تصاعد دورة العنف والإغتيالات السياسية ذات الخلفية والصبغة الطائفية في العراق ثم الحشد الطائفي الذي تصاعد مع التصريحات الإتهامية الحادة ضد جماعة (بدر) العراقية الشيعية من قبل السيد حارث الضاري رئيس هيئة العلماء المسلمين في العراق بوقوفها كما إدعى خلف إغتيال العديد من القيادات السنية العراقية! هو أمر بات يثير قلق الكثير من المراقبين للساحة العراقية المتورمة بألف هم وهم !! ولعل أخطر الهواجس والهموم والسيناريوهات التدميرية التي باتت تنتصب أمام العالمين هو سيناريو (الحرب الأهلية الطائفية) والتي باتت الجماعات السلفية والتكفيرية والأطراف المتضررة من ترسخ وتجذر العملية السياسية والديمقراطية في العراق تعتبرها الخيار النهائي والحل الشامل لمعضلتها في العراق وخصوصا بعد أن تدخل (الإرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي) بشكل علني ومفضوح وأعتبر الطائفة الشيعية العراقية (طائفة كافرة وعدوة للإسلام وتقف على الدوام لجانب أعداء الأمة الإسلامية )!! في مفارقة غبية وسمجة ومعاكسة لواقع التاريخ العراقي قديمه وحديثه! لابل أن الزرقاوي وفكره اللعين وحزبه الشيطاني قد أثبت على الملأ مدى خواء وعقم وتفاهة أهل التكفير السلفي! لأن هذا الأرعن البائس لو رجع بذاكرته المتعفنة وروحه الشيطانية السوداء قليلا لعام 1914 وبداية الإحتلال البريطاني للعراق وتمعن في معركة (الشعيبة) عام 1915 وهي المعركة الضخمة التي نشبت في البصرة وقادها علماء ومراجع الشيعة ورجالاتهم بدءا من الشيخ الحبوبي والمرجع الراحل السيد محسن الحكيم، وتصديهم لقوات الإحتلال البريطاني وإعلانهم الصريح للوقوف بجانب الدولة العلية العثمانية (المسلمة) رغم كل عنصريتها ضد العرب خصوصا وإهمالها للشيعة منهم وإبعادهم عن مراكز السلطة! ومع ذلك كان خطاب الحوزة الدينية الشيعية ملتزما بثوابت الحفاظ على الدين والشريعة بصرف النظر عن المواقف السياسية أو الخلافية! وهو الموقف الذي لم تتخذه الأطراف التي كانت تدعمها الدولة العثمانية بل تصرفت بإنتهازية واضحة لتوالي الحل البريطاني بعد أن إستشرفت غروب دولة آل عثمان! وطبعا لاداعي لأن نذكر الطائفيين الأغبياء والموتورين والجهلة بأن (ثورة النجف) ضد البريطانيين عام 1918 ومقتل حاكمها البريطاني الكابتن (مارشال) كانت المقدمة الموضوعية لثورة عام 1920 والتي كانت ثورة شعبية يغلب عليها الطابع الشيعي ويقف خلفها مراجع الشيعة الكبار كآية الله الشيرازي! وهي الثورة التي كان من نتيجتها قيام الكيان العراقي الحديث وإنشاء (المملكة العراقية الهاشمية) بعد مؤتمر القاهرة عام 1921!، ومن ثم تصويت جماهير الشيعة والسنة على قيام مملكة عربية حاكمها ينحدر من سلالة الأشراف الهاشميين! ويبدو أن (الزرقاوي) الغبي ومن يسير على خطاه من مفكري الفتنة وفقهاء الدمار لايعرفون أبجديات التاريخ العراقي ولا التضحيات الكبيرة التي أبدتها الطائفة الشيعية لبناء العراق وتبلور كيانه ، فهم غرباء كل الغرابة عن طبيعة العقلية والنفسية العراقية المتسامية على الطائفية، والخالية من روح التعصب والأمراض النفسية التي تحرك نوازع وترهات أهل التفكير السلفي المتوحش المريض، إنهم قتلة وخبثاء يتمسحون بمسوح الدين والعقيدة ليبثوا سمومهم التي لن تجد صداها إلا في صدورهم المليئة بالحقد والسموم، وتهديدات (حارث الضاري) والتي إنهاها بعبارة (قد أعذر من أنذر)!! تصب في نفس الإطار فهو قد إتهم (الشيعة) صراحة في عمليات الإغتيال الجارية وحركة ( بدر) على وجه التحديد وكان يلمح لذلك الإتهام منذ فترة من خلال تصريحاته لقناة الجزيرة، فيما تغاضى وتغافل وغض البصر والذاكرة وسد منافذ الضمير عن عمليات الإغتيال البشعة والتدميرية الشاملة التي تعرضت لها القيادات الشيعية العراقية بدءا من الراحل السيد محمد باقر الحكيم (رمز الإعتدال والسماحة الإسلامية) والسيد عبد الزهرة عثمان (أبو ياسين) الرئيس السابق لمجلس الحكم! وليس إنتهاءا بآلاف الشيعة البسطاء من النساء والأطفال الذين يقتلون يوميا بتفخيخات بهائم السلفية المتوحشة، لتشكل دمائهم الطاهرة مجرى نهر الحرية العراقية المقدسة التي تشكلت ووضعت أسسها رغم كل الصعاب والتحديات، أنا (سني) عراقي عربي، وكان لي شرف العمل مع قوى المعارضة العراقية منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي وبحكم الواقع عملت مع أطراف شيعية عديدة سواءا في الساحتين السورية أم الإيرانية أم في أوربا فلم ألمس أي حساسية طائفية من إخوتنا الشيعة تجاه السنة، بل على العكس تماما وجدت كل معاني الترحيب والمشاركة والإخوة الإنسانية والوطنية الموحدة، لقد كنا جميعا سنة وشيعة نعمل لفضح الفئة البعثية الباغية وقدم الشيعة مئات الآلاف من الشهداء كقرابين للحرية في الوقت الذي لم نكن نسمع فيه بأسماء مثل (حارث الضاري) أو ( عبد السلام الكبيسي) أو (عدنان الدليمي) أو (فهران حواس الصديد)! أو غيرهم من فرسان التوحش الطائفي والعنصري السائد هذه الأيام! فأين كانوا وقتذاك؟ ألم يكونوا في خدمة النظام البائد ومؤسساته القمعية! وهل عرف عن أحدهم موقف إدانة لجرائم النظام البائد اليومية ضد العراقيين جميعا؟ وماهذه المزايدة والمصادرة لآراء أهل السنة والجماعة التي باتت تهيمن عليها للأسف قطعان النظام البائد وبقاياه؟

لقد كان السيد الراحل محمد باقر الحكيم علما إسلاميا ووطنيا بارزا شمخ فوق مستوى الصراعات الطائفية وكم تمنيت لو أنه يعيش بيننا في هذا الزمن العراقي العصيب، ولكنها تصاريف الأقدار أن يختفي الأفذاذ وان تطفو النفايات الطائفية من أمثال (الزرقاوي) وصبيانه ومن سار على طريقه وإستن بسنته الخبيثة المريضة، سيسلم العراق من شرور الحرب الأهلية والطائفية والتي لامكان لها في الضمير الجمعي للعراقيين، وسيصرع الإرهاب ويضمحل أهله، وستنتصر قوى الحرية والسلام، فلامستقبل للبضاعة الطائفية النتنة في العراق، وسيندحر الشر ورموزه من بعثية وسلفية كما إندحر شياطين البعث البائد نحو مزبلة التاريخ. فاللعراق بسنته وشيعته رب يحميه ويحميهم، ولن يستطيع المهددون اليوم بتفجير العراق تنفيذ أحلامهم المريضة ، وكان الله في عون الأحرار.

[email protected]