قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

حاوره :الدكتور توفيق التونجي

"الخويرات ذاعت وانتشرت بين التركمان وتأصلت في نفوسهم وتوغلت في روحهم، وارتبط اسمها باسمهم."

ولد البروفيسور الشاعر محمد عمر قازانجي في احدى الاحياء التراثية القديمة (بريادي محلسي) في كركوك سنة 1952 واكمل الدراسة الاعدادية فيها. تخرج من كلية الزراعة- جامعة بغداد سنة 1975 . وأكمل الدكتوراه فيها كما عمل في الكلية حتى احالته على التقاعد بتأريخ 2/ 7/ 2017. اي بعد 37 سنة من الخدمة. ورغم آن اختصاصه خارج مجال الأدب الاّ أن قلبه البديع والرهيف و احساسه العمیق وجهه الی بوابه الشعر الکبیرة ، فابدع أي ابداع.
كانت محاولاته الاولى في كتابة الشعر في فترة الدراسة الاعدادية واول قصيدة نشرت له بالترکمانیه كانت في (مجلة الاخاء) المعروفه والتي كانت وما زالت تصدرها نادي الاخاء التركماني في بغداد. فی لقائنا هذا سلط الشاعر الضوء علی الواقع الادبی فی مدينة کرکوک و الشعرالمکتوب بالترکمانیه.
سالته عن سبب توغل الشعر الکلاسیکی المقفی المثنوی المسماه ب (القوریات)فی روح الانسان الترکمانی فأجابني قائلا:

اولا أود أن انوه أن القوريات، أو الخويرات وهي التسمية الصحيحة لها، ليست شعرا كلاسيكياً وانما هي نمط من الرباعيات التي ارتبطت بفن الغناء ولا سيما المقامات وكانت تُؤلف لغرض إداءها من قبل المطربين من قراء المقامات تحديداً. لكنها سرعان ما تحولت الى نمط شعري بعد احتلال الانكليز للعراق أو بعد مغادرة الدولة العثمانية للأراضي العراقية نظرا لحرمان التركمان من التعليم بلغتهم القومية، الأمر الذي ترك فجوة بينهم وبين ممارسة الانماط الشعرية الأخرى القائمة على التفعيلية وعلى عناصر فنية تتطلب المعرفة باللغة، وقواعدها واصولها. لذلك لا نجد في مؤلفات الشعراء الكلاسيك او في المخطوطات التي تركوها لنا نموذجا ولو وحدا من (الخويرات).
ناهيك عن المجلات والصحف الصادرة في تلك الفترة ولاسيما مجلة المعارف وهي اول مجلة أدبية تركمانية، باستثناء (جريدة كركوك) التي كانت تصدر بالتركمانية والعربية. إذ أحتوى عددين من الاعداد الصادرة في 1927 على مجموعة محدودة منها وعلى هامش صفحاتها الداخلية. وبدأ الاهتمام الفعلي بالخويرات مع إصدار (جريدة بشير) في خمسينيات القرن الماضي من قبل المرحوم الأستاذ عطا ترزي باشى وزميليه الاستاذ حبيب الهرمزيو المحامي محمد عزت.
وكان مرَد هذا الاهتمام هو الحفاظ على التراث الشعبي- الفني التركماني. ولا ننسى ان الاستاذ المرحوم ترزي باشي حين نشر كتابه المعروف عن (كركوك خويراتلاري) في الخمسينيات، وفي ثلاثة أجزاء، أكد على دراسة جوانبها الفنية والغنائية أوأنماط المقامات التي تغنى بها. مما يؤكد أنها وجدت لهذا الغرض اصلاً. بيد أن التركمان وجدوا في الخويرات ضالتهم للتعبير عن مكنونات قلوبهم، وخلجات انفسهم،إثر تدني ثقافتهم اللغوية جراء حرمانهم من التعلم بها، لسنوات طويلة، لما تتميز بها الخويرات من سمات تجعل منها سهل التقريض أوالنظم والتداول. منها أنها تكتب بأوزان الهجاء أو أوزان المقاطع الصوتية القصيرة والتي لا تتعدى سبعة أوثمانية مقاطع، وتقوم في الغالب على الجناس أي على الكلمات المتشابهة لفظاً و المتباينة معنىً، مما تمهد الطريق لمن يريد أن يعبر عن الأفكار التي تراوده أو الأحاسيس التي يعيشها وتختصرها عليه. فغدت بمرور الزمن نمطاً يتناوله كل من تعرّف على أسرارها هذه، والتي لا تحتاج الى مزيد من الجهد والعناء، فذاعت وانتشرت بين التركمان وتأصلت في نفوسهم وتوغلت في روحهم، وارتبط اسمها باسمهم. وثمة نماذج منها ما تفوق من ناحية البلاغة قصيدة مؤلفة من عشرات الأبيات....

الترکمان یحبون الشعر بل یعرفون الشعر یتغنون بها فی مباهجهم وافراحکم کما فی عزائهم وحزنهم ولم اسمع شعرا حزینا کتلک المسماه ب"ئاغت" کیفتری مستقبل الهویه الثقافیه التراثیه الترکمانیه؟
الهوية التركمانية بخير وستبقى كذلك طالما أن التركمان متمسكون بلغتهم التي هي العنصر الاساسي لبقاء اية أمةٍ حياً بين الأمم الاخرى. وإعتزاز التركمان بلغتهم وما أفرزته هذه اللغة من تراث ثر كان أحد الأسباب التي حالت دون اضمحلالهم في هذا الوطن الذي حكمه الطغاة وسيطرتْ على مقدراته العناصر المستبَدة لفترة غير قصيرة، ومارست أبشع أساليب القهر والاضطهاد ضد جميع مكونات الشعب العراقي ولاسيما التركمان الذين حرموا من التعليم بلغتهم وممارسة ثقافتهم. وكان هؤلاء الطغاة يمنحون التركمان أحياناً، بعضاً الحقوق الفرعية ذرا للرماد في الأعين، لكنهم في الوقت نفسه كانوا يستهدفون شخصياتهم العلمية و الثقافية والادبية ويزجونهم في السجون بحجج واهية ثم يقودونهم الى الإعدام، في محاولة منهم لإسكات الاصوات المطالبة بحقوقهم الأساسية والمنادية بحياة حرة كريمة. ولا ننسى أن تأريخ التركمان العريق وتراثهم الغني كانت من العوامل التي تدعمهم نفسيا وترفع من معنوياتهم وتحول دون كبوتهم على وجوهم أمام محاولات طمس هويتهم. فاستمدوا من هذا التاريخ وذلك التراث،القوة والشجاعة في المضى قدوما في ممارسة ثقافتهم بلغتهم الأم دون أن يساوموا عليها، ودون أن يقدموا تنازلات عنها أواستبدالها بلغة أخرى لإيمانهم أن لا هوية من دون اللغة. ومن يراجع ما حققه التركمان في العهود الماضية من انجازات ثقافية فذة لابد أنه سوف يشعر بالعجب كيف أن التركمان كان لهم كل هذا النصيب من النجاح في مقاومة التهميش وطمس الهوية وهم لا يمتلكون غير سلاح واحد وهو اللغة أو سلاح الثقافة إن شئت...

هل تعتقد بان الحوادث السياسية قد اثرت علی الحیاة الادبیة؟ حديثنا يجرني الى اللغة التركمانية التي أجيدها طبعا الى جانب اللغةالترکیة الحدیثه واعتبرها لغة مستقلة بهويتها وبقواعدها ومفرداتها البديعة هل تحبذ الكتابة بها أم باللغة التركية التي اطلق البعض عليها اللغة الثقافية؟
يبدوا من سؤالكم وكأن التركمان يمتلكون لغتين مخلفتين. لكن الحقيقة التي ينبغي أن ننتبه اليها أن التركمان مارسوا الكتابة بنوعين من الحروف هي الحروف العربية والحروف الحديثة والتي تدعى أحياناً، ولأسباب تعود بالأساس الى أصول هذه الحروف، باللاتينية. وقد اعتمدها التركمان بشكل نهائي بعد التحولات الأخيرة في العراق. وكانوا قد استخدموها جزيئاً في عهد النظام البائد في مجلة الاخاء، والذي أصدر قراراً بالتوقف عن استخدامها نهائيا. فتوقفت على إثره المجلة عن نشر المقالات الوردة بهذه الحروف.
أما اللغة التي استخدمها التركمان في كتاباتهم الأدبية وما زالوا فهي اللغة الفصحى ومنذ اللحظة الاولى لتواجدهم في العراق وبالحروف العربية، وهذه الحروف كانت معتمدة في كافة أرجاء الدول الناطقة بالتركية. ولتحول أتراك العالم ومنهم التركمان من الحروف العربية الى الحروف الحديثة أسبابها، لا أريد الخوض فيها هنا، لكن ما أريد التأكيد عليه أن الأمم نفسها من حقها إتخاذ ما يحلوا لها من قرارات تخص شؤونها الثقافية، وليس من حق أحد أن يتخذ موقفا تجاهها بخصوص هذا القرارات.
جميع كتاباتي وكتابات زملائي من الادباء والمثقفين كانت باللغة التي اسميتُها بالفصحى واسمتَيها باللغة الثقافية ومنذ البداية، وهي اللغة التي اعتمدتها جميع الصحف والمجلات، الأدبية وغير الأدبية التي صدرت في العراق باللغة التركمانية، سواء تلك التي كانت تعتمد الحروف العربية والتي تعتمد الحروف الحديثة حالياً. اي أن اللغة هي نفسها لكن الحروف هي التي استبدلت بحروف جديدة. هذا كل ما في الامر.

بطبيعة الحال انا بنفسي اجد الحركة الأدبية كمياه النهر الجاري بدون انقطاع ولا بداية ولا نهاية لها وتلکم الاستمرارية الجميلة لا تعرف الحواجز کنتم من المجدد ینفی الشعر وفی (الشفق) طرحتم افکارا جدیدةتطوریه كيف ترى واقع الحركة الأدبية في المدينة وما هي آفاق مستقبلها؟
طالما أن الحياة مستمرة وطالما أن الناس يعانون أو يشعرون بالفرح فان الادب سيبقى قائما. فالادب ينبع من الحياة ويصب فيها. وهكذا هو الحال في مدينتي كركوك التي تعاني ما تعاني من حالات الشد والشدة وحالات الانفراج بين حين وحين. تلك الحالات، أو لنقل تلك التحولات، كانت موضح اهتمام أدباءها وكتابها. صوروها وعبروا عنها بكل عناية واهتمام حتى ليكاد المرء أن يكتفي بالنتاجات الادبية لدراسة تأريخ كركوك السياسية والاجتماعية والثقافية دون العودة الى مصادر أخرى . ولعل كركوك من ابرز المدن في العالم، كتب عنها شعراءها وأدباءها كماً هائلاً من النتاجات الأدبية شعرا ونثرا، تفوق تلك التي كتبها غيرهم لاية مدينة. من هذا المنطلق استطيع القول أن الحركة الادبية فيها كانت ايجابية دائماً، وهي كذلك الآن، وستبقى. وشهدت هذه الحركة نموا بعد التحولات الأخيرة في العراق، لأن الأدباء والشعراء أنفسهم قد تحرروا من قيود كثيرة كانت تحيط بهم وتحد من حركتهم. ثم أن إقامة منظمات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية كالاتحادات، ومنها اتحاد الادباء مثلا، قد وفرت الاجواء لاعادة شمل الأدباء، وأتاحت لهم فرصة مزاولة نشاطاتهم دونما رقيب، وبحرية تكاد تكون مطلقة. هذه الامور وغيرها الكثير هي من العوامل التي يُشهد لها أنها تدعم الحركة الادبية في كركوك وتعطيها زخما من الدفع باتجاه القمة دائماً.

حدثنا عن بعض الشعراء الذین ترکوا اثرا فی الشعر الترکمانی وممن تاثرت بهم؟
الانسان من الناحية البايلوجية هو نتاج أبويه. فما من إنسان الاّ وله والدين. أما من الناحية الثقافية فهونتاج كل مَنْ قرأ لهم من الأدباء والمفكرين والكتاب قليلا أو كثيرا وتأثر بهم. والتأثر قد يكون مبعثه الاعجاب باللغة والاسلوب أو الطروحات الفكرية. من هنا نستطيع القول أننا جميعاً مدينون للذين سبقونا في ابداعاتهم الثقافية والعلمية والفكرية. ولكي نتمكن من مجاراتهم علينا أن نأتي بما يضيف شيئاً جديداً على ما أبدعوا فيه، ونساهم في إثراء ثقافتنا القومية والثقافة الانسانية أكثر فأكثر. والا فلا طائل من وراء ما نقوم به ولا فائدة ترجى منها. هذا ما ينبغي أن يكون ديدن الكتاب والادباء اينما كانوا.

في ختام حوارنا الشيق نشكر الاستاذ العزيزمتمنيا له دوام الصحة والعافيةومزيدا من الإبداع.

اهم مؤلفات الشاعر في الادب :

قادم إليك (سانا دوغرو) مجموعة شعرية (1979) بغداد .

حديث بلغة الأناشيد (شارقيجاقونوشماق) مجموعة شعرية (1984) بغداد.

قبلة من خلف زجاج (جام ارديندان بير ئوبوش) مجموعة قصصية (1987) بغداد.

لؤلؤة فوق لؤلؤة (اينجياوستونهاينجى) دراسات نقدية (1989) بغداد.

الشفق (شفق) مجموعة شعرية (1990) بغداد.