إيلاف من الرياض: يشهد عديد من أروقة صنع القرار الاقتصادي في منطقة اليورو والمملكة المتحدة والولايات المتحدة جدلا بشأن ارتفاع معدلات التضخم في الوقت الراهن.

في دول منطقة اليورو الـ19، ارتفع التضخم ليتجاوز أهداف البنك المركزي الأوروبي التي حددها في وثائقه الرسمية بأقل من 2 في المئة، لكن قريبة من 2 في المئة. وخلال مايو الماضي بلغ معدل التضخم 2 في المئة، مقابل 1.6 في المئة في نيسان (أبريل)، وتفاوت الارتفاع في الأسعار بين 1.1 في المئة في اليونان إلى 3.1 في المئة في أستونيا، بحسب تقرير نشرته صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

وكشفت بيانات مؤشر مديري المشتريات التصنيعي في منطقة اليورو أن الأسعار سترتفع في الأشهر المقبلة، خاصة بعد زيادة متوسط تكاليف المدخلات الصناعية بشكل كبير، بسبب الصعود الحاد في أسعار الطاقة في الأساس.

الوضع كان مشابها تقريبا في المملكة المتحدة التي خرجت من الاتحاد الأوروبي، إذ ارتفع معدل التضخم السنوي بأكثر من الضعف في نيسان (أبريل)، نتيجة زيادة تكاليف الطاقة والملابس، فمن معدل 0.7 في المئة في آذار (مارس) بلغ التضخم في نيسان (أبريل) 1.5 في المئة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يتوقع استمرار ارتفاع التضخم مع تخفيف قيود الإغلاق واستمرار فتح الاقتصاد.

القلق لم يكن حصرا على منطقة اليورو، أو المملكة المتحدة، فقد كان الأمر أكثر وضوحا في الولايات المتحدة ما دفع "الاحتياطي الفيدرالي" الأميركي إلى طمأنة الأسواق بأنه لا يتوقع خروج التضخم عن السيطرة في الأشهر المقبلة.

مخاطر اقتصادية

قلق الأسواق الأميركية جاء بعد أن أظهرت بيانات وزارة العمل أن التضخم الأميركي ارتفع بنسبة 4.2 في المئة خلال الـ12 شهرا المنتهية في نيسان (أبريل)، وهو أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية.

ويشير الخبراء إلى المخاطر الاقتصادية الحالية، حيث يعدونها مؤشرات أولية للضغوط على الأسعار، التي قد تؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل نتيجة قناعة الأسواق بأن المستقبل سيشهد مزيدا من الارتفاعات السعرية، وقد يسبب ذلك حلقة تضخمية حقيقية ترتفع بها الأسعار باستمرار نتيجة قناعة رجال الأعمال والمستهلكين على حد سواء بهذا الشأن، حتى إن لم تكن هناك أسباب حقيقية لذلك.

والكر ريث الخبير الاستشاري في بنك إنجلترا يعلق لـ"الاقتصادية" قائلا، "خلال معظم العقد الماضي كانت البنوك المركزية في العالم المتقدم تشعر بالقلق من أن التضخم كان منخفضا للغاية، الآن مع تعافي الاقتصادات من الانكماش الناجم عن الوباء، يرتفع التضخم، وسيواصل الارتفاع هذا العام في أقل تقدير".

ويضيف، "الزيادة في التضخم مدفوعة إلى حد كبير بأسعار الطاقة، فالاضطراب في سوق النفط كان واضحا للغاية منذ نحو عام حتى إن بعض أسعار النفط الخام في الولايات المتحدة أصبحت سلبية، على الرغم من أن إمدادات الطاقة الاستهلاكية لم تكن رخيصة أبدا، والآن بعد تعافي النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ وإن لم يكن بشكل كامل، انتعشت أسعار الطاقة مقارنة بالعام الماضي، وزادت على سبيل المثال في منطقة اليورو بنسبة 13 في المئة".

وجهة النظر تلك تتفق في جزء منها مع قناعة عديد من الخبراء خاصة في القطاع المصرفي أن الزيادات الحالية في الأسعار نتيجة مؤقتة للتأثير السريع لوباء كورونا في الطلب. فالوباء أدى إلى اضطرابات في سلاسل التوريد في كل شيء بسبب انهيار الطلب، والآن الطلب يعاود الارتفاع، ما جعل الأسعار متقلبة، ومع فتح الاقتصاد والتخفيف من قيود الإغلاق بدأ المستهلكون في إطلاق العنان ولو جزئيا لمدخراتهم، ما تسبب في ارتفاع الأسعار.

اختناقات تلت الوباء

لكن التحليل أعلاه يفرط من وجهة نظر بعض الأكاديميين في التركيز على الأسباب الآنية دون البحث بشكل أعمق في المشكلة التي لا تزال في بدايتها من وجهة نظرهم.

الدكتورة ليزا أندرسون أستاذة المالية العامة والخبيرة في قضايا التضخم ترى أن النهج التحليلي السائد حاليا لدراسة التضخم قائم على فكرة أن الارتفاع الحالي في الأسعار يرجع إلى الاختناقات الناجمة عن الانفراج الذي تلا الوباء، وارتفاع تكاليف الشحن ونقص بعض السلع الرئيسة الضرورية للإنتاج، وعندما تستقر الأمور وتعود الأوضاع إلى طبيعتها سيختفي التضخم أو سيكون تحت السيطرة.

وتضيف، "الارتفاع الراهن في الأسعار يتركز في المجالات الرئيسة حيث يصعب على المستهلكين التحكم في الإنفاق، إذ يتركز في النقل والملابس والطاقة المنزلية، وعند المستويات الحالية ربما لا يوجد شيء يدعو إلى القلق بشأن التضخم، لكن القلق ينبع من أن تكون أسباب التضخم تغيرات أساسية طويلة الأجل في هيكل الاقتصاد العالمي".

واعتماد التحفيز الاقتصادي القوي عبر سياسات مالية جوهرها إبقاء أسعار الفائدة عند أدنى مستوى، والتأثير المتزايد لشيخوخة السكان في الاقتصاد في الدولي المتقدم، كما أن نضج الاقتصاد الصيني الذي يشهد منذ ما يزيد على ثلاثة عقود معدلات نمو مرتفعة للغاية، كل هذا ينبئ بأن عاصفة التضخم المرتفع - من وجهة نظر الدكتورة ليزا أندرسون - تقترب، لكنها تعتقد أن التضخم المقبل لن يكون مفرطا كالذي عانته ألمانيا عام 1923، أو أميركا اللاتينية في الثمانينيات او حتى المعدل العالمي المرتفع الذي بلغ 10 في المئة في السبعينيات، "لكننا لا شك سنشهد معدلات تتجاوز 2 في المئة بكثير".

من هذا المنطلق يعتقد البعض أن التطمينات التي تطلقها البنوك المركزية بما فيها "الفيدرالي الأميركي" بشأن معدلات التضخم الراهنة تتسم بالتهوين، وأن المعطيات الاقتصادية ربما لا تتفق مع ذلك، فخطة الرئيس الأميركي جو بايدن الاقتصادية التي أقرها الكونجرس في شباط (فبراير) الماضي، ستمثل قوة دفع كبيرة للغاية للإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة، وحيث إن الإنفاق الاستهلاكي مسؤول عن نحو ثلثي النمو الأميركي، فمن المؤكد مواصلة التضخم ارتفاعه.

ونظرا إلى الدور الريادي للاقتصاد الأميركي في الاقتصاد العالمي، فإنه من المرجح أن يحفز من عوامل التضخم الكامنة في الاقتصاد البريطاني واقتصاد منطقة اليورو على الضفة الأخرى من الأطلسي.

ما العمل؟

لهذا يصبح التساؤل: ما العمل؟، أو بمعنى أدق ما الحلول المطروحة للسيطرة على وحش التضخم إذا بدأ يكشر عن أنيابه؟

يقول لـ"الاقتصادية" ريس فليب الخبير الاستشاري في مجموعة فيتش للتصريف الائتماني، "لن يكون أمام الجميع إلا إعادة النظر في سياسة التيسير الكمي الراهنة، ورفع أسعار الفائدة".

ويضيف، "جيروم باول محافظ "الفيدرالي الأميركي" يواصل تكرار أنه لن يرفع أسعار الفائدة، حتى يتعافى الاقتصاد الأميركي من ويلات وباء كورونا، وكريستينن لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي تعد ضغوط التضخم الراهنة مؤقتة، ومؤشرات بنك إنجلترا تسير في الاتجاه ذاته، هذا هو الموقف حتى اللحظة، لكن إذا واصل التضخم الضغط على الاقتصاد فلن يكون أمام الجميع سوى تعديل موقفه".

لكن حتى الوصول إلى تلك اللحظة، فإن صانعي السياسة الاقتصادية ربما يتعاملون مع الارتفاعات المؤقتة للتضخم عبر كبح ولو نسبي لسياسة التوسع الائتماني، التي تغذي الضغط التضخمي، فالتيسير الكمي شجع الحكومات على تجاهل قيود الميزانية، ما أدى بطريقة أو أخرى إلى تمهيد الطريق لعودة شبح التضخم.

مواضيع قد تهمك :