كامل الشيرازي من الجزائر: كشف مسؤول حكومي جزائري، الاثنين، أنّ بلاده دخلت شوطا مهما في محاربة ظاهرة quot;تبييض الأموالquot; من خلال تحقيقها الحثيث في نحو 150 ملفا مشتبها، وقال quot;عبد المجيد أمغارquot; رئيس خلية مختصة بمعالجة المعلومة المالية، أنّ الملفات المذكورة يجري التحري بشأنها حاليا لبحث صلاتها بتبييض أموال وتمويل الإرهاب. وأعلن المسؤول ذاته في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية، أنّ ملفين جرى رفعهما إلى القضاء المحلي، مضيفا أنّ خليته عنيت منذ تأسيسها سنة 2004، بمتابعة جميع الحالات المشتبه بها، وتحدث quot;عبد المجيد أمغارquot; عن تقديم 40 ملفا لحالات مشتبه فيها لتبييض الأموال وتمويل الارهاب خلال الثلاثي الأول من العام الجاري، مقابل 66 ملفا السنة المنقضية، و38 ملفا العام التي قبلها.
وأقرت الجزائر قبل فترة قانونا للوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتها تماشيا مع التحولات الحاصلة في مجال حركة الأموال والتجارة الموازية وتبييض الأموال ومكافحة الإرهاب، كما كثّفت من جهودها لمحاربة شبكات تبييض الأموال خلال السنوات الأخيرة، وكان التقرير العالمي حول مكافحة تبييض الأموال والمخدرات الصادر عن الخارجية الأمريكية أعد حصيلة إيجابية حول الجزائر، ووصف حجم عمليات تبييض الأموال في الجزائر بـquot;الضئيلquot;، في وقت يرى آخرون أنّ الجزائر مهددة بشبح تبييض الأموال لكون 80٪ من سيولتها النقدية مودعة خارج المصارف، فضلا عن صعوبة مراقبة الحسابات البنكية ورفع السر البنكي، لافتقار المصارف هناك إلى نظام رقابة فعال مبني على أساس المعايير الدولية، رغم الترسانة التشريعية في مجال محاربة تبييض الأموال.
واستنادا إلى بيانات رسمية اطلعت quot;إيلافquot; عليهاquot;، تسببت الجرائم الاقتصادية، العام الماضي، في تكبيد الخزانة العامة خسائر فادحة زادت عن 7 مليارات دينار جزائري ndash; بحدود 95 مليون دولار-، في انحراف يربطه خبراء بالاختلالات الكبيرة التي صاحبت مسار تحرير القطاع البنكي والمصرفي الجزائري . وذكر ممثلون عن إدارات الشرطة والجمارك، إنّ هذه الجرائم التي تفاقمت في الجزائر خلال السنوات الثمانية الأخيرة، غالبا ما كان أبطالها موظفون أو من يٌعرفون بـquot;الوسطاءquot;، والمثير إنّ كثير من تلك الجرائم جرى اكتشافها بعد سنتين من حدوثها (..)، وهو ما يصفه متابعون بـquot;الخطيرquot;، علما إنّ عموم المسؤولين في الجزائر ظلوا يرافعون عن تسريع حلقات الإصلاح المالي وتكثيف أنظمة الرقابة.
ولم تكن فضيحة بنك الخليفة والخسارة التي تكبدتها الخزانة العامة بـ1.7 مليار دولار، سوى مقدمة لتعرية حجم التجاوزات المسكوت عنها في هذا البلد، لاسيما في منظومة البنوك الخاصة التي تمخضت عن كثير من الفضائح، والفوضى التي تضرب قطاع البنوك، في وقت ظلت تتهاطل تقارير المفتشية العامة للمالية من دون طائل.
وشدّد جيلالي حجاج رئيس الجمعية الجزائرية لمكافحة الرشوة (شفافية دولية)، في مقابلة سابقة مع quot;إيلافquot;، أنّ الفساد في الجزائر بلغ مستوى خطيرا وبات يتسم باستشراء الرشوة، وعدّد حجاج، جملة من التجاوزات والخروقات المسجلة في الصفقات العمومية، حيث سجل عدة فضائح مالية، مثل تلك التي هزت صندوق الامتياز الفلاحي، وكذا أخرى تسببت بها من عرّفها بـquot;مافيا الدواءquot;، ما جعل الظاهرة تأخذ أبعادا مخيفة تهدد توازنات الاقتصاد المحلي، وأرجع ممثل منظمة ''ترانسبرنسي أنترناشيونال'' بالجزائر، أسباب تنامي ظاهرة الفساد إلى ما أسماه quot;غياب إرادة سياسيةquot; وافتقاد الجزائر إلى إجراءات ردعية تحول دون تفاقم وانتشار ظاهرة الرشوة هناك، وضرب المتحدث مثلا بالقانون الحكومي للوقاية من الفساد الذي مضى عام على ترسيمه بموجب مرسوم رئاسي لكن أهم دعاماته لم تر النور، ورأى حجاج تراجعا كبيرا في تناغم بلاده مع محتوى الاتفاقية الأممية لمحاربة الفساد، لكونها أهملت، بحسبه، حق المواطن في حرية الحصول على المعلومات.
وأعاب quot;جيلالي حجاجquot; وجود ما سماه quot;نوع من التراخي'' لدى السلطات العمومية في تعاملها مع ملف الفساد الشائك، كما انتقد تعاطي السلطات الجزائرية مع الموضوع برمته، ذاهبا إلى حد الجزم بكون''قانون محاربة الفساد ليس قضية إرادة سياسية، والعبرة بالملموس، حتى لا يبقى هذا القانون مجرد ذرا للرماد في الأعينquot;، وركّز quot;جيلالي حجاجquot; على أنّ إلغاء المادة السابعة من القانون التي تنص على عقوبات في حق المنتخبين والنواب وكبار المسؤولين إذا ما تأخروا أو رفضوا التصريح بممتلكاتهم ''غيّر جوهر المشروع''.
وفيما ينظر الرأي العام في الجزائر بشزر إلى استشراء ظواهر الرشوة والفساد، رغم الحرب المعلنة التي أعلنتها الدولة ضدّ بارونات الفساد ولوبيات المصالح، أكّد مسؤول حكومي جزائري أنّ بلاده عازمة على الذهاب بعيدا في معركة قطع دابر الفساد، وكشف المدير العام للشؤون القانونية محمد عمارة، إنّ ثمة مخطط يشمل 55 ضابطا في جهاز الأمن، سيخضعون إلى تكوين متخصص يمكّنهم من تفكيك مغاليق الملفات ذات العلاقة بالجرائم الاقتصادية والمالية، وكذا أخرى مرتبطة بإبرام صفقات عمومية مشبوهة، ما سيعين على تفادي قصور التحري في قضايا التسيير المالي العام، ويساعد على الحيلولة دون استنساخ مهازل اختلاس مجددا، علما إنّ مسؤولين حكوميين أبدوا غداة اغتيال القاضي نبيل بوطرفة (33 عاما) الشتاء الماضي، عندما كان بصدد التحقيق في ملفات لها صلة بقضايا فساد، اعتزامهم توفير quot;حماية خاصةquot; للقضاة المكلفين بمعالجة قضايا الفساد وتعزيز شروط أمنهم لضمان فعالية أكبر، ناهيك عن تشديد الرقابة على سيرورة ملفات الفساد، وكذا تأمين عموم المجالس التي بحوزتها قضايا تتعلق بالفساد، إضافة إلى التفكير في إقامة محاكم خاصة تتولى التحقيق في قضايا الفساد.
بيد أنّ كل هذه النقاط quot;المشرقةquot; ظلت مراوحة لمكانها، لأنّه بمنظار خبراء، أثبتت تجربة إنشاء أجهزة لمحاربة الفساد، فشلها، كونها لم تنجح في أغلب الدول، ويشدّد مختصون على ضرورة إنشاء جهاز جزائري فعّال لمحاربة الفساد وإشراك منظمات المجتمع المدني في تشكيلته بغرض تمكين الرأي العام من الإطلاع عن كثب على سيرورة الأشياء، كما أبدى حجاج قلقه إزاء احتمالات تفاقم الظاهرة بالنظر لكون الجزائر تستثمر ما يربو عن مائة وخمسين مليار دولار منذ العام 2005 بموجب الخطة الخمسية لدعم النمو، سيما بعد استمرار حالة الغموض التي تلّف عديد الصفقات، بجانب إقدام قطاع من المسؤولين على منح صفقات ضخمة عن طريق ''التراضيquot; وقال حجاج بأنّ ''هذاالإجراء لابد أن يبقى إجراء استثنائيا له شروطه الخاصة، لا يتم اللجوء إليه إلا في الحالات الاستعجالية الكبرى كحدوث الكوارث الطبيعية''.
وكانت منظمة quot; شفافية دولية quot;، مؤخرا، ما سمته quot; فساد قطاع الصحة في الجزائرquot;، وصنّفت في تقريرها الخاص بالفساد في قطاع الصحة الجزائري كأنموذج، في صدارة القطاعات الأكثر استفحالا لمظاهر الفساد والرشوة في الجزائر، ولاحظ التقرير الصادر قبل شهرين، تفشي ما نعته التقرير quot;ممارسات مالية شاذةquot; وquot;مظاهر اختلاس وسرقة وابتزازquot; في تسير أموال الصحة العمومية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، كما ركّز بوجه خاص على مختلف إدارات المؤسسات الاستشفائية العمومية وسوق الدواء، معتبرا أنّها quot; مسرح الفساد المفتوح وتحويل المال العامquot;. يشار إلى أنّ منظمة شفافية دولية في ترتيبها الأخير، صنفت الجزائر في المرتبة الـ 99، حيث حلت الجزائر بمؤشر(3.0)، ويتراوح سلم المؤشر المعتمد بين (10) التي تعني نظيف جدا، و(0) التي تعني فاسد جدا.







التعليقات