لوحة ليوم توف_ 40 ضوء محتجب
عصام سحمراني : غدت نوراً وعانقت الظلمة بضيائها، فتفتتت ذرّات السواد بين يديها معلنة ولادتها الجديدة، كونية هذه المرّة، من رحم يديها البركانيتين، كهشيم عاد إلى خضرته اليانعة وهو يغرق نفسه بمياه الأحاسيس والأمنيات المعطّرة. كان هناك النرجس والفلّ والزنبق والياسمين والأقحوان والقرنفل والبنفسج البرّي الشهي والبقية الباقية من أسرة العطور المالكة تدفقت مع دنوّ ساعة ولادتها.

واتّخذتها ملايين العيون السماوية مصدراً لنور لا يمكن بحال قياسه وحصره في فكرة مجرّدة أو في فضاء متمادي. وأين هو من نور العيون السماوية الخافت الشحيح أمامها. تلاقت العيون فتراءت لهم كما هي وبين يديها وليدها النورانيّ الأصيل كوناً يافعاً داخل ثنايا العدم المعفر بخط الزمان- المكان. تلاقت العيون فإذ بها أمّ لمخلوق نورانيّ فلا يمكن إحاطتها بأكثر من تلك الكلمة من مصطلحات وأوصاف وتشبيهات تنتقص من كينونتها تلك ولا تزيد. وهل يمكن ان نشبّه الأمّ الإلهة بأكثر من كونها أمّاً!؟ قطعاً لا.

أكبر الأسماك البحرية تتوقّف عن ابتلاع الصغار الهائمة على وجهها في المحيطات الواسعة. يمتدّ الضحى ليخيّم بنوره الدافئ فوق كلّ الاشياء. لا شروق ولا مغيب هناك. هو النور المطلق لا غير يتسلّل بخفّة مع أنفاسها العطرة الممتدّة في اللا مكان لتؤلّف ظلالاً من جزيئات العطور الوردية وأريج زهر الليمون الساحلي وقد ارتفع سحابة من أسرار وأشواق لحبيبين نائيين في صومعتهما الواديّة الغائرة في أعماق السكون، المتعلّقة بالتسارع القياسي لنبضات توحّد القلبين العاشقين.
تتوقّف الرياح من جهاتها الأربع عن الهبوب. تشتدّ وطأة الضحى وتنقلب معادلة السماء غطاءً جليدياً واسعاً غطّى المكان بأسره. وانتشر فوق صقيعه غلاف من تشكيلة العطور المتناوبة فبدا كصحن فضائي مزعوم لطالما كان ملك يديها الإلهيتين.

تتوقّف الأحلام عن النبض في ثنايا العقول والقلوب، وتستغرق الأشواق في ممرّات الإنتظار الطويلة عند أعتاب بوابات الهيام الورديّ المشوّه. تتعلّق الانفاس. تتعطّل الوظائف الفكرية والعصبية وتمتزج رسائلها لتتمخّض عن رسالة واحدة لا غير. رسالة رؤياها والتهامها بعيون جائعة لمثل ذلك المشهد البديع أمامها. تتعلّق العيون وترافقها الأفواه وقد فتحت على اتساعها دليلاً قاطعاً على نهم متوارث، وصلة قربى أكيدة بينهما.

تستلقي البسمة في شفتيها بارتياح بالغ يعمي الابصار ويقذف رصاصاته بدقّة قنّاص محترف. تستلقي البسمة في شفتيها المتمردتين فتسكن كلّ الكلمات إلى مآويها تائهة غاضبة من غلبة الصمت القاتل المتعامل مع أنضح الشفاه بالعنّاب الخريفي الناضج وقد ودّعتا الدفء الصيفيّ واستعدّتا لاستقبال فصل الأمطار بتألّق معهود.
تضطرب الطبيعة ويختلّ نظامها السرمديّ فتجتاح حمم البراكين أعناق السماء وتعلق في خبائها الجليدي. يلتقي الضدّان فيبتدع التناقض الصارخ أشكالاً من الموت لطالما عبدت كآلهة ملأى بالحياة متعدّدة الفصول والأمطار والشرائع. فهل هنالك أجمل من تناقضها!!؟

يكفي أن تلقي بعبء كتفيها من السنابل الذهبية الناعمة إلى ظهرها حتّى يتوقّف الموت نفسه عن الخفقان في أرجاء المقابر الجماعية فيسترخي ويسمح لشذرات من الحياة بالتسلّل إلى مملكته العتيقة. شذرات من الحياة تحمل مصير الموت المعلّق للموت نفسه. غريب هذا الأمر فعلاً! أين يمضي الموت حين يموت!!؟ يكفي أن ترجعها إلى الخلف حتّى تعيد ترتيب التاريخ بتفسير نورانيّ لا علاقة له بالمادية والرأسمالية والإقتصاد والأديان والحروب ونشوء الدول. يكفي أن تمرّر يدها فيها كي تعيدها.. فترفض السنابل العودة وكأنّها قد تعلّقت بتمرّد أحمر في مصير لا متناهٍ تشدّ إليه ملايين عبارات العشّاق الناطقة منها والصامتة على حدّ سواء منذ الأزل حتّى الأبد. يكفي ذلك حتّى يرتعش جليد القطبين من برودتها ، ويتلظّى أجيج جهنّم بحرقتها.

هي هنا أمام جموع العيون والقلوب التي فتحت سماوية وأرضية، مرئية ولا مرئية، متشكّلة ومتجزّئة، مادية ولا مادّية، ملموسة ولا ملموسة. هي هنا أمامهم تلد النور من النور؛ منها. فلا تجد مهداً له في بحور ظلماتهم المشهودة بغباء شموسهم الشحيحة. لا تجد له مكاناً بين تفاهات يعيشونها في مجتمعاتهم الملعونة بآلاف اللغات، ولم تعرف هي يوماً سوى لغة واحدة؛ لغة النور الصامت.تنأى بنفسها ووليدها عنهم. تتسلّق مجدّداً ذرّات العطور نحو مدن السماء الزاهرة. تستلقي في أحضان الموت المترفّع عن قبض الأرواح فتمضي مع وليدها إلى الحتف السماوي الأخير الذي اختصّها به وحيدة فريدة حرّة سيّدة عليهم أجمعين.
من السماء إلى السماء تعود.

[email protected]