عصام سحمراني : أهي أخطاء تلك التي تهمس لنفسك بها من حين إلى آخر؟ أيّ أخطاء تتحدّث عنها!؟ تلك ليست سوى تفاصيل صغيرة لا لزوم للتوقّف عندها أمام احتمال اتخاذك السير صعوداً أم نزولاً على ذلك الخطّ الذي توحّدت معه فلا يغيّرك ولا تغيّره أبداً. هي ليست سوى طبقة ملحية عالقة فوق صخور ذلك الشاطئ تذوب مع كلّ مدّ وتعود مع كلّ جزر متجدّدة متألقة في لقائها الأوّل لتتحوّل بعدها إلى جفاف قاحل ليس فيه حياة. هي ليست سوى تمجيدك الدائم لها في الهمس لنفسك بها وتناسيك الدائم أنّها منسيّة لكلّ من فيها سواك.

تستيقظ على صياح ديك تعلوه أصوات كثيرة لمؤذّنين من كلّ اتجاه. تلك الفكرة ما زالت تدور برأسك المخدّر. وتدرك تمام الإدراك أن ليس أحد سواك يفكّر بها، أو حتّى تمرّ بخاطره كدرّاجة ناريّة فوق طريق سريع.. لماذا لا يتوحّد الأذان بين كلّ المؤذّنين؟ تقنع نفسك أنّ الفكرة مصدرها خوفك على وحدة المسلمين رغم أنّك تعلم في أعماقك أنّ الأمر منوط بإزعاج متلاحق لا غير. هي فكرة غبيّة لن تجد لها حلاّ ولا تريد أن تجد لها حلاّ. الأجدر بك أن تفكّر بأمور تتعلّق بك شخصياً عوضاً عنها. كحالك الفجريّ هذا، فلتسأل نفسك هل هنالك من أحد ما زال يستيقظ على صياح ديك وأذان مؤذّن هو نائم أو ميّت أصلاً بينما يصدح صوت تسجيله عبر مكبّرات الصوت؟ هل من مؤذّن يستيقظ في هذا البرد كي يؤذّن لك؟ فليفنى المصلّون الذين عن صلاتهم ساهون! ما همّي بهم.. هكذا سيقول.
الشارع رغم ظلمته وبرودته وصمته وتحالفه مع كثير من العقبات الموجّهة ضدّك هو ملكك الآن بكلّ ما فيه. هو ملكك في هذا الفجر النائم فوق ملايين الأسرار والرغبات والضحكات والدموع والآلام والخلجات والأحلام والأمنيات والأغاني الحزينة والسعيدة والتافهة والإبداعات والجرائم المتنوّعة أيضاً. هو ملكك وأنت فيه وحدك ملك متوّج عليه دون رعيّة تقلق بال وحدتك.

تجوبه وتدقّق في تفاصيله كحارس ليليّ يشبه إلى حدّ بعيد أبطال القصص المصوّرة التي لطالما قرأت الآلاف منها. تلك هي الدكاكين المغلقة تعلوها أسماؤها غير المرئية تعلن عن ملكيّات صغيرة ومشاريع ناجحة إلى حين فشلها. وتلك هي أبواب الأبنية والمنازل مقفلة كعادتها خوفاً من أبواب مقفلة بدورها هي الاخرى. يا لسخرية القدر حين يحكم على اللصّ قبل خروجه للسطو إقفال بيته خوفاً من لصوص آخرين. وتلك هي عواميد الإنارة تزيّن الشارع بأنوارها المطفأة فتمجّد في تعاليها استخداماً ماضياً لها لا علاقة له بالنور أو بالكهرباء.

يفاجئك ذلك الصوت الصادر من مذياع أحد الجوامع ناعياً أحد الأشخاص. تنصت جيّداً لعلّك تهتمّ لأمر المنعيّ. تستبعد الفكرة أساساً حيث لم تهتمّ بأحد طوال ثلاثين عاماً خلت من عمرك الملازم لخطّك الأزليّ. حتّى إنّك لم تهتمّ بنفسك أو تتعاطف معها وتواسيها خلال تلك السنوات.الأمطار التشرينية تحاصرك من كلّ النواحي فتتيح لك مشاهدة استعراضها الاخير والمشاركة به ضحية مستسلمة لها في ذلك الفجر القاتم. والشارع الذي توّجك ملكاً لا مكان لك فيه للإختباء والتلطّي من الإستعراض السماوي الثائر. أنت أصلاً لا تفكّر بالإختباء. كعادتك تستقبل كلّ شيء بلا اكتراث وبلا ارتباك وعادات استقبال وطقوس ضيافة وترحاب وأحضان ومعمول بجوز. تماماً كما فعلت مع ذلك الصديق الذي قاطعك حين زارك بعد انقطاع، فتحت له الباب ودخلت دون أن تضيف كلمة على quot;أقفل وراءكquot;. أو كتلك الجارة الجميلة تدعوك مراراً وتكراراً من وراء تلك الستارة الذهبية فتتجاهل دعواتها لك وكأنّك اكتفيت منها بعد زيارتك اليتيمة لكنوز لذّاتها ومكامن رغباتها وآبار أسرارها وأحلامها وخلجاتها. حتّى باتت على يقين من شبهك الكامل بالشارع صمتاً وبرودة.

فلتذكر كم تجتذبك خيوطها ولتهنأ بأنّها ملكك حين تريد. هل تشكّ في جمالها وأنوثتها وقد علّقت عيون عشرات الرجال في شفتيها الحائرتين وهي تبحث عنك بينهم في ذلك المركز الدينيّ الذكوريّ. المناسبة كانت جليلة فعلاً لكنّ الجمع بأكمله تهرّب من كلمات الخطيب نحو شفتيها. حتّى الخطيب نفسه توقّف عن أذكاره إجلالاً لظهورها وكاد للحظة يتلفّظ بما كان يستذكره في باله في تلك اللحظة من كلمات مسكين الدرامي: قل للمليحة في الخمار الاسود ماذا فعلت بزاهد متعبّد قد كان شمّر للصلاة ثيابه حتّى برزت له بباب المسجد.

تغطّيك الأمطار من الأقدام قبل الرأس. فالشارع الملكيّ بات موحلاً بعد التقاء الغبارين السماوي والأرضي معاً وأنت في وسطهما. لا تهتمّ ولا تطلب ملجأ. تستمتع بالإرتعاش وتلتذّ بالأمطار ترتدّ إلى رأسك وتغوص في شعرك الكثيف لتكتشف طرقاً للتسرّب على وجهك ومنه إلى ما تحت ملابسك الخفيفة. يصلك صوت الأمطار تنتهك حرمة أحد الألواح المعدنية فتستعيد على وقعها صدى ساعتك المعلّقة على حائط غرفتك وهي تحمل إليك مع كلّ ثانية جرعة جديدة من الإستمرار والثبات والإستدامة والتعنّت.

يغريك الأمطار وتصفعك بحمّى الإختيار.. أفلا تريد الهروب منها!؟ الماء الموحل يغطّيك من الأعلى إلى الأسفل. وأنت كمن يحتفل بالأمطار الهاطلة بعد جفاف ودعوات وصلوات استسقاء. الإختيار واجب في مثل هذه الظروف. فها هو المسجد يدعوك بنوره الشحيح وقبّته الملوّنة للإختباء فيه والإقبال على صلاة لم تصلّها يوماً. وها هي جارتك الجميلة تتفقّد خطواتك كعادتها في تلك الأمطار من خلف ستارتها المغرية باحتضانها وتعويضها كلّ آلام الفراق، إختر الصعود إليها فقد طرقت أنفاسها أبواب قلبك هذه المرّة.

خياران وحيدان كلاهما له خصوصيته. كلاهما جيّد في اتجاه. فاسلك أحدهما! قطعاً لن تمرّ الفكرة في بالك وإذا ما مرّت فلا مبالاتك جاهزة لدحضها والدفاع عن صراطك المستقيم عناداً. تمرّ بين الإثنين وتمضي ملكاً مرتجفاً مبلّلاً على شارع قذر معتم.

[email protected]