قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من أشهر كتاب سويسرا الناطقين باللغة الألمانية. ولد في مدينة بارن1921، ودَرَسَ الأدب الألماني في جامعة زيوريخ، ثم انقطع عن الدراسة ليتفرّغ للكتابة موزعا مواهبه المتعددة بلين القصة، والرواية، والرواية البوليسية، والمسرح بالخصوص... توفي عام 1990...

بعد بضعة أيام فقط من وصولي إلى المدينة، اكتشفت في الساحة الصغيرة المواجهة لقصر البلدية أناسا مُتَحَلّقين حول رجل رثّ الثياب كان يقرأ فقرات من الإنجيل بصوت مُرْتَفع. ولم أنتبه إلاّ فيما بعد للكلب الذي كان يرافقه، والذي كان ممدّدا إلى جانبه. ولقد اندهشت كثيرا لأنني لم أتمكن من رؤية ذلك الحيوان الضخم والمخيف لأول وهلة. كان وَبَرَه ناعما وشديد السواد، ومُبلّلا بالعرق. وكانت عيناه بصفرة الكبريت. وحينما كان يفتح شدْقَه الكبير، انتبهت مُرتعبا إلى أن له أنيابا بنفس اللون. وكان مظهره غريبا إلى درجة أنني لم أستطع أن أقارنه بأيّ كائن من الكائنات الحية، ولم أتحمّل بعدئذ رؤية ذلك الحيوان الضخم والغريب، فحَوّلت بصري إلى المُبَشّر. كان شيخا قصيرا بثياب رثّة إلا أن الجلد الذي كان يلمع بين الفتحات كان نظيفا تماما. وكان انجيله يبدو ثمينا...ذهب وماس يلمعان على جلده. وكان صوت الرجل هادئا وحازما، وأقواله تتميّزُ بوضوح خاص يمنحُ خطابه نجاعة وبساطة. وانتبهت أيضا إلى أنه لا يستعمل التشابيه اطلاقا، ويعلق على الانجيل دونما تعصّب أو تزمّت. وإذا لم تتوصّل أقواله إلى اقناع أحد، فإن ذلك لا يعود إليه، وإنما يعود أساسا إلى ذلك الكلب الساكن بجانبه، والذي كان يحدق في الحاضرين بعينيه الصفراوين. إلاّ أن العلاقة الغريبة بين الرجل والكلب هي التي فتنتني وحرّضتني على أن أنطلق دائما للبحث عنهما...

كان الرجل يَعظُ كل يوم في ساحات المدينة، وفي شوارعها، غير أنه لم يكن من السهل العثور عليه. وربما كان يغادر بيته في ساعات مختلفة إذ أن تنقلاته لم تكن تَخْضَعُ لأي تخطيط. وليس هناك قاعدة يمكن التأكد منها بخصوص ظهوره...مرة يتكلم من دون توقف في نفس الساحة، ومرة ينتقل من مكان إلى آخر في ظرف ثلاثة أرباع الساعة. وفي كل الأوقات كان كلبه لا يفارقه اطلاقا وهو يمشي بجانبه ضخما أسودَ. وكلما توقف صاحبه ليُبَشّرَ يتهالك على الأرض.

كان المستمعون إلى مواعظه قليلين. وأغلب الأوقات كان يظل وحيدا. غير أنني لاحظت أن ذلك لم يكن يُزعجه اطلاقا. وهكذا يظل واقفا في الساحة مواصلا مواعظه من دون حرج أو حيرة. أحيانا يتوقّف في شارع ضيّق لكي يُصلي بصوت عال بينما قريبا منه، يواصل المارة تجوالهم في الشوارع الواسعة من دون أن يعيروه أيّ اهتمام. ولأنني لم أعثر على أيّ طريقه لاتباعه، ولأنني أجبرت على أن أستسلم لقوانين الصدفة، فإنني حاولت أن أتعرف على مكان بيته إلاّ أنني لم أعثر على أيّ شخص يمكنه ان يَدلنّي أحد عليه. عندئذ قررت أن أتبعه طوال النهار...استمرّ ذلك أياما عدة من دون جدوى إذ أنني كنت أتخفّى حين يهبط الليل، عن أنظاره لكي لا يكتشف أنني أراقبه. وهكذا كان يضيع عني، ويختفي في المجهول. إلاّ أنني شاهدته ذات يوم في ساعة متأخرة من المساء، يدخل بيتا في حيّ أعرف أنه لا يسكنُ فيه سوى الأغنياء. وهذا ما أدهشني وضاعف من حيرتي. ومنذئذ غيّرتُ سلوكي تجاهه، ولم اعدْ أتخفّى مثلما كنت أفعل من قبل، وصرت أحاول أن أكون دائما قريبا منه حتى يتمكن من أن يراني من دون أن يزعجه ذلك. أمّا كلبه فقد كان يمْجرُ غاضبا كلما شاهدني أقترب...

مرّت أسابيع عديدة على هذه الوتيرة. وذات مساء من أماسي الصيف، وكان قد انتهى من تفسير فقرات من الإنجيل، تقدم نحوي وطلب مني أن أرافقه إلى بيته. طوال الطريق لم ينطق بأيّ كلمة. عند وصولنا إلى عتبة بيته، كان الظلام قد خيّمَ تماما. وكانت فوانيس الصالة التي طلب مني أن أدخلها قد أضيئت كاملة. كانت الشقة تقع في أدنى الشارع بحيث أننا حين نتجاوز الباب، كنا ننزل بعض الدرجات. ولم يكن باستطاعتي أن أرى الحيطان لكثرة الكتب. تحت أحد الفوانيس، كانت هناك طاولة على خشب التنوب، وأمامها فتاة تقرأ واقفة. كانت ترتدي فستانا غامق الزرقة، ولم تلتف إلينا حين دخلنا. تحت واحدة من النافذتين المختفيتين خلف الستائر، كانت هناك حشيّة، وبالقرب من الجدار المقابل، فراش، وإلى جانب الطاولة كرسيّان. وعند الباب مدفأة. وبينما كنا نقترب، التفتت الفتاة. في ذات اللحظة اكتشفت وجهها، وانتبهت في نفس الوقت إلى أن الرجل نائم على حشيّة. أما الكلب فقد كان ممددا عند رجليه.

-إنه أبي ...قالت الفتاة...لقد نام، وهو يسمع الآن ما نقول...والكلب الكبير الأسود لا اسم له...جاءنا ذات مساء لما ذهب أبي للتبشير...لم نغلقْ الباب بالمفتاح...لذا لم يجدْ صعوبة في الدخول إلى البيت... ظللت مُنْدَهشا أمام الفتاة، ثم سألتها بصوت خفيض عن المكان الذي منه قدم والدها...

-كان رجلا ثريّا ... وكان يملك معامل وورشات كثيرة...قالت هي وهي تخفض بصرها...وقد ترك أمي وإخوتي ليدلّ الناس على الحقيقة...

سألتها:

-وهل تعتقدين أن ما يُعلنه والدك هو الحقيقة ذاتها؟

-إنها الحقيقة ...قالت...ولقد عرفت دائما إنها الحقيقة...لهذا السبب قبلت أن أرافقه، وأن أسكن معه في هذا القبو...إلاّ أنني لم أعلمُ أن هذا الكلب سيأتي حين يشرع أبي في التبشير بالحقيقة...

صمتت الفتاة، ونظرت إليّ كما لو أنها لا تجرؤ على قول صلاة تَجُوسُ في أعماقها...

قلت لها:

-إذن لماذا لا تطردين الكلب؟

هزت رأسها، وقالت بهدوء:

-إنه بلا اسم... ولنْ يرحلْ...

حين لاحظت حيرتي، جلست على أحد الكرسيين هناك، إلى جانب الطاولة، وفعلت أنا الشيء ذاته...

سألتها:

-هل تخافين من الكلب؟

أجابت:

-كنت دائما أخاف منه...وفي العالم الماضي، عندما جاءت والدتي برفقة محام، وبرفقة إخوتي أيضا لكي تُعيد والدي إلى البيت، خافت وخافوا كلهم من الكلب الذي وقف قُدّامَ والدي، وراح بزمجر...وفي المساء عندما نمت، خفت أيضا...غير أن الوضع سوف يتغير الآن...لقد أتيت أخيرا، وبإمكاني الآن أن أسْخَرَ من الكلب...صحيح أنني لم أكن أدري كيف سيكون هذا الوضع...إلاّ أنني أعلم جيدا أن والدي سوف يأتي بك في يوم من الأيام في المساء، حين تضاء الفوانيس، وتهدأ حركة الشارع، وأنك ستحتفل بعُرسك معي في هذه الغرفة، وعلى فراشي، وبين كل هذه الكتب...وهكذا سننام مُلْتَصقين...الرجل والمرأة ...وهناك الحشية...سيكون والدي في الليل مثل طفل، وسيراقبُ الكلب الضخم ما نفعله....

كيف لي أن أنسى تلك الليلة معها؟

كانت النوافذ ترسمُ مُرَبّعَات صغيرة أفقيّة تطفو هناك في الفضاء فوق عُرْينا. كنا نائمين مُلْتَصقيْن. وكان جسدانا يتذوّقان في وَلَه لذة ذلك الحب الغريب بينما كانت أصوات الشارع تمتزج بتأوهاتنا...وأحيانا بعثرات سكّير، أو بوقْع حذاء امرأة تمر، أو بوطء أقدام كتيبة عسكريّة سرعان ما يُغَطّيه صَليلُ الخيول. كنا ننام أنا وهي تحت الأرض، تُغَطّينا عتمتها السّاخنة دونما خوف من أيّّ شيء. وفي الركن ، حيث ينام الرجل فوق الحشيّة مثل ميّت تماما، كانت عينا الكلب الصفراوين تحدّقَان فينا مثل دوائر أقمار كبريتية تتربّصُ بنا...

في تلك الفترة، شاهدنا نُمُوّ خريف مُتَوَهّج، أصفر أحمر، ولم يأت الشتاء في تلك السنة إلاّ متأخرا، ومن دون برد السنوات السابقة. إلاّ أنني لم أفْلَحْ أبدا في إخراجها من القبو لكي أقدمها لبعض الأصدقاء، أو لمصاحبتها إلى المسرح(حيث كانت تجري أحداث هامة)،أو للتجول معها في ساعات الغروب في تلك الغابات التي تمتدّ على طول الهضاب المحيطة بالمدينة. ويوما بعد آخر، كانت تظل جالسة أمام طاولة خشب التنوب حتى ساعة دخول والدها برفقة الكلب، وحتى اللحظة التي تجذبني فيها إلى فراشها على الضوء الأصفر للنافذة التي فوق جسدينا. وفي بدايات الربيع، وكان الثلج قد بدأ يسقط على الشوارع قذرا ومبللا، وبطول متر في الأماكن التي لا تدركها الشمس، طَرَقَتْ الفتاة بابي...كانت الشمس تميل على النافذة، ، وكانت الظهيرة تقترب من نهايتها. وكنت قد ألقيتُ بعض الحطب في المدفأة حين تجلّت مرتجفة، شاحبة، ومرتعدة ربما لأنها لم تكن ترتدي معطفا، بل ذلك الفستان غامق الزرقة، والذي لا يكاد يفارقها... فقط غيّرت حذاءها الذي كان في هذه المرة أحمر بفرْو داخلي:

-عليك أن تقتل الكلب ...قالت وهي مبهورة الأنفاس، محْلُولَة الشعر، غائرة العينين...

بدت لي كما لو أنها شبح ، لهذا لم أجرؤ على ملامستها... فتحت الخزانة، وأخرجت منها المسدس:

-كنت أعلم أنك ستطلبين مني ذلك في يوم من الأيام ...قلت لها...لذلك اشتريت هذا المسدس...

أجابت هي:

-والدي هو أيضا أصبح يخاف من الكلب...كان يخاف منه من قبل أيضا...الآن فقط اكتشفت ذلك...

تثَبّتّ من نجاعة المسدس، ولبست معطفي...

-إنهما في القبو ...قالت الفتاة وهي تخفض بصرَها...أبي نائم على الحشية، وهو يظل على هذه الهيئة طوال النهار بسبب الخوف الذي استبد به...وهو لا يجرؤ حتى على أداء الصلاة والكلب ممدد أمام الباب...

نزلنا باتجاه النهر...ثم اجتزنا الجسر الحجري...كان لون السماء أحمر داكنا ومتوعّدا كما لو أن حريقا اندلع...وكانت الشمس قد غربت، والمدينة كانت أشد حركة من ذي قيل...وكانت مُزدحمة بالسيارات وبالناس الذين بدوا كما لو أنهم يتحركون في محيط من الدم بسبب انعكاس أضواء الغروب على النوافذ، وعلى الحيطان...

اخترقنا الجموع الكثيرة، وجرينا عبر قوافل من السيارات، وعبر باصات كانت ترتجّ، وتبدو شبيهة بوحوش ضخمة لها عيون خبيثة مُنطفئة. وكان رجال الشرطة يقومون بحركات مُنْفعلة...جريت من دون أن اهتم بأيّ شيء حتى أنني نسيت الفتاة تماما. وأخيرا صعدت وحدي الشارعَ الضيّق مبهور الأنفاس، والمعطف مفتوحا، باتجاه غروب بدا أكثر ازرقاقا وثقلا...مع ذلك وصلت متأخرا إذ أنني في ذات اللحظة التي اندفعت فيها إلى القبو، دافعا الباب برجلي، وشاهرا مسدسي، لم أتمكن من أن أرى الشبحَ الضّخْمَ لذلك الحيوان وهو يختفي وسط ضجة بلور النافذة المحطم...على الأرض، كتلة بيضاء في بركة من الدماء، اكتشفت الرجل...كان الكلب قد مزقه قطعة قطعة إلى درجة أنه كان من الصعب التعرف عليه...

وعندما كنت مستندا إلى الجدار، اقترب دويّ سيّارات، وظهر رجل يحمل تابوتا، ورأيت طبيبا ينحني على الميت، والوجوهَ الشاحبة لرجال الشرطة المدججين بالسلاح... ثم جاء أناس كثيرون...ناديْتُ الفتاة...اجتزت المدينة ركْضا حتى الجسر...ثم حتى غرفتي...إلاّ انها كانت قد اختفت...بحثت عنها من دون توقف حتى ولو لتناول وجبة خفيفة وسريعة. استنجدت بالشرطة وبالجيش الذي راح يجوب الغابات بحثا عن أثر لها...صعدتْ مراكب النهر الأصفر القذر، ونزل سباحون مهرة إلى الأعماق...وبما أن الربيع كان قد حلّ ومعه أمطاره الدافئة والمتتابعة، فقد جرى البحثُ عنها في الكهوف بواسطة مشاعل، ونزل البعض إلى المجاري، وإلى أعماق كاتدرائية المدينة ...إلاّ أن الفتاة اختفت، واختفى الكلب أيضا...

بعد أيام ثلاثة، في ساعة متأخرة من الليل، عدتّ إلى غرفتي متعبا يائسا... ارتميت هكذا بثيابي على الفراش...عندئذ سمعت خطوات في أسفل الشارع...جريت إلى النافذة...فتحتها، ثم انحنيت...كان الشارع تحتي شبيها بشريط أسود ...وكان لا يزال مبللا بالمطر الذي لم يتوقف إلاّ عند منتصف الليل...كانت الفوانيس تلقي عليه أضواء ذهبية...وعلى الرصيف المقابل، بمحاذاة الأشجار، رأيت الفتاة تسير مرتدية ثوبها الداكن، ومنتعلة حذاءها الأحمر...وكات خصلات شعرها تتهدّلُ زرقاء بفعل أضواء الليل. ومثل ظلّ أسود، كان يمشي بجانبها صامتا وهادئا كخروف، ذلك الكلب ذو العينين الصفراوين المدورتين اللامعتين...