في قمة مجموعة العشرين القادمة، سيتحلق الزعماء حول أنجيلا ميركل، لإقناعها بخفض التقشف ورفع الانفاق. ففي يدها ترياق قد يشفي أوروبا من وهنها الاقتصادي، لكنها لا تبدو مستعدة لاستخدامه.

&
أفشين مولافي: في منتصف القرن التاسع عشر، نظر قيصرٌ روسي إلى وهن السلطنة العثمانية، ووصفها بـ "رجل أوروبا المريض". دخل هذا الوصف قيد التداول، واستخدم في مناسبات مختلفة، لوصف دول أوروبية تواجه مصاعب إقتصادية، كبريطانيا في السبعينات، وألمانيا في التسعينات، وفرنسا وإيطاليا في العقد الماضي. لكن ماذا لو لم يقتصر المرض على رجل واحد في أوروبا؟ أي، ماذا لو كانت كل أوروبا مريضة؟
&
هذا سؤال جوهري ينبغي على دول مجموعة العشرين أن تجد إجابة شافية عليه، في قمتها القادمة في مدينة بريسبان الأسترالية.

إنزلاق إلى الكساد
&
قال مسؤول أميركي، له دورٌ في صياغة السياسة الاقتصادية العالمية، لـ"إيلاف": "نمو أوروبا الضعيف يقضّ مضاجعنا جميعًا، فنحن بحاجة إلى أوروبا قوية، والاقتصاد العالمي بحاجة إلى أوروبا قوية".
&
وفي مؤتمر صحافي عقده الأربعاء، حذر اقتصادي يرأس المرصد الاقتصادي الفرنسي من انزلاق منطقة اليورو إلى حال من الكساد الاقتصادي خلال العامين المقبلين. قال: "من الواضح أن منطقة اليورو هي المشكلة التي يواجهها الاقتصاد العالمي اليوم"، غامزًا من قناة 18 دولة تعتمد اليورو عملة وطنية.
&
وكان لاري سامرز، الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، حذر مرارًا خلال الشهر الماضي من تحول الضعف الأوروبي إلى تهديد للاقتصاد العالمي. لكن هذا ليس أمرًا جديدًا، فخلال الأزمة المالية العالمية في العامين 2008 و2009، وصل ضعف منطقة اليورو إلى مستوى دفع بالبعض إلى تحضير نعي "اليورو" كعملة متداول بها.
&
توقعات جدية
&
أثرت هذه المخاوف سلبًا في الاقتصاد العالمي. في العالم 2011، حين تعهد حاكم المصرف المركزي الأوروبي ماريو دراغي بذل "كل الجهود اللازمة" لإنقاذ اليورو، وحين عاد نمو المنطقة إلى التعافي، تنفس العالم الصعداء.
في هذه المرة، قد تكون التوقعات أقل كارثية من السابق، لكنها لا تقل جدية. فالجميع بدأ يخاف من تشبّه منطقة اليورو باليابان، أي اقتصاد كبير موسوم بضعف النمو وتصاعد التضخم.
&
وقالت كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، خلال الشهر الماضي: "أنذرنا أوروبا حول أخطار التضخم". وهذا ما أثار قلق مسؤولين أميركيين، وقال أحدهم لـ "إيلاف"، على هامش اجتماع تناول اقتصاديات منطقة اليورو: "مكانة أوروبا مركزية في الاقتصاد العالمي، ولا يسعنا أن نقف متفرجين عليها تحتضر، فالعالم قادر على تحمّل تراجع ياباني طويل الأمد، لكنه عاجز عن تحمّل تراجع أوروبي طويل الأمد".

الخطأ الياباني
&
خلال الشهر الماضي، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته طويلة الأمد حول اقتصاديات منطقة اليورو المركزية، متحدثًا عن حصول كساد إقتصادي في هذه المنطقة بنسبة 40 بالمئة.
&
وخلال اجتماع مشترك أخير بين الصندوق والبنك الدولي في واشنطن، تذمر مسؤول أوروبي كبير من تعرض الأوروبيين للكثير من الانتقاد، وقال: "نُعامل كأننا تحت الحصار، وكأننا مذنبون في ما يحصل، وكأننا أشرار الاقتصاد العالمي، وكأن ألمانيا هي العدو الأول".
&
السبب الذي يدفع إلى رؤية ألمانيا العدو الأول هو إصرارها على أن تشد الاقتصادات الأوروبية حزامها في تقشف المزيد، بينما ترى دول منطقة اليورو الأخرى أنه زمن المزيد من الانفاق لإنعاش النمو الاقتصادي.
&
وفي الاجتماع نفسه، قال سامرز: "ما تم إنجازه في أوروبا لا يؤدي إلى أي نتيجة، فالأوروبيون يكررون الخطأ الياباني، وما حصل في اليابان هو 15 عامًا من التضخم والأداء الاقتصادي الضعيف، ثم تراجع دراماتيكي في أسعار الفوائد، وهذا ما تسير إليه أوروبا اليوم".
&
ترياق ميركل
&
زادت مجلة "إيكونوميست" طين أوروبا بلّة. فقال تقرير نشرته عن تراجع منطقة اليورو: "مع تفاقم مشكلة الديون السيادية من إيطاليا إلى اليونان، يخاف المستثمرون فينتعش السياسيون الشعبويون، فينهار اليورو سريعًا".
&
لهذا، ينتظر أن تكون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل محط الأنظار في بريسبان، مع سعي الزعماء الآخرين إلى إقناعها بتليين موقفها الداعي إلى تعزيز إجراءات التقشف الأوروبية، كما إقناعها برفع مستوى إنفاقها في أسواقها المحلية، لما يتركه ذلك من انتعاش في كامل أوروبا.
&
منطقة اليورو مريضة، فهل تملك "الطبيبة" أنجيلا ميركل ترياقًا يشفي أوروبا من مرضها؟. الواضح حتى الآن هو أن الطبيب لا يريد استخدام هذا الترياق، وأن المريض سيعاني مرضه فترة أطول.