تستمر الليرة السورية في التقهقر، بسبب الأزمة السورية المستمرة منذ 4 أعوام، لكن المصرف المركزي السوري آثر أن يتهم لبنان بتسهيل المضاربة على عملته الوطنية.

بيروت: تراجعت الليرة السورية إلى مستويات قياسية متدنية، إذ وصل سعر الدولار إلى 230 ليرة سورية، مقارنة بنحو 46 ليرة قبل اندلاع الازمة السورية في منتصف آذار (مارس) 2011. ويشكل هذا التراجع حلقة جديدة من حلقات التدهور الاقتصادي في سوريا، جراء استمرار الأزمة لعامها الرابع، رغم ما تحاول حكومة النظام السوري اتخاذه من خطوات "إنقاذية" كما تسميها.
&
ليس الأول
هذا ليس الانخفاض الأول لليرة السورية، على الرغم من اختلاف العوامل المسببة والمصاحبة. ففي النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، وفي ظل حكم التقشف وعسكرة الميزانية الذي فرضه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، تدهورت الليرة السورية من نحو 4 ليرات مقابل الدولار إلى 18 ليرة في 1985.&
حينها، تضافرت الظروف الاقليمية إلى جانب ندرة العملة الصعبة في الخزينة السورية والمضاربة غير المتفلتة في سوق القطع لتنال من الليرة السورية، فكان حينها القانون (24) للعام 1986، ونص على إنزال عقوبات شديدة بحق المضاربين، وتثبيت سعر الصرف الرسمي للدولار على 11,25 ليرة سورية بنهاية 1987. وصل سعر الدولار إلى 42.5 ليرة في 1990، وإلى 46,5 ليرة في 1996، وبقي عليه حتى بداية الأزمة المستمرة.
&
توقف محركات النمو
لا يأتي هذا التراجع من عدم، وهذا بديهي طبعًا. فمحركات النمو الاقتصادي السورية متوقفة بفعل حالة الحرب الأهلية الشرسة التي تعيشها. فاحتياطي البنك المركزي السوري من القطع الأجنبي تراجع من 19 مليار دولار بنهاية 2010 إلى ما دون 4 مليارات دولار بنهاية 2014، مع تراجع ايرادات النظام السوري النفطية نحو 4 مليارات دولار، نتيجة انخفاض الانتاج من 400 ألف إلى ما دون 200 ألف برميل يوميًا، بعد فقدان العديد من حقول النفط التي سيطر عليها تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) أو التي توقف العمل فيها بعدما اصيبت باضرار جسيمة جراء الاشتباكات في محيطها. وهذا أفقد الخزينة السورية ربع إيراداتها على الأقل، بحسب تقرير صادر عن المركز الوطني السوري للتنافسية.
المحرك الثاني المتوقف هو السياحة، التي تراجع حجمها نحو 90 بالمئة، إن لم نقل إنها توقفت نهائيًا، منذ 2010، فتراجعت عائداتها من 319 مليار ليرة إلى ما دون 4 مليارات ليرة في العام الماضي، رغم تشكيك العديد من الخبراء بها الرقم، إذ السياحة إلى سوريا وعبرها متوقفة تمامًا منذ منتصف 2012.&
&
تراجع التحويلات
وكانت سوريا تنتعش بفضل تحويلات السوريين العاملين في الخارج، والاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، لكن هذه تراجعت من 3 مليارات في 2010 إلى العدم بنهاية 2014.
إلى ذلك، يضاف تزايد نسبة عرض العملة السورية في السوق، وتراجع الطلب عليها بشكل كبير، خصوصًا بعدما حولت المصارف العربية والاجنبية العاملة في الأراضي السورية قروضها المقدمة بالعملات الاجنبية إلى الليرة السورية، كي تعوض خسائر تحملتها من رصيدها بسبب تراجع سعر صرف الليرة. وكل هذا حصل من دون أي تدخل يذكر للمصرف المركزي السوري، فهذه العمليات شرعية لا يمنعها القانون.&
وفي العام الماضي، حصل أمران أساسيان، أثّرا سلبًا على سعر صرف الليرة السورية، أولهما العقوبات الغربية على روسيا، ما حرم النظام السوري من دعم مالي كان يقدمه الروس، مع استمرار العقوبات الأميركية على إيران، وثانيهما تراجع اسعار النفط عالميًا، ما خفض من إيرادات هي أصلًا قليلة.
&
لوم لبنان
واللافت أن المصرف المركزي السوري رمى باللائمة على سوق القطع في بيروت، فاتهمه حاكم المركزي السوري أديب ميالة بإفساح المجال أمام المضاربة على العملة السورية، وجعله مسؤولًا عن انهيارها مقررًا سحب الكتلة النقدية بالليرات السورية المتداولة في لبنان، "بما يتيح ضبط حجم المعروض من الليرات السورية، التي يجري توظيفها أداة مباشرة للتأثير سلبًا على سعر صرف الليرة السورية"، كما قال.
ويبدو أن ميالة نسي كل البلية التي نزلت بالاقتصاد السوري، وآثر توسيع تدخله النقدي والاقتصادي في لبنان. ونقلت "الأخبار" اللبنانية عن الدكتور الياس نجمة، أحد كبار الاقتصاديين السوريين، تأكيده أن السوق اللبنانية سوق فرعية لجهة توافر الليرة السورية مقارنة بأسواق أخرى كالبحرين والإمارات والأردن، "التي كانت العملة السورية تنقل إلى بعضها بكميات كبيرة وعلى نحو إعلاني، وبعضها الآخر كانت العملة السورية تشهد فيها طلبًا من العاملين السوريين المغتربين، بغية تحويلها إلى عائلاتهم في البلاد، والاحتفاظ بالفارق المتحقق بين سعر الحوالات المعتمد رسميًا في سوريا، وسعر السوق السوداء".

تساؤلات
لكن كيف سيمكن إخراج القطع الأجنبي إلى لبنان؟ ومن سيبيع الدولار مقابل الليرة السورية؟ وهل يملك المركزي السوري قطعًا أجنبيًا كافيًا ليتدخل في السوق اللبنانية المترعة بالودائع بالدولار الأميركي، وليثبت وضعًا ماليًا جديدًا؟
يقول نجمة: "العملة السورية غير قابلة للتحويل بالقانون، كما أن إخراج القطع الأجنبي بالكميات التي يريد المركزي التدخل بها ممنوع قانونيًا، وهذا يعني أن أي إجراء سيكون بمنزلة تهريب للعملة، والأهم عبر أي جهات سيجري التدخل؟ صيارفة مرتبطون بعلاقات شخصية أم مؤسسات قانونية؟ وعندئذ يكون السؤال: هل يسمح لبنان بذلك، لاسيما أن العقوبات الدولية لا تتيح لسوريا ان تقوم بتحويلات نظامية بالدولار؟".
&
لا يمكن تنفيذه
في هذا السياق، نقلت "الشرق الأوسط" عن الخبير الاقتصادي اللبناني وليد بو سليمان رفضه مزاعم ميلة، وقال: "فقدان العملة السورية قيمتها لا يمكن أن تكون نتيجة للمضاربات في لبنان، لأن العملة السورية المتداولة في لبنان ليست كتلة وازنة، كي تضغط على سعر صرف الليرة السورية".
أضاف: "إجراء المركزي السوري مستحيل تنفيذه، لأنه لا يمتلك سلطة قانونية لتنفيذه، وقراره بالتدخل في السوق اللبنانية يتضمن مطالبة لبنان بالضغط على المصارف اللبنانية للتخفيف من المضاربة على العملة السورية وتوقف التعامل فيها، علمًا أن المصارف اللبنانية لا تضارب ولا تتعامل بالعملة السورية بسبب العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على سوريا، ولبنان يلتزم بها، فالتبادل بالعملة السورية مقابل الدولار يتم عبر مؤسسات الصيرفة وليس عبر المصارف اللبنانية".
ويريد المركزي السوري إخضاع المصارف اللبنانية في سوريا لوصايته، فيقول بو سليمان: "المصارف اللبنانية في سوريا مصارف قائمة بحد ذاتها، لها تراخيص مستقلة من المصرف المركزي السوري، ولا ترابط بينها من الناحية التنظيمية والقانونية بفروعها اللبنانية، وللمصرف المركزي السوري حق بسط السلطة والوصاية ولجان المراقبة على المصارف القائمة بسوريا، إنما لا يستطيع فرض سلطته على المصارف الموجودة في لبنان".