نورة البدوي


تتشكل اللغة في أشعار الشاعر العماني زاهر الغافري من امتلاء تجربته الشعرية و الحياتية ليكون لشعره صدى المكان و الزمان و تحرر الخيال في عوالم نحياها و تحيانا و كأنها خيط مشدود بين لفظ الولادة للمعاني و بين الترحال الممزوج في علاقة بين الأنا و دواخل الإنسان. هذا ما ترجمته مجموعاته الشعرية من معاني ظاهرة و خفية هي "وليدة مرور أصابع الشاعر على معزف الألفاظ بعبارة الشاعر و الناقد محمد الغزي".
من مجوعات زاهر الغافري نذكر : " أضلاف بيضاء 1983، و الصمت يأتي للاعتراف 1991 ، و عزلة تفيض عن الليل 1993، أزهار في بئر 2000، ظلال بلون المياه 2006 كلما ظهر ملاك في القلعة 2008، حياة واحدة سلالم كثيرة 2016 ، في كل أرض بئر تحلم بالحديقة 2018."
لم يخف الغافري في تجليات القصيد حضور الأنا المخاطبة للآخر في مختلف أبعاده الموجودة و المنشودة فكانت بمثابة السفر في بوابات متنوعة الأثر لا تخلو من أسئلة وجودية. عن هذا المزيج الحياتي و الشعري كان لـ" إيلاف " هذا اللقاء مع الشاعر العماني زاهر الغافري.

- الأرجوحة و البحر و السفر، كيف أثرت هذه الثلاثية في حياة و أشعار الغافري؟
الأرجوحة الأولى هي أرجوحة الولادة، تقول العائلة، إن أمي آتاها المخاض وكانت تستلقي فوق أرجوحة مربوطة بن شجرتين من أشجار جوز الهند في الجزيرة الخضراء في المحيط الهندي، أي أنني ولدتُ في الهواء الطلق، والقابلة وما أكثرهن حملتني من رحم أمي تذكرتها ورأيتها عندما بلغ عمري الخمس سنوات، في حين هي كانت في حدود الثمانين عاماً. وينبغي الانتباه هنا أن زوجات الإقطاعيين العرب كنّ يذهبن إلى الحقول للاسترخاء ولم تكن هناك سيارات ربما واحدة أو اثنتين، أما وسيلة التنقل فهي الأقدام أو العربات البطيئة التي تجرها الثيران ولم يكن هناك سوى مستشفى واحد هو المستشفى الإنجليزي فيقع في مكان بعيد. البحر والسفر إشارتان عاليتان مرتبطتان بالضرورة بهذه الجزيرة الصغيرة، ليس بحراً بل محيط والسفر أو الترحال كانت صفة لدى أبي لذلك كان يأخذني معه في رحلاته إلى الهند مثلا، إلى البصرة وإلى موانئ أفريقية كثيرة بما في ذلك اليمن وكان عمري بين الخمس والست سنوات، هل كان يرى نفسهُ فيّ؟ ربما.
طبعا هذا كله أثر في شعري فيما بعد، هناك عناصر خفية لا تظهر إلا في وقتها المناسب لقد كانت مدفونة من قبل في القيعان ولكنها تنبثق في الكتابة بطريقة تكاد تكون سحرية. تبدو الكتابة الشعرية كأنها قادمة من مطارح مختلفة لكن في الحقيقة هو المطرح ذاته من اللاوعي والوعي والوجدان الحسي.

- لم تخف في قصائدك النثرية نفسك الروائي فهل هذا اسلول اعتمده الغافري ليبين انفتاح الشعر على كل اشكال الكتابة؟
لا أبداً. صحيح كتبت بعض الأعمال القصصية مبكراً لكن هذا على هامش الشعر أما الأساس فهو انشغال شعري في الصميم لكن نعم هناك انفتاح الشعر على أشكال أخرى في الكتابة ويمارسها كثيرون وهذا ليس عيباً إذا فهمنا أنه منذ العصر اليوناني كان الشعر منفتحاً على الفلسفة وكانت الفلسفة أي اللوغوس حاضراً في الأفق الشعري.

- ما نلاحظه في عناوينك الشعرية مزيج من التناقضات كأضلاف بيضاء او بئر تحلم بحديقة .. لماذا هذا المزج؟
لا، لا أظن أن هناك تناقضات كل ما في الأمر أنني منذ فترة مبكرة حاولت الابتعاد في عناوين مجموعاتي الشعرية عن أي ملمح أيديولوجي ذلك أن فكرتي عن الشعر تنصبُ في البعد الجمالي مع ما يتبع ذلك من الاشتغال على الأدوات الفنية بما في ذلك طريقة النظر إلى العالم والأشياء.

- في كثير من القصائد لم تخف حضور اسماء كتاب كبروخيس و رامبو فما هي الذاكرة الشعرية مثل هؤلاء في كتابات الغافري؟
حضور هذه الأسماء وغيرها تُشكل حمولة معرفية بالنسبة لي كما أنها أيضاً تُمثل تقاطعات شعرية غاية في الأهمية ثم أنها ذاكرة شعرية للعالم، بالطبع أنا لستُ قادما في فراغ فكما لدي ذاكرة للشعر العربي منذ عصر ما قبل الإسلام وصولاً إلى اللحظة الراهنة كذلك هناك حضور للشعر العالي في ذاكرتي من مطارح وبلدان كثيرة.

- جمعت في قصائدك بين الواقع و المتخيل و الثابت و المتحرك في رسم مشهدية مختلطة مؤثثاتها ثيمات و دلالات و شخوص و أمكنة و طبيعة و جماد فهل يمكن اعتبار ذلك خليطا بين الوعي و اللاوعي في رسم قصائد الشعر بلغة بصرية تشكل منحوتة الإنسان في كل حالاته زمانا و مكانا؟
يأتي الشعر من أمكنة غير منظورة، أمكنة خفية ذات طابع سحري الوعي واللاوعي جزء من هذا التمظهر الخلاق للعملية الشعرية وما تصفه أنت بالجانب البصري في النص الشعري هو أيضاً جزء من إقامة علاقات جمالية في النص وارتباطه بالأشياء والموجودات. فأنت لا تستطيع كتابة نص شعري حديث باستخدام أدوات فنية متخلفة أو ذات طابع ماضوي على القصيدة أن تكون هنا والآن أي أن تكون معاصرة في الزمان والمكان في هذه الحالة يمكن للقصيدة أن تظهر كجوهرة في الوجود.

تم الاحتفاء بك مؤخرا في سلطنة عمان من قبل سفارة الهند و تم تقديم قصائدك باللغة الهندية فماذا تضيف الترجمة للشعر و الشاعر؟ و كيف كانت لحظة هذا الاحتفاء؟
كانت الجالية الهندية قد اطلعت على نصوصي الشعرية التي ترجمت إلى الهندية وظهرت في كتاب طبع في الهند لذلك أفردت الجالية احتفالية لنصوصي التي قرأتها أنا بالعربية وقرآ شاعر هندي نصوصي بالهندية واستضافت الجالية استاذاً مرموقاً ليتحدث عن تجربتي الشعرية بشكل عام، كانت الاحتفالية بأكملها غنية وممتعة لكن ما لفت نظري هو الشكل التقليدي الهندي للاحتفالية حيث يُستقبل الشعر من قبل صبايا جميلات بصحون من الشمع والورود ومن خلفك شباب يدقون الطبول عراة الظهر والصدر حتى تصل إلى خشبة المسرح وهناك يُشعل الشاعر شمعة تُسمى شمعة النور، طبعاً الفعالية بالكامل تم تصويرها تلفزيونيا. اما ماذا تُضيف الترجمة فيمكن أن أقول أنها تستضيف لغة أخرى وهذا جزء من الحوار والتلاقح بين الثقافات ومسعى لقراءة الآخر وفهمه.

- لماذا تكتب؟
في حقيقة الأمر لا أعرف، وجدتُ نفسي ببساطة أكتب منذ الصغر. أكتب ربما لأنني كنت خائفا من المجهول، أو ربما لأنني نسيتُ حياتي في مكان ما وأريد استعادتها، غابريل ماركيز قال مرة لصحيفة ليبراسيون الفرنسية التي عملت تحقيقاً مطولاً للكتاب حول لماذا تكتب، قال ماركيز أكتب لكي يحبني أصدقائي أكثر، أما أنا فأكتب لكي أكون وحيداً.

- إذا، لمن تكتب؟
أكتب لنفسي أولاً وإذا وجد القارئ فأكتب له عندما تصله الرسالة في زجاجة مرمية في البحر وتستقر على الشاطئ ذلك لأن القارئ وحده من يجد الرسالة وكل قارئ يختلف عن الآخر، أحب أن أفكر أن القارئ يكون سعيداً عندما يقرأ لأن الشاعر لا يكتب سوى سعادات صغيرة أنها طُرق للمشي والتحايل على الموت.

- آخر مصافحة لنا معك، هل ننتظر من زاهر الغافري اصدارات جديدة؟
نعم لدي مجموعة من الأعمال ستظهر قريباً : عمل شعري بعنوان غيوم فوق جسر أبريل عن دار الجمل في بيروت، وهناك عمل آخر شعري أيضاً صُناع الأعالي وكتاب الصبايا وعمل شعري تحت عنوان هذيان نابليون في المقابل اشتغل على سيرة روائية بعنوان الخروج من الفردوس التي ستظهر في السنة القادمة.