجميل، فتتدفق الكلمات وفق نظام ابتدعه الكاتب لا يمكن ان يتعثر القاريء في جملة غير مهتم بها، بل انه يضع كل شيء على قدر من الانضباط والتناغم،هذا النص السردي لم يذهب به الكاتب ليقف به عن مسميات القصة او الاقصوصة او الرواية، بل تركه مفتوحا لانه لم يكتب لغة اعتيادية طالما نقرأها في القصص والروايات، فهو يحلق في كينونة الكتابة ليبلغ مديات تجعل القاريء ينصت الى ما تقوله نبضات الكلمات وهي تترى على سطح الورقة، والاجمل تلك المترادفات التي يضعها بين جمله ولا يفصلها سوى خط صغير مائل، كأنه يريد ان يعطي للقاريء معنى اخر للجملة او الفكرة، معنى يقرب المعنى كثيرا بصور جمالية غاية في الروعة، يفتح له بابا مواربا من الخيال ليتصور شكل الجملة على ارض تتسم مساحتها بالوضوح، فهو يدني المعنى الى حد لا يلتبس على القاريء بل يشده اكثر الى الجملة فتبرز له ملامح الصورة واضحة.
اما عن القصة فهي مؤثرة جدا، وقد اتى بها من سنوات ليست بعيدة، من صميم المجتمع العراقي في تسعينيات القرن الماضي، لكنه يختار حكايته بدقة انتقاء وهو على علم تفصيلي بالحقيقة التي عاصرها،يبث لقطات مأساوية من ذلك الزمان عبر حكاية فتاة.
على الغلاف الاخير وضع مقطعا جاء فيه:
(تتضافر احلامنا / مشاعرنا. ينساب الحوار على سفوح المحبة يتصاعد، يعتلي قمة التآلف. تقود عجلة الحديث تتهادى وانا منبهرة برنين اجراس الحروف، تغرقني برذاذ نقائها، اتشرب به، و اطلب المزيد. اندهش من جامعة الاضداد، كنز من المعارف لكنها بسيطة، شفافة، تمد يد التفكير اليّ، لا تشعرني (لا اخجل ان قات) بضحالتي، امتليء انتشاء حين تغمرني بانتقالاتها في رياض وبساتين العبار، quot;سر السعادة هو عمل الخير للاخرين،فأنا احقق ذاتي بتقديم العون، لا انتظر كلمة شكر، هكذا طبعت نفسيquot;، كم مرة تلقي القبض عليّ متلبسة وانا افغر فمي اذنا ثالثة؛تنفذ منها الافكار المؤطرة/المندافة بعذوبة المفردة وهي تقطر حلاوة من لسانها.تقطع ارسالها، تخضل عيناها، تمد انامل ضاحكة لتطبق فمي، ترسل همسا شفيفا يغازل نقاءها، تحذرني/ تهزأ بي quot;اغلقي فمك فالذباب كثير quot;. اضرب على يدها، انفض عن حواسي ندى الخطاب..)
ومن اجل البحث عن خفايا وخبايا ما تضمنه النص التقينا القاص مهدي علي ازبيّن، وكانت لنا معه هذه الوقفة التي اكد خلالها انه تعمد ان يسمي ما كتب نصا لانه حتى يخرج من اشكالية التجنيس، مشيرا الى انه اعتمد مشاهد وثائقية في نصه.
* لماذا اسميت قصتك هذه نصا سرديا؟
- نص.. لان داخل المتن يجوز تمازج بين عدة تقنيات للكتابة، هناك اللغة الشعرية المحلقة والسخرية والسرد والمتن الحكائي، صارت فيه لوحات تشكيلية ومشاهد سينمائية فتداخل، وحتى اخرج من اشكالية التجنيس سميته نصا سرديا بدل ان احدده بقصة او رواية او قصة قصيرة، فأنا اعتبره خارج التجنيس، وربما هو اقرب الى القصيدة الشعرية بصورة عامة او بالاحرى القصيدة السينمائية حسب وجهة نظري، ويبقى النقاد هم الذين يقيمون العمل.

* ما الذي يتناوله النص هذا؟
- يتناول مرحلة النظام السابق من خلال انموذج متطرف بالانتهازية ومحاولة الوصولية الى حد انه يضحي بأعز ما عنده في سبيل الوصول الى (ارمز) او التوحد مع (الرمز) بشكل جسدي، تناولتها بشكل ساخر وفيه مشاهد وثائقية من المرحلة السابقة بشكل فني اي خارج عن التقريرية والاسفاف.
* ما الذي شكله العنوان المثير ضمن النص؟
- العنوان.. هو عتبة الدخول الى النص، كأنما هذه درجات هذه السلالم هي التي يحاول الوصول من خلالها هذا الانموذج التي اتخذته، وهو يعتمد على شخصيتين اساسيتين، حيث انني اعتبرت الثانية كمرآة للشخصية السلبية التي تناولتها والتي لا اسميها الرئيسية ولا اقول انها البطلة في القص، النص فيه صوتان داخل المتن وليس عدة اصوات، صوت الراوي الذي يبتدي الى حد المنتصف تقريبا والصوت الثاني هو صوت الشخصية الرئيسية.
*هل سبق لك
- في هذا المجال سبق لي ان اشتغلت عليه حينما اصدرت كتابا تم اعتباره رواية على الرغم نت انني اراه تطمح ان تكون رواية، ولكنه النقاد جنسوها على اساسا انها رواية وهي تعتمد على المشاهد، وعندي كتابات سردية (نصوص) اعتمدت بها طريقة (السلاش/ الثنائيات) فتداخلت عندي المشاهد ما بين السلاشات واللغة الشاعرية المحلقة.
* ما اصداراتك الاخرى؟
- عندي هياكل خط الزوال صدرت عن دار الشؤون الثقافية، ومجموعة قصصية بعنوان (مخاتلة) واخرى بعنوان (حين يبتسم الضفدع) وعندي في الطريق عمل خامس عبارة عن مجموعة نصوص تمتد بين الاسطر الى 30 صفحة، انا اعتبره نصا.

* لم تقدم اهداء للكتاب، لماذا؟
- الاهداء انا اعتبره (كلمة مرور) والحقيقة هي ان القاريء سيكتشف في النهاية ان الاهداء من ضمن النص، فكلمة المرور تشتغل من ضمن النص وليس اهداء خارجيا.

* لماذا لم تضع مقدمة او تستكب ناقدا لكتابة مقدمة كما متعارف عليه عند الكثيرين؟
- كانت لدي هكذا فكرة ولكني وجدت ان لدي نصوصا نابضة ومن الممكن ان تثير اهتمام القاريء حسب قناعاتي وقناعات الاصدقاء هناك ملاحظة اخرى قد لا يعترف بها مبدعونا، وهي انني حينما اكتب النص اعرضه على اصدقائي قبل ان يرى االنور، فتبدى ملاحظات، وهذا النص خاصة، الذين ابدو ملاحظات عليه نحو عشرة مبدعين من مبدعينا، ولكني بالطبع اخذت الملاحظات التي تشتغل مع النص وغيرها اتفاداها.

* متى بدأت فكرة العمل والى اي زمن تعود وكم استغرق وقت كتابتها؟
- الفكرة كانت قبل خمس سنوات، كتابة النص تبتديء من لحظة الومضة، من لحظة المؤثر الاصلي، فامتدت مدة العمل الى اربع سنوات وقد اخذ عدة اشكال الى ان استقر على هذا الشكل النهائي، اما زمن النص يتناول مرحلة مطلع التسعينيات 1991، واذا ما لاحظ القاريء، انا قلت (النوارس تسير على سكك بيضاء) انا قصدت بالسكك البضاء الطائرات الاميركية ولكنها لم تظهر فنيا.