لا ينظر عموم النقابيين والمراقبين في الجزائر بعين الرضا إلى الزيادة الحكومية الأخيرة في رواتب العمال، ويرى من تحدثوا لـquot;إيلافquot; أنّ رفع هذه الرواتب إلى 18 ألف دينار ndash; ما يعادل 180 يورو- مناورة فوقية ستطيل معاناة نحو 2.8 مليون أجير، احتكاما إلى رفض الحكومة خفض أو إلغاء الاقتطاع الضريبي المعتبر من رواتب موظفيها.
الجزائر: يشدّد quot;مزيان مريانquot;المتحدث باسم تنسيقية نقابات الوظيف العمومي، على أنّ الزيادة الأخيرة quot;ضحك على الأذقانquot; بحكم رفض الحكومة إلغاء أو تخفيض الضريبة على الدخل الإجمالي، وهي ضريبة تصل قيمتها حاليا إلى 35 بالمائة، وتفرز اقتطاعات مهمة بقيمة ستة عشر ألف دينار لدى بعض الأسلاك كموظفي التعليم.
بدوره، يركّز quot;عبد الكريم سلمانquot; الناطقباسم جمعية المقاولين الجزائريين، على أنّ الزيادة في الرواتب فاقدة لجدواها، ما دام الجهاز التنفيذي quot;نجحquot; مرة أخرى في الإبقاء على المادة 87 مكرر من قانون مستخدمي القطاع العام، وهي مادة مثيرة للجدل وظلت لأكثر من سبع سنوات محل مطالبات بإلغائها أو تعديلها، بحكم نصها على احتساب المنح داخل الأجر، ما يجعل الراتب حتى وإن لامس الـ35 ألف دينار، محدود الفعالية في ظلّ لهيب الأسعار وما تبتلعه الضريبة الحكومية على الأجور.
ويجزم كل من مريان وسلمان بأنّ الزيادة التي توّجت بها قمة الحكومة واتحاد العمال المقرّب منها وأرباب العمل، ستصبّ في مصلحة الكوادر السامية في الدولة، دون سواهم، وعليه ينتقد الرجلان غائية خطوة قفزت على تطلعات أزيد من 2.8 مليون عامل ينشطون في القطاع العام، وتقل رواتبهم بثلاث مرات عن رواتب نظرائهم في تونس والمغرب.
في سياق متصل، يلاحظ النقابيان المستقلان quot;محمد يوسفيquot; وquot;إلياس مرابطquot; أنّ شبكة الرواتب لا تزال quot;مليئة بالتناقضاتquot; على حد تعبيرهما، ويجزمان بأنّ النقطة الاستدلالية المعتمدة في شبكة الرواتب quot;مجحفةquot;، ولا تستجيب لتطلعات السواد الأعظم من الموظفين الجزائريين، تبعا لعدم ممايزتها بين خصوصيات بعض الوظائف كالصحة والتعليم، وإدماجها المنح بشكل quot;تمويهيquot; في الرواتب، ويستهجن يوسفي ومرابط بقاء النقطة الاستدلالية في القاع، رغم أنّ الجزائر تصنف ضمن الدول النفطية التيتتمتع ببحبوحة مالية غير مسبوقة.
ويستهجن نقابيون كيف أنّ الحكومة الجزائرية سارعت قبل نحو عام إلى إقرار زيادات خيالية في رواتب نواب البرلمان، كما لم تترددفي رصد المليارات لفائدة عناصر المنتخب الجزائري لكرة القدم، بينما (تتأفف) الحكومة ذاتها من الاعتناء بعمالها وحاجياتهم المعيشية الملّحة، وهو وضع غير سوي بحسب كل منيوسفي ومرابط اللذين يرأسان نقابتي الأطباء المختصين وممارسي الصحة على التوالي.
على النسق ذاته، لا يتردد quot;العربي نوّارquot; مسؤول مجلس أساتذة التعليم الثانوي والتقني (نقابة مستقلة)،في نعت زيادة الأجور quot;تحايلاquot;، مشيرا إلى أنّه خلافا لحديث الوزير الأول عن تحمّل الخزانة العامة لكلفة تزيد عن 75 مليارا، فإنّ ذلك بمنظوره غير صحيح، خصوصا مع إبقاء الضريبة على الدخل قائمة، وهو ما يعني بحسب نوّار أنّ الدولة لن تكتفي بأخذ ما تمنحه، بل ستمتص جيوب العمال على طريقتها بالتواطؤ مع quot;أرباب العملquot; الذين يعدّون بمنظور متابعين الرابح الأكبر من موقعة نهاية الأسبوع بحكم ما ظفروا به من امتيازات.
ويثير مريان ويوسفي ونوّار مجددا، إشكالية استبعاد الحكومة للنقابات الاجتماعية عن أي حوار اجتماعي، وإصرارها على اتخاذ اتحاد العمال المقرّب من دوائر القرار، كمتعامل واحد وحيد، رغم أنّه لو جرى تحكيم معيار التمثيل النقابي، لظهر جليا ترجيح كفة النقابات المستقلة.
واعتبرت الأمينة العامة لحزب العمال اليساري quot;لويزة حنونquot; أنّ الزيادة على النحو الذي تمت به، لم يستفد منها سوى أرباب العمل فحسب، على طرف نقيض، يشيد quot;الطيب لوحquot; وزير العمل الجزائري، بالزيادات المسجلة في رواتب مواطنيه الموظفين، مسجلا أنّه بين كانون الأول/ديسمبر 2010 وأيلول/سبتمبر 2011، بلغت الزيادات حدود الـ45 بالمائة، مع الإشارة إلى أنّه جرى بتاريخ الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2009 رفع الحد الأدنى للأجر المضمون بنسبة 25 % أي 15 ألف دينار بعدما كان باثني عشر ألفا فحسب .
بيد أنّ quot;رضا حميانيquot; رئيس منتدى رؤساء المؤسسات (تجمع غير رسمي لأرباب العمل)، يلفت إلى أنّ مسألة زيادة الرواتب لا ينبغي مقاربتها بشكل نمطي، حيث يبرز حمياني عدم وجود توازن بين المجموعات المملوكة للحكومة ونظيراتها الخاصة، من حيث استفادة الأولى من مسح ديون وتمويلها من صندوق ضبط الايرادات، خلافا للمتعاملين الخواص الذين يعانون الأمرّين، ما يجعل وفاء هؤلاء بزيادات الرواتب مغايرا لتعاطي المجموعات الحكومية مع المسألة.
وترى حركة مجتمع السلم أحد أضلاع الائتلاف الحاكم، أنّه لا بدّ من ضبط شبكة جديدة للرواتب وفق محددات اقتصادية اجتماعية تنموية تتناغم مع القدرة الشرائية، وبما يساعد على تحجيم التوترات على درب التهدئة الاجتماعية.
حتمية منح أدوار أكبر للنقابات الحرة
بحكم الثقل الجماهيري الذي تتمتع به النقابات المستقلة، يدعو مراقبون إلى منح هذه النقابات أدوارا أكبر، خلافا لاتخاذ الحكومة الجزائرية منذ عقود quot;اتحاد العمال الجزائريينquot; شريكا اجتماعيا فحسب، والذي يعيب عليه العمال على حد سواء عدم تمثيليته ومباركته كل خطط الحكومة.
وشهدت السنوات الأربع الماضية، عديد التحركات التي قادتها ما يزيد عن تسع نقابات مستقلة، وشكّلت الاضرابات والاعتصامات مؤشرا على الغليان الذي ساد أكثر من قطاع في الجزائر، وكانت السلطات في كل مرة تستنجد بجهاز القضاء لإرغام الأطباء والمدرسين وغيرهما على إيقاف الحركات الاحتجاجية.
وكانت أكثر الاضرابات ماراثونية وصراعا، تلك التي هزت قطاعي التعليم والصحة اللذين يستوعبان العدد الأكبر من الموظفين في الجزائر، إذ شكّلا بؤرة توتر كبرى احتدمت أكثر بين شهري كانون الأول/ديسمبر 2009 وشباط/فبراير 2010، إضافة إلى ميادين أخرىكالحديد والصلب وصناعة وسائل النقل، وأتى تسويغ جميع الإضرابات التي استمر بعضها إلى حدود الشهرين، ببلوغ وضع العمال مستوى كارثيا.
واستفاد العمال من زيادات في الرواتب، إلاّ أنّ هالة التضخم المتفاقمة في البلاد ابتلعت هذه الزيادات، بفعل موجة الغلاء التي حرقت جيوب الموظفين المحدودي الدخل، والمتأمل في الواقع الراهن للعمال الجزائريين يجده مرادفا للغة الاحتجاج التي أضحت العملة الأكثر رواجا في ظلّ حوار الطرشان المستمر بين الحكومة ومجموع النقابات الحرّة.
ويقول إسماعيل (33 سنة) الموظف في إحدى الإدارات العمومية:quot; أنت هنا تلهث بشكل دائم وراء لقمة العيش، وسط ظرف اجتماعي سيئ وانغلاق أفقquot;، وتؤيده نسيمة (41 عاما) ربة بيت والمستخدمة بمصنع مملوك للحكومة:quot; لن أخفي عليكم سرا، إذا قلت لكم أني أقترض كثيرا، طالما أنّ راتبي يتلاشى خلال أيام بسبب فواتير الكهرباء والغاز والماء، وما يتصل بالإيجار والمواد الواسعة الاستهلاك التي باتت أسعارها باهظة للغايةquot;.
وفي حي بن طلحة الفقير، قال محمد العامل بسكك الحديد: quot;مرتبي لا يكفي بتاتا لإعالة عائلتي المشكّلة من تسعة أفراد، سلم الأجور لا يوفر حياة كريمةquot;، بينما ترى جميلة (45 عاما) الأستاذة في إكمالية quot;زبيدة ولد قابليةquot;:quot; الحياة صارت صعبة، وحالتنا ليست وليدة اليوم، وكل المؤشرات تقود إلى العدمquot;، بينما يعلّق ناصر (37 عاما) وهوموظف لا يتجاوز أجره الدولارين ونصف يوميا:quot; صرنا لا نتحمل المعاناة، الحكومة تتفنن في اختلاق الضرائب الجزافية والاقتطاع من الرواتب، في حين تتعرض الإضرابات لقمع مقنّن، ولسنا ندري إلى أين تتجه الأمورquot;.











التعليقات