تجربة السجن.. معاناة إنسانية
شخصيات دفعت ثمن الكلمة والمبدأ

سلوى اللوباني من القاهرة: المعاناة الانسانية واحدة يتساوى فيها الجميع.. منها تجربة السجن الطويل أو القصير.... فهي تجربة لا تنتهي بانتهاء فترة السجن.. تستمر مع الانسان بقية حياته.. فهو انعزل عن هذه الحياة وسيبدأ بالتأقلم معها من جديد.. حياة أصبح فيها غريبًا.. وفي قراءة لسير حياة بعض من جربوا تجربة السجن من المناضلين السياسيين أو الادباء

جميلة بوحيرد، محمود أمين العالم، وول سونيكا ومحمد الماغوط
والمثقفين لمدد متفاوتة، ممن دفعوا ثمن حرية الرأي.. نجد أكثرهم تحدثوا عن هذه التجربة.. عن حكايتهم وراء القضبان.. فهل معرفة حكايتهم يخفف من ألمهم أو معاناتهم؟ هل هي نوع من التطهر؟ من الشعور بالغربة؟ منهم من كان لديه الرغبة في استعادة الحياة ومنهم من استعادها إلا أن الخوف ظل مسيطرًا عليه. هناك عدد من المناضلين والكتاب والمبدعين في العالم مروا بتجربة السجن ولا مجال هنا لحصرهم فالعدد كبير. ونذكر منهم الكاتب النيجيري quot;وول سونيكاquot;، المناضلة الجزائرية quot;جميلة بوحيردquot;، الشاعر السوري quot;محمد الماغوطquot;، المفكر المصري quot;محمود أمين العالمquot;.

الكاتب وول سونيكا
من الذين دفعوا ثمن الكلمة فأمضى سنوات في السجن والمنفى. هو أول كاتب افريقي ينال جائزة نوبل للاداب عام 1986، ويعد أحد أهم كتاب القارة الافريقية في العصر الحالي. هو شاعر وكاتب مسرحي وروائي وناقد ومترجم سياسي. نال درجة الدكتوراة عام 1973. قضى 6 سنوات في انكلترا وانشغل بالتأليف المسرحي والتمثيل ومن ثم حصل على منحة وعاد الى نيجيريا لدراسة الدراما. شغل منصب بروفيسور في تدريس الأدب في جامعات انكلترا وأميركا ونيجيريا وله العديد من المؤلفات. كان ينتهج وسيلة اللاعنف للكفاح ضد الطغيان والدكتاتورية والحكومات الفاسدة والطائفية وثراء الاقلية على الرغم من أن نيجيريا من أكثر الدول الافريقية ثروة بالموارد الطبيعية إلا انها عانت الكثير سياسياً واقتصادياً. أثناء الحرب الاهلية في نيجيريا كتب مقالاً أشار فيه إلى وقف إطلاق النار ما أدى الى القبض عليه عام 1967 واعتقل كسجين سياسي في سجن انفرادي لمدة سنة و10 أشهر وبعد خروجه اختار منفى اختياريا له. كتب عام 1982 كتابه السياسي بعنوان quot;آكهquot; وتناول فيه الاستعمار الغربي ومن ثم كتب عن تجربته في السجن عام 2006 بعنوان quot;عليك أن تنطلق فجرًا. كما تحدث عن تجربته القاسية في السجن الانفرادي في روايته quot;موسم أنوميquot;. ونذكر هنا أن له العديد من المؤلفات. ما يقرب من 20 عملاً مسرحية ورواية وشعر معظمها باللغة الانكليزية إضافة الى مجموعة من المقالات الادبية والسياسية.

المناضلة جميلة بوحيرد:
رمز النضال الجزائري في زمن الاحتلال الفرنسي.. تميزت بالارادة والتحدي، واختارت الصمت بعد سنوات نضالها، لم تترك الجزائر ولم تغادرها يوماً. لا زالت تحب الجزائر على الرغم من أن الجزائر لم تكرم تجربة نضالها. ولدت جميلة بوحيرد في حي القصبة عام 1935 والدتها تونسية الاصل وكانت تربطها علاقة جيدة بوالدها فقد كان نموذجاً للرجل المثقف الثائر كانت البنت الوحيدة بين أفراد أسرتها فقد انجبت والدتها 7 شبان، واصلت تعليمها المدرسي ومن ثم التحقت بمعهد للخياطة والتفصيل فقد كانت تهوى تصميم الازياء. مارست الرقص الكلاسيكي وكانت بارعة في ركوب الخيل الى أن اندلعت الثورة الجزائرية. انضمت الى جبهة التحرير الجزائرية للنضال ضد الاحتلال الفرنسي وهي في العشرين من عمرها ثم التحقت بصفوف الفدائيين وكانت أول المتطوعات لزرع القنابل في طريق الاستعمار الفرنسي، ونظراً لبطولاتها أصبحت المطاردة رقم 1. تم القبض عليها عام 1957 عندما سقطت على الأرض تنزف دماً بعد إصابتها برصاصة في الكتف والقي القبض عليها وبدأت رحلتها القاسية من التعذيب من صعق كهربائي لمدة ثلاثة أيام بأسلاك كهربائية ربطت على حلمتي الثديين وعلى الانف والاذنين. تحملت التعذيب ولم تعترف على زملائها ثم تقرر محاكمتها صورياً وصدر ضدها حكم بالاعدام وجملتها الشهيرة التي قالتها آنذاكquot; أعرف إنكم سوف تحكمون علي بالاعدام لكن لا تنسوا إنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلةquot;. بعد 3 سنوات من السجن تم ترحيلها الى فرنسا وقضت هناك مدة ثلاث سنوات ليطلق سراحها مع بقية الزملاء سنة 1962 بعد وقف إطلاق النار أي بعد الاستقلال. تزوجت عام 1957 من محاميها الفرنسي quot;جاك فيرجاسquot; الذي تولى أمر الدفاع عن أعضاء جبهة التحرير الوطنية ثم انتهى هذا الزواج بالانفصال.

الشاعر محمد الماغوط:
أعماله المسرحية والسينمائية عكست مرحلة مهمة من تاريخ العالم العربي مثل مسرحية غربة، كاسك يا وطن، شقائق النعمان، ضيعة تشرين، وفيلم الحدود وفيلم التقرير. الخوف حفر داخل أعماقه من تجربته في سجن المزة في سوريا فقد دخل السجن عام 1955بسبب انتمائه إلى الحزب القومي. دفع ثمن كلمته ورأيه فدخل السجن... ومن خلف قضبان سجنه كانت بداية مشواره ليصبح واحداً من كبار شعراء الحداثة وكتاب المسرح في العالم العربي. كتاباته تناولت هموم الانسان العربي. له العديد من الدواوين الشعرية التي ترجمت ونشرت في عواصم عالمية إضافة الى دراسات نقدية واطروحات جامعية حول شعره ومسرحه. من مؤلفاته حزن في ضوء القمر، مسرحية العصفور الاحدب، ورواية الارجوحة، وديوان شعر الفرح ليس مهنتي. عبر الماغوط أكثر من مرة بانه تحطم شيء بداخله بعد تجربة السجن، فقد بقي غريباً ومنعزلاً وحزيناً بعد خروجه من السجن. توفي عن عمر يناهز 72 عاماً في دمشق عام 2006. له العديد من المقولات منها quot;بدأت وحيداً وانتهيت وحيداً quot;.

المفكر محمود أمين العالم
هو مفكر وكاتب متعدد ومتنوع الروافد الثقافية، ورحلته الانسانية غنية بتجاربها المؤثرة، فرحلته مع السجون طويلة-10 سنوات- من سجن الواحات الخارجية الى سجن قراميدان، سجن القلعة، سجن الحضرة في الاسكندرية، وسجن أبو زعبل، دخل الى السجن في حملة الاعتقالات التي قام بها جمال عبد الناصر عام 1958 ضد الشيوعيين. دخل الى سجن quot;قرة ميدانquot;، ومن ثم تم تحويله الى السجن الانفرادي لمدة 25 يوماً وكما يقول محمود أمين العالم quot;دخلت الى أسوأ مكان رأيته في حياتي، رائحته كريهة وحشرات تتساقط على رأسي من السقف، وتزحف على جسدي من الارض، أنواع غريبة من الحشرات استطعت أن أميز نوعين منها فقط وهما البق والقملquot; وكانت التهمة هي مناهضة النظام والتآمر ضد الدولة وإشاعة البلبلة في صفوف الجماهير، ومن ثم تم الانتقال الى سجن أبو زعبل. كانوا في السجن يحاولون التغلب على ما يسمى quot;اصطياد الانسانquot; من خلال التخفيف عن بعضهم البعض وبالتماسك وأحياناً بالضحك، حتى يحافظوا على الانسان في داخلهم، كانت العساكر هناك مقهورة ومضللة فكان الضابط يقول للعساكرquot; إن هؤلاء المعتقلين ملحدون، ويمارسون الجنس مع أخواتهم ومشهورون دولياً، ويأكلون أشهى المأكولات ويشربون أفضل المشروباتquot;، على الرغم من تجربته القاسية في السجن إلا أنه عندما توفي جمال عبد الناصر قال quot;عبد الناصر مات شخصاً ولكنه لم يمت فكراً أو منهجاً واننا سوف نسير على طريق عبد الناصر، وبفكر عبد الناصرquot; أصدر أكثر من 20 مؤلفاً في مجالات النقد الادبي والفلسفة والفكر والشعر، وعشرات الدراسات والمقالات والمحاضرات في مجلات مصرية وعربية وأجنبية، ويشرف حالياً على إصدار كتاب ثقافي غير دوري quot;قضايا فكريةquot;، والذي بدأ باصداره منذ عودته الى مصر عام 1984، أصدر منه حتى الان 20 كتاباً، إضافة الى كونه مقرر لجنة الفلسفة في المجلس الاعلى للثقافة، وعضوا في نقابات واتحادات مختلفة.
[email protected]