ميرفت ابو جامع-غزة: شهدت الأراضي الفلسطينية تراجعا كبيرا في حجم الاستثمارات الأجنبية خاصة العربية منذ العام 1999، لما ترتب على الوضع من قيام انتفاضة الأقصى عام 2000،وممارسة إسرائيل انتهاكاتها بحق الفلسطينيين من إقامة الحواجز العسكرية المتعددة والتي فاق عددها 600 حاجز بحسب تقرير للأمم المتحدة ، وتقطيع أواصر المحافظات الفلسطينية وكذلك الإغلاق والحصار وتقييد حركة التجار والمسافرين وتدمير كامل للاقتصاد الفلسطيني وفرضها العقبات في طريق أي مشاريع استثمارية خارجية ناهيك عن عدم وجود أفق للسلام مع إسرائيل وزاد الأمر معاناة الانقسام السياسي الفلسطيني.

كل هذه الظروف مجتمعة جعلت من فرص الاستثمار فيها شيئا من المخاطرة ،خاصة مع توقف مشاريع حيوية كان ممكن أن تحقق أرباحا طائلة وأن تدفع بعجلة الاقتصاد الفلسطيني للأمام منها منطقة غزة الصناعية التي بلغت كلفة المشروع 30 مليون دولار وتوقفت بعد اتمام المرحلة الأولى منه بسبب الحصار والاغلاقات المتكررة ومنطقة جنين الصناعية ومشروع استخراج الغاز من قطاع غزة . وتوقف عن العمل أيضا مشروع إنشاء فندق الموفمبك والذي تنفذه في غزة شركة المشتل للمشروعات السياحية بمساهمة خليجية ،الذي يعتبر من أهم المشاريع الاستثمارية السياحية في محافظات غزة وتبلغ تكلفة إنشائه حوالى 35 مليون دولار وكان من المقرر افتتاح الفندق في عام 2006 ونتيجة لإغلاق المعابر تم تأجيل الافتتاح حتى تكتمل التجهيزات النهائية .

ومنذ تأسيسها بموجب اتفاق أوسلو العام 1994 ، عملت السلطة الوطنية على تشجيع الاستثمار واستقطاب المستثمرين العرب والأجانب عبر وضع إطار قانوني لتشجيع المستثمر الأجنبي يتضمن إعفاءات جمركية سخية ومنح الامتيازات والاحتكارات، وخصخصة القطاعات الإستراتيجية، وتطويع القوانين لتلائم متطلبات رؤوس الأموال الأجنبية، وأصدرت القانون الأول لتشجيع الاستثمار عام 1996، وتبعه قانون معدل عام 1998.

وفي عام 1997 كانت الاستثمارات الخليجية محدودة وقد استهلها صاحب السمو الملكي الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس إدارة شركة المملكة القابضة بشراء حصة في شركة فلسطين للتنمية والاستثمار پاديكوPADICO بمبلغ 10 ملايين دولار. وتضطلع الشركة بأعمال الإنشاء والإعمار في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي العام ذاته شارك بمبلغ 5 ملايين دولار في تأسيس شركة القدس للإعمار والتنمية JEDICO لتعزيز مستوى الدعم العربي للوجود الفلسطيني في القدس الشريف عبر مشاريع استثمارية في مجال الإسكان والفنادق. وفي عام 1998 استثمر 2 مليون دولار في حصة 4% من الشركة العربية الفلسطينية للاستثمارات المحدودة APIC، التي تملك استثمارات في نشاطات متعددة منها الاتصالات، والبنوك، وبلغ مجموع ما استثمر في كل من القطاع العام والخاص في الضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1997 quot;940مليون دولار . وتشير تقارير اقتصادية إلى تراجع حاد في حجم الاستثمار من قبل القطاع الخاص بحوالى 862 مليون دولار أي بنسبة انخفاض 61.2ما بين عامي 1999 و2005.

ويعد مؤتمر الاستثمار الفلسطيني اكبر انجاز يحققه الفلسطينيون في ظل الحصار والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، وحظي المؤتمر الذي نظم في بيت لحم في الثاني والعشرين من شهر مايو الماضي بمشاركة دولية وعربية واسعة، بحسب القائمين عليه فإن المؤتمر يهدف إلى تهيئة المناخ الاستثماري المناسب وإحداث نهضة اقتصادية مؤثرة، وكذلك استكشاف الفرص الاستثمارية في فلسطين وتعريف القطاع الخاص العربي والإقليمي بنظيره الفلسطيني والاطلاع على المشاريع والفرص الاستثمارية القائمة في فلسطين على أرض الواقع، وبث الروح في الاقتصاد الفلسطيني مجدداً لوضع أسس تنموية على المدى البعيد وتهيئة الأجواء لاقتصاد فلسطيني حيوي ومنافس.

وكانت التوقعات كبيرة على نجاح المؤتمر الذي يقام لأول مرة في تاريخ فلسطين لجلب استثمارات كبيرة تضخ الحياة في الاقتصاد الفلسطيني الهزيل وبلغ سقف التوقعات لنحو 2 مليار دولار إلا أنه بعد انتهاء المؤتمر أعلن عن استثمارات بمبلغ مليار و400 مليون دولار في 109 مشاريع في القطاع العقاري والاتصالات وأخرى ،معظمها استثمارات خليجية كبيرة من قطر والإمارات والسعودية. وكان أبرزها مشروعان لصندوق الاستثمار الفلسطيني أحدهما في قطاع الاتصالات وهو quot;الوطنية موبايلquot;بحوالى quot;650مليون دولارquot; والآخر في قطاع العقارات ستذهب لمشروع اقامة بلدة قرب رام الله ومركز تجاري بقيمة 500 مليون دولار .بشراكة مستثمرين قطريين وسعوديين ومشروع آخر بالشراكة مع الديار القطرية .

ويقول جمال حداد الناطق الإعلامي باسم صندوق الاستثمار ان شركات خليجية أبدت اهتمامها بالاستثمار في فلسطين مفسرا ذلك أنهم وجدوا فرصا كبيرة للاستثمار رغم عدم استقرار البيئة السياسية ويضيف أنهم وجدوا شركات ومؤسسات فلسطينية ذات ثقة عالية ومهنية وتحظى بكفاءة اما السبب الاخر فيشير حداد إلى ان له بعدا وطنيا وأخلاقيا للنهوض بواقع الاقتصاد الفلسطيني الرازخ تحت نير الاحتلال وتخليصه من تبعيته . وعن الوطنية موبايل يشير حداد إلى ان الصندوق حرص على الدخول في شراكة مع الوطنية الدولية للاتصالات لتأسيس المشغل الثاني في فلسطين، انطلاقا من القناعة المشتركة بأهمية دور قطاع الاتصالات في دعم الاقتصاد الفلسطيني.

وحصلت الوطنية موبايل الشهر الماضي على موافقة إسرائيل على تخصيص ترددات اضافية للسلطة الوطنية الفلسطينية على عدة مراحل وذلك خلال الأشهر القادمة، مع حل قضية الترددات فان الوطنية موبايل ستساهم خلال الأعوام القادمة في خلق ما يزيد على 2500 فرصة عمل بشكل مباشر وغير مباشر،إضافة الى ضخ ملايين الدولارات في قطاع الخدمات التجاريةraquo;. ويشير حداد إلى ان الوطنية موبايل ستنطلق في الربع الأول من العام القادم 2009 من الضفة الغربية ام قطاع غزة فهذا مرهون بالسماح لها بإدخال اجهزة ارسال وتحسن الظروف السياسية وانهاء الانقسام والحصار . ويقر حداد بوجود عقبات امام الاستثمار في فلسطين خاصة العراقيل الإسرائيلية ويضيف رغم ذلك سنواصل المسيرة وضرب مثلا بمشروع الوطنية موبايل الذي بقي مدة عام ينتظر الموافقة بالترددات حتى حظي بها مؤخرا.

وتعد شركة موبايل الوطنية الفلسطينية للاتصالات منافسا لشركة جوال الفلسطينية التي تحتكر هذا القطاع منذ تأسيسها قبل عدة سنوات ،quot; و تأسست الوطنية في كانون الاول عام 2006 ضمن مشروع شراكة بين الوطنية الدولية للاتصالات - والتي تعود ملكية 51% من اسهمها لشركة كيوتل القطرية، وصندوق الاستثمار الفلسطيني. وفي احد اللقاءات الصحافية معه قال المساهم القطري الشيخ عبدالله بن محمد بن سعود ال ثاني، -رئيس مجلس ادارة الشركة القطرية للاتصالاتquot;كيوتلquot; ورئيس مجلس ادارة الوطنية الدولية للاتصالات laquo; أن الوطنية موبايل تعد واحدة من أهم الاستثمارات الخارجية في تاريخ فلسطين، وقد حرصت ادارة الشركة الوطنية الدولية و كيوتل القطرية على الوفاء بالتزاماتها باتجاه انجاح هذا المشروع رغم كل العراقيل التي واجهتها على صعيد الحصول على الترددات اللازمةraquo;.
وأضاف: laquo; كلنا ثقة بأن الوطنية موبايل ستسجل قصة نجاح من شأنها تشجيع الكثير من الشركات الدولية على الاستثمار في فلسطينraquo;.

اما المشروع الآخر الذي يعكف صندوق الاستثمار على تنفيذه بشراكة خليجية فهو مشروع تطوير quot;أرض الإرسالquot; الذي وقعت اتفاقيته في المؤتمر مع quot; شركة quot;الأرض القابضة quot; السعودية الهوية، و من المتوقع أن يكون أحد أهم المشاريع العقارية في فلسطين خلال السنوات القادمة، وأن يتجاوز حجم استثماره الكلي 200 مليون دولار أميركيquot;. ويعد القائمون عليه ان يعمل المشروع على خدمة مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، كما ينتظر أن يكون رافدا مهما للاقتصاد الوطني؛ لما سيصاحبه من تشغيل للمزيد من الأيدي العاملة، وتطوير قطاع الإنشاءات والإسكان الفلسطيني، وهي أهداف وضعها الصندوق نصب عينيه لتحقيقهاquot;. هذا ويعد مشروع quot;مدينة الروابي quot; الذي وقعت شركة الديار القطرية للاستثمار العقاري، اتفاقية شراكة مع شركة مسار العالمية في فلسطين،لبناء أول مدينة عمرانية فلسطينية متكاملة تقع بين مدينتي رام الله ونابلس في الضفة الغربية ، بتكلفة تقدر بنحو 350 مليون دولار، عدا تكاليف البنية التحتية ، ومن المتوقع أن يصل إجمالي حجم المشروع وما حوله إلى مليار دولار، ومدة المشروع تستغرق نحو 4 سنوات،ويترك المشروع الباب مفتوحا أمام مستثمرين آخرين .

وتعتبر مدينة الروابي اكبر مشروع يقول القائمون عليه انه أول مشروع خطط له في فلسطين منذ العدوان الإسرائيلي للضفة الغربية في العام 1976 ، وهو عبارة عن مدينة سكنية متكاملة تتضمن نحو خمسة آلاف وحدة سكنية ومركزا تجاريا ومدارس ومستشفيات وفنادق، وسوف يسكنها ما يزيد عن 40 ألف نسمة. ويتوقع ان يوفر المشروع فرص عمل لنحو 10 آلاف شخص فضلا عن انه سيدعم الاقتصاد الفلسطيني . هذه الملايين التي تدفع في مشاريع استثمارية في بيئة خصبة بأمس الحاجة لها، تبقى مرهونة بتحقيق الاستقرار السياسي على الصعيد الداخلي الفلسطيني وعلى صعيد فرص السلام مع إسرائيل وان كانت في مثل هذه الأوضاع المضطربة، تعكس اهتماما عربيا وخليجيا بالاقتصاد الفلسطيني الذي عانى الويلات جراء تبعيته للاقتصاد الإسرائيلي وجراء الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بغرض تكريس هذه التبعية ووضعه تحت رحمة إسرائيل . وفيها تحد كبير لكل الظروف، رغم المخاطرة التي يبقى مستقبلها مرهونا بمدى استجابة الآخر وإرادة الفلسطينيين في مواصلة مسيرة البناء حتى تحقيق حلم إقامة الدولة المستقلة .