"لاجئون لبنانيون في اسرائيل"، تقرير من مراسل ايلاف الزميل فادي عاكوم من بيروت .. اثار فضولي هذا التقرير، لاسيما كنت احد الذين عاشوا لباب تلك الاحداث، بكل تفاصيلها المقابلة، وبكل ما تداعته ازمنة الحيف المقارن التي عشناها انذاك، ولي في هذا الملف حصة مجنونة، قادها الياس والسخط والالم والجوع والفاقة والهوان والخوف،الى تبيان الوقائع، الى جهة تقود المقاومة ضد اسرائيل انذاك، وبطريقة شاطحة لا يفعلها الا طالبا للموت او مخمور بسعرة الالم، كما فعلتها ذات يوم .
دعوني اثقلكم بغيضي وقباحة صدق لا يثيره خجله التعري امام من يخجلون من مواجهة المرآة وهم يحملون كل هذه الوجوه القبيحة، وكعادتي السمجة اسرف في المقدمات كي اعرض المتلقي لحالة تعذيب مشوقة او عسيرة، لا ادري، حيث لا تنمو الجواهر الا في المحارات المجعدة القحف ولا تحمي الحجارة الثمينة الا ابتذال الحديد ومشهده الصلف والقاس، ولعل خوانتي وممفتحاتي تحتاج لعبوات ناسفة وليس مفاتيح ناعمة، كما اعتادت كل ابواب الخزائن وبيوت الجن وابواب علي بابا.
يا لزيف خطاب التحرير المتظلم، ويا لسفاهة المصفقين لاكاذيبه وادبوجاته – من ديباجة -، محافره - من حفر- المغشوشة في بئار وجدانية كلها اخفت يوسف النبي وادعت سقي العطاشى، يا لفظاعة وانفضاح الجهة المقابلة والمقاومة لاسرائيل، وقد تساكنت مع ارث يحمل الجريمة والحقارة العاطفية والغش الأخلاقي كاي براءة وسجايا، فطرت عليها سلوكها ومفهوماتها عن العالم، كمكان غير صالح الا للعنف والقتل والجريمة والفساد ونكث العهود والغدر، غير صالح الا لتحوير وتاويل الفضيلة بالرذل والفحش والقهر وتحوير الخلاص بشفرة خنجر ومذبح بشري لا تتزمنه اية نهاية للسلام والحب والحنو الفطري لكينونة الناس، فجعل العنف والقهر والقسوة مصدرا لقيمه ولمثله وتكليفه قيادة عالم الفضائل، ولعمري هذا الجزء من المكان والتجمع البشري، اختار ان يكون نفايا لمشروع تعاقد البشر، حيال عبور الحياة باقل الآلام والخسائر والمآسي والحروب، لانه ملزم بمنظومة قيم لا تستقيم الا بتوليد العقل البطولي المشبع بنظرية الماساة ومسرحة التظلّم، كمدخل يفترض الشرعية التعاقدية والجماعية، الايلة الى تحقيق فكرة البطل، والبحاجة الى دراما وصراع وحرب وقلاقل وضحايا وثكل وقتل، وبهذا تصبح الحرب اولوية لميكانيوم البطل، دون ان يكون السلام اولوية على حرب اضطرارية تقوم على نظام الاكراه الجبري.
التحقير الفاضل في نظام العاطفة:
البناءات الابعد مما يبدو على السطوح المحتواة من قبل الآلة الاعلامية اليومية، تلك المنطقة التوليدية لكل الالتباسات والسلوب الفولكلوري في عالمنا،تقوم على نظام العاطفة التحقيرية، وهي المسبب الاعمق والخطير الذي يفرض دائرة من الذبذبات الوقحة تسيطر على العلاقات زالبيئة الاجتماعية، تصيغ كل المواقف والاحداث والتصورات، حيث يتواتر هذا النظام العاطفي الوضيع والادنوي مع، تلقي حداثي اخر وهو التقنية الاعلامية، التي فرضت واقعية نظرية وعملية، مؤداها ان المعلن والمتظهور هو الضد الكامل مع الاصل والحقيقة والاسرار الخبيئة، اذ ثمة فصام حتمي بين الاعلام كقناع وبين الاصل كعالم مشوه ومشوش ينحو على خلاف الظاهر، بحيث يشكل مسرحة وتلقيم اصطناعي، ليس له علاقة بالانفعالات الانسانية الطازجة الا بحسابات التبرج والاستظهار المجرد، وقد شمل هذا ادق واعمق مناطق الحياد والسجايا الانسانية، الى حد جعل التامل والوحدنة الضميرية نوعا من الإهراج الظهوري، انتزع اخر معقل للاغتسال الوجداني والتطهير الروحي، فعهره ,واهرجه، وجعله في حقل المفاضلة السلعية، وبهذا يجري خنق الاثرة الانسانية في تجلي متأملها الفرادي الموحش، كجرعة مرة للاغتسال والعرفانية، واستطرادا، هذه القاعدة تؤثث لصناعة وعي زائف، لا يعرف للان ردم التعازل والفصام بين الاعلامي المتمظهر والاصل السري المغاير، مع ان القاعدة تقوم في جانب ما، على الصحة، ان هي كانت نائية عن الاعلان والتظهير، لكنها تحاول حماية وهم المتقن والكمالي والثابت والتمامي، عبر نموذج يمسرحه الخطاب والاعلام .
هذا بالضبط قاعدة اولية لتاريخ الزيف، وهو يحاول البصاق وسط امطار عزيرة ! . معتقدا ان تجزيء حدث ما يعفيه من وزر المقارنة الاخرى كما يعفيه من استقاقات جوهرية، لا تجعل اعماله صالحة طالما يعفي موقفه من الوفاء مع تلك الاستحقاقات، ما يجعل عمله مجرد حيلة اعلانية ودعائية تكرس مركزة جانب دون ملاحقه ومحيطاته وكلفته الاخلاقية الشاملة، فان تمنح عطشانا جرعة ماء، فانك تؤمن قاعدة اخلاقية جمعية تضمن حمايتك من عطش محتمل سوف تكون فيه سقايتك قانونا وليس اعطية مزاجية بعد ان حولتها في لحظة العطاء مؤرخا لمستقبل الاخذ، وهنا تفرض شروط النظام الاخلاقي التمنن والاعطية فالمكرمة، هذا ما يبين النزعات المؤسطرة لفكرة الكرم بنموذجه الحاتمي كما هي رمزية العدالة في رموز بخيلة فيما اسطرت القوة والعنف والحرب تبيدو مفرطة ومكثرة خلال اعداد لا تحص من الابطال والصناديد والفرسان، الامر الذي نقل فكرة العنف الى استغراقية انتجت حصانته العشوائية على اعتبار ان اولوية البطل تسبق اولوية الحماية من شر بواسطته، وحين لا يوجد شر فانه وجب خلقه لاجل تظهير البطل، فيما كلفة صناعة الشر تتطلب جيشا من الضحايا والابرياء، وتاليا يصبح الواجب الاخلاقي نوعاا من الشفقة المهينة . من هنا لابد من فصل الفضيلة عن مكانة غائلة الدعاية، فالدعاية بالفضل ناموس اهل السوء واصحاب الباطل ... وان كلف كتم الكرم اتهامك بالبخل، لتكن بخيلا خير لك من فضح من تكرمت عليهم .
كل هذه المفكوكات اولية لجزيئيات الثقافة الاولى بمرنكزها الوجداني العميق، الذي يختزن تاريخا طويلا للاسكتساب الوراثي، انجز علاقات التحقير في النظام العاطفي الفطري، شمل / علاقات الحب والمراة / وشمل علاقات الولاء والمحازبة والمواطنة حيث الدجونية الذاتية تكون علاقات المسؤول بالرعية، في وقت يفرض الاعتراض والمشاكسة والمخاصمة كساءا من الاحترام والاحتراز المهذب في العلاقات، وهذا يجد صورته من اصغر العلاقات لاكبرها، في نقاط الحدود حين يعامل الاجنبي باحترام والمواطن بحقارة وان حمل نفس الجنسيية الاجنبية / في فراش الزوجة / بين المواطن والموظف / الاستعلاء الاجوف للزعيم والقائد على مواليه / صورة الله كقوة محقرة لخليقتها، متجبرة تمارس علاقات الغلظة والقسوة .. كل هذا يمحور خلاصات انتهيت لها حيال مسالة جيش لبنان الجنوبي وجماعة لحد، مقابل علاقات التحقير التي تعرض لها القسم المقابل والمضاد لهذه الجماعة، ومن قبل حاملي لواء المقاومة والصراع مع اسرائيل، هذا ما حدا بي الكتابة الى حزب الله، عن طريق رسالة طويلة اشرح بها جوهر وتفاصيل تدل على ثنائية التحقير والتبجيل المعكوسة.
في ازمنة المفاوضات حول جيش لحد وتصاعد اعمال حزب الله ضده بكل ثقله المخابراتي الايراني، وفي جل هيلمان ذلك الحزب وخيلائه الثورية المقاومة، وتصدره رمزية الباقي من مثال الفدائي والبطل التضحوي، كنت اتضور ذلا وعذابا وخوفا وحصارا وماساة معيشية وعائلية، حيث كانت ثقوب حذاء [راحيل] ابنتي تعادل عندي اكبر عمائم المقاومة والجهاد، ومن بين جيش من اليائسين والخائبين والمهملين، ضحايا غدر الخطاب القومي والجهادي والثوري، في مخيم (عين الحلوة)، ممن اسقطوا وللابد خطاب النضال والتحرير والثورة، حيث اهملوا شر اهمال، وعوملوا باقذر ما لنكران الجميل من نكران، الى حد محيت في انفسهم فطرة الكرامة وقد تحولوا وعوائلهم الى حيونات تبحث في القمامة عن كسرة بقاء ذليل .. ضباط كبار وقادة ابطال، اشاوس وصناديد صدقوا المذياع والادبيات التعبوية والنصوص المقدسة بايمانها والحادها، عاشوا رزية النسيان والفاقة والبؤس والجوع، وقد حجزوا كشعب كوتا كنتا داخل اقفاص المخيم، وخصوصا العرب منهم الذين لم يفارقهم نظراتهم الحسد والاسف عما اقترفوه من جريمة الولاء للامة والقضية والدين ولم يعملوا كخونة وعملاء، وهم يشاهدون كيبف تجري حماية كرمة العملاء وتداس كراماتهم ( اخبرني شاب ثوري جامح قام بعملية فدائية كبيرة ودفع اغلى ايام عمره في سجن اجنبي، بان سيفقد زوجته بسبب فقره وعدم ايجاد قوت يومه، حينها اتصل باحدهم ليعمل له واسطة كي يصبح عميلا ولكن طلبه رفض، فصرخ يا ويلتاه حتى خيانتنا لم تجد قبولا عندهم ؟ )، ممن ستكافئهم حكوماتهم القومية والمصمودية بالاعدام واقله السجن المدمر والمهين، وهذا ما دعى نفر من العرب من بينهم مجموعة عراقيين للالتحاق بجيش لحد المدعوم من اسرائيل تفاديا للضياع والاعدام المبرم ان هم عادوا لاوطانهم نتيجة التحاقهم بالعمل الفدائي، فيما حسب خطاب عفلق وصدام وقيادات الخطاب القومي يفترض ان يكون هؤلاء ابطالا ورموز دلالية هي الشهادة العملية على ذلك الخطاب، ولكن جزاءهم سيكون الاعدام، ما يجعل حتى خطابهم الذي يخدم استمرارهم هو كذبة وانهم مجموعة تشكل نقائض للمعلن والمتظاهر، وتلك قرينة ما اسلفناه من خداع ومنظومة انفكاك وجداني.
في لحظات تفقد مقودها بعد اشتداد الالم سعرات لا ترحم، حيث ترى اطفالك، ملائكتك الذين رسمت عيونهم لك مفتتح الجنة على الارض بعد، رحلة شاقة تبحث فيها عن خلاص بين الكتب والتجارب، وحين لم تجد هذا الخلاص، تصنع اطفالا تحبهم كي تحيط فشلك في البحث بنوع من الرضا الذي ورط من تحب في تقبل واقعة الفشل هذه في وجود جعل انجاب الاطفال كمن يحكم احبته بالاعدام سلفا، ومع ذلك تجد هؤلاء الذين قدموا لك ثمن الجنة البديلة، يلفهم الخوف والبؤس وعدم الرضا، حيث يمر العيد كدرا، وتمر الايام ممزقة الزمن، ضحكاتهم يعجنها الحزن والمرارة حيث لا فرق في حركة عضلات الوجه بين البكاء والضحك، أي تتوحد في محياهم اضداد المسؤة والكدر.. مرارة مهولة تتملكك وتفقد بها أي قياس ومقارنة بين الخطر والامن، انها لحظة قيء السم المستتر، وهي لحظة العودة للضمير بقوة عرفان لابد ان يقع بتلك المسماة شطحة، ومن دون ان يشطح المعذبون فثمة خلل في عقل الطبيعة، لانها تنفس كائناتها عبر تهوية دائمة، حين تنفتح في جماجمهم ثقوبا للشطحات، وجل الشاطحين خلقوا توازن ورفاه هذا العالم في لحظة عذاب خلاقة .
كتبت رسالة لحزب الله، من خلال احد جواسيسه الذي يقوم بحملة تبشير للتشيع داخل المخيم، وفي اوساط الفلسطينيين " السنة "،سواء من قلب مذهبهم او استمالتهم مع الخطاب الايراني من خلال تنظيم او هيئة دينية او صفة اعتادت المخابرات الايرانية اتقان تخريجها البريء كما اعتادت الايقاع بالمغفلين والطيبين، خصوصا في لحظة زمنية مشبعة باليأس والخيبة في الوسط الفلسطيني , كنت ذكرت في الرسالة ان اسرائيل تمتلك من الشرف السياسي مع عملائها الغرباء ما لم يمتلكه العرب والمسلمون مع اخوانهم في القومية وفي الدين، وكانت هناك شروحات طويلة، حول الهزيمة الاخلاقية التي مني بها المشروع المقابل لاسرائيل، موثقا ذلك بدلائل وتفاصيل طويلة، يؤيدني بها تقرير ايلاف عن جماعات لحد وجيش لبنان الجنوبي،ما يوثق ذلك الشرف السياسي، ويمنح العميل قدرا من الحصانة والكرامة وان كان في اعتى السجون العربية، لان وراءه دولة تحترم عهودها ومواثيقها، تستمد قوتها من منظومتها الاخلاقية والمعرفية لا اكثر، وهذا يبينه تعامل ادارة سجن [ رومية ] مع سجناء لحد في وقت سيكون من الصعب جدا الحصول على كرامة كلب ان كنت سجينا في دولة عربية بتهمة فدائي او بتهمة الانتماء للثورة الفلسطينية، خصوصا من الدول التي ترفع شعار فلسطين درعا لنظام قمعها الداخلي، وحصانة لطيش اجهزتها الباطشة . واذ نحمل زخما وثائقيا من هذه الدلالات الكبيرة، ليس اقله اعدام فدائيين اختاروا العودة لوطنهم العراق، ناهيك عن الاعتقال المقنع لجموع العائدين الى سوريا بعد حصار بيروت في العام 1982، ثم مطاردة البعض منهم وسجن أي سوري انتمى للثورة الفلسطينية، فاطلاق النار بلا اوامر على كل من تسلل من اراضي الجولان ومنذ هدنة 1967، هذا الموضوع الذي سيطول تقريره، يستحق توثيقا وقحا في موضع اخر.
في هذا السياق، ولاجل المقارنة، فان جموع العراقيين ممن التحق بالثورة الايرانية ضد بلاده العراق، راميا فكرة الامل والخلاص العقائدي على دولة الله في الارض، فانه عومل بفحش وقسوة لا مثيل لها، حيث عاش هذا النفر نوعا من الاهمال المقزز والقمع العنصري، حتى تحول الانسان العراقي في ايران ككائن منبوذ دخيل اشبه بيهةودي وسط مجتمع نازي، وهذا ما لمسناه في بعلبك معقل حزب الله، حيبث عاملونا بعداء عنصري وخطف وعذب البعض منا لا لشيء الا لانه عراقي، رغم انهم يعرفون اننا ضحايا نظام صدام قبل ان يخلق بعضهم او يمارس السياسة، الى حد اعتبروا ان معاداة صدام يهدف الىة تملقهم وليس هو موقف داخلي طبيعي، وهذا يجعل تجريدنا من حق خصومة حاكم ظالم اكثر ظلما من ظلمه بحيث اعتقدوا ان عداءنا لصدام هو تملق لهم، وقد عشنا اكبر ليلي الخوف والرعب من تهور وكلاء الله ناهيك عن الخوف من مخابرات سوريا، كان الله في عون العراقيين اللاجئين في ايران ازاء عنصرية همجية .. ما هذا القرف؟ . ومع ان الوضع مختلف عما هو عليه في لبنان، فان جريمة العراقي في ايران هي حبه لهذه الايران الالهية، وجريمة العميل المدلل هو كراهيته لوطنه، بحيث تنقلب الصورة ويصبح المكره مكرمة والمحب مذمة وتحقير! أي معادلة ظالمة هذه؟ اعود هنا لخلل فاحش في النظام العاطفي وطرائق الوقوف منه، لانه قائم على منهجية التحقير، وهذا ينسحب وسط التلابيب الاولى للذات، وثقافتها المشوهة اصلا في عالم العاطفة والحب والعلاقات، وهنا مكان اللقطة . هكذا تبدو المقارنة بين لاجئي ايران ولبنان وبين لاجئي اسرائيل غير منصفة ان نحن ساوينا بين المعاملتين، فاسرائيل لم تمارس أي تناقض مع عهودها، ولعلها استقبلت المتعاونين معها طبقا لمعايير اخلاقية،تضمن لهم حدا ما من العيش الكريم، فيما احداث اللاجئين او المنضوين مع الثورة الفلسطينية كانت مفزعة لجهة الصورة القبيحة التي تنقلها وتوثقها، لا اقلها استكبار العمائم وتحويلهم بعض المخيمات العراقية اشبه بماخور شرعي، فيما لم تسجل حالة مشابهة في اسرائيل ولا حالة جوع او ضياع واحدة، بين المتعاملين معهم، وتفاصيل المقارنة طويلة .
كانت رسالتي موجهة للشيخ قاووق الذي يقود المقاومة في الجنوب اللبناني، ابين فيها مدى احترام اسرائيل لتعهداتها، وتعقيد المفاوضات، حتى اللحظة لاجل التصرف بمصداقية مع شرفها السياسي ازاء مجموعات تعاونت معها، فيما انتم وغيركم في المشروع المقابل، تعاملتم باحتقار واساءة لخيارات عشتم كل الدهر على ادبياتها وخطابها، ترى هل نخلق قواميس تدل معنى كلماتها نقيض معناها ؟
النقطة التي تكشف مكان المحساس والحراك البنائي المؤسس للمواقف المقارنة التي لا تكشف
المقارنة بين اسرائيل وقادة التحرير وحسب، فهذا بحكم المنتهي والواضح من حيث ارجحية اسرائيل بهذا الجاانب، الا ان المقارنة بين المشروع الذي يحمله الجهاديون وبين اعمالهم ومواقفهم العملية، فهم اعداء خياراتهم، الامر الذي يدعم حجتنا الى اننا عالم بلا افكار ولا مبادئ ولا مشاريع ولا قيم، بل مجرد مجموعة استعراضية هدفها التظاهر الممسرح وسط عالم تنكري مقنّع بلغة اختارت الاستدلال على معناها في النقائض .
في نفس السياق، تتمحور الدلالة الاخلاقية في اماكن عدة، ومنها ان بعض العراقيين الذين جاؤوا لبنان لمناصرة اخوانهم المسيحيين، عوملوا بكرم وكرامة كبيرتين، انتهت الى منحهم اوراق قانونية ثم الجنسية اللبنانية، وهم بالطبع كانوا مع المشروع الاسرائيلي، وفي االمقابل عاش حفنة من العراقيين كالجرذان الخائفة في جحور مخيم عين الحلوة والشتيت العربي واللبناني، يزوّرون اوراقهم، ويتنقلون من مكان لاخر الى حد وصل استضعافهم درجة لا تطاق، كانوا يخافون حتى من سجايا اطفالهم، يحالون تلقينهم الاسماء والاوطان المزورة التي تثبتها اوراقهم المزيفة، يخافون وشاية حتى نساءهم في حال نشوب مشكلة كما حدث لبعضهم، وقد كتب احد العراقيين رسالة الى تنظيم يساري ثوري، ما يزال زعيمه منظرا للوعد القادم على الفضائيات، حيث خدم هذا العراقي قرابة الخمسة عشر عاما في الجسم الطبي، بالقول: " لو اني عملت مع عاهرات لانصفوا نهاية خدمتي، ولكن يبدو ان اخلاق العاهر ارفع من اخلاق الثورة " ( كتبت هذه الرسالة امامي )، عملية الضغط والاكراه وصلت الى حد تهديد بعض العناصر العربية التي تعيش وسط المخيم، وتهديد من ياويهم، من قبل قيادات الثورة، كما اغتيل قسما منهم، كمحاولة للتخلص من اعباء العهد والضمير، وقد هرب نفر من الاكراد والعرب باتجاه اسرائيل ليجدوا احتراما وكرما، انتهى بمنحهم اللجوء داخل اسرائيل او اللجوء خارجها، كما حصل مع بعض سجناء سجن [انصار] القديم،الذين فضلوا اللجوء للغرب على العودة للبلدان العربية التي خبروا كيف ستعاملهم، وهي التي تغطي عورتها بفلسطين ومقولات الصراع مع اسرائيل، لقد تاكدوا تماما ان هذا الخطاب يضمر لهم اسوء النتائج والعقوبات، فهو كاذب مزيف مؤسس على ارث يقوم على تنافر السر والاستظهار .
ان مقارنة منصفة بين لاجئي اسرائيل ولاجئي العرب او لاجئي ايران، ممن خدم الخطاب القومي العربي والاسلامي العجمي تبين الفروقات الهائلة، وفي صلبها احتقار الذات وعدم تقبلها بما هي تتجاسد باشخاص متضامنين معها، كان جل امانيهم ان تعفيهم هذه الحكومات القومية التي خدموا خطابها، من الاعدام والتعذيب والمطاردة، في وقت تستقبل اسرائيل عملائها من غير اليهود كابطال مكرمين . اعدامات كثيرة حدثت لعراقيين بسبب تهمة العمل بالثورة الفلسطينية..امر محير، السوريون فعلوا الشيء نفسه، حيث سجونهم واعمالهم في لبنان تدل على نظام التحقير اياه، لاسيما جرف مخيمات وزج الالاف في السجون، ناهيك عن الاذلال المنهجي للاجئين الفلسطينيين وسط مخيمات الشتات، ما يدل على انقلاب المعادلة وهي تترجم نفسها كالاتي: كن خائنا وعميلا ستحقق كرامتك وكن ثوريا مقاوما ستحصد اذلالك وتحقيرك ! وهكذا حدث .
في هذه المناسبة اتذكر تلك اللحظة التراجيدية النمهولة لاعدام العميل الاسرائيلي ( احمد الحلاق) من قبل السلطات اللبنانية، حيث نشرت الصحافة اللبنانية اقواله ( واحمد صديق لي سابقا قبل التحاقه بجيش العملاء وهو يحمل رتبة عالية في الثورة الفلسطينية، تمرد على سوريا بسبب حرب المخيمات متضامنا مع الشعب الفلسطيني رغم لبنانيته ورتبته العسكرية في سوريا – تنظيم الصاعقة- كما اعرف ابناءه وزوجته الاولى) .
كان احمد الحلاق من انبل واشرف رجال المقاومة والثورة الا انه اكتشف خيبة اعماله وانتمائه، ككل الصدمات التي تلقاها الحالمون بطلائعهم العقائدية، في روسيا وايران وفي الثورة الفلسطينية ..في كل اماكن الحلم الايديولوجي .
وفي لحظة صادمة، بعد تعرضه لعدد من محاولات الاغتيال، قسم منها كان من قبل قائد اغرته زوجة احمد المعروف بشجاعته وجسارته، واخرى لاسباب سياسية وامنية، يعرف الحلاق تفاصيلها الدموية . في يوم اعدامه طلبوا منه السجانون وصية لابنائه، فقال : اوصيهم عدم الثقة بالعرب، وعليهم الثقة باسرائيل والتضامن معها.. وحين اخبره السجانون بان كلامه ليس لائقا، رد عليهم زاجرا وهل بين العرب شريفا واحدا؟ ... هذه مقتطفات من اقواله بشكل تقريبي . اذن هنيئا للعملاء والخونة على ما لاقوه من معاملة كريمة سواء في سجون العرب او لدى الدولة التي تعاملوا معها اسرائيل، لاننا ذقنا الهوان والعذاب والاذلال بين دول كنا ابطال خطابها، وقد انتهينا الى جرذان خائفة تبحث عن قمامة امن وسلام من مخابرات تلك الدول القومية، وكان جل اهدافنا ان يتركونا بسلام / يمنحونا حق الصمت والموت بهدوء، لقد وقعنا بنظام التحقير ووقع العملاء بنظام التفضيل، تلك هي الانقلابات الاخلاقية عند العرب والعجم المسلمين، هذا ما تضمنته رسالتي لحزب الله ( احتفظ بمسودة عنها )، ولعلي تعرضت ذات مرة لمضايقة بصرية حين كنت والصديق الشاعر صادق الصائغ، بالاضافة الى تظاهرة ثقافية كبيرة في بيروت، من بينها برهان غليون وسمير امين واخرين، وكانت زيارة لم نبلغ عنها مسبقا، وقيل لاسباب امنية ! (الامن كل مرة )، تتعلق بظروف ذلك الشخص، فكانت المفاجاة اننا في حضرة حسن نصر الله امين عام حزب الله، عند التفتيش تعرضت لمضايقة كبيرة الى درجة ارادوا اهانتي وربما خيل لهم ان انزع ملابسي،الا انني مازحتهم بان جسمي مليء بالشضايا وربما هذه تسبب ذبذبات تعطي اشارة للحاجز الاليكتروني. وحين جلست مع الصائغ قبالة نصر الله كاد مرافقوه يبتلعوني بنظراتهم الاستفزازية، الا ان السيد نصر الله استدرك الامر ونبس بكلمة لهم : دعوا اعصابنا هادئة. اجل انها الحقيقة تعودت دخول منازل الكذابين من شبابيكها لان الابواب معدة للمنافقين وشهود الزور. .. هكذا بعد ارث من الصراع ضد الامبريالية والصهويونية لم يكرمنا ويؤمن لنا عيشا محترما غير المنضوين تحت معسكرها، وهذا ما شرحته برسالة لرياض الريس نشرت في مجلة النقاد ...
ختاما امل من كل الذين كانوا وجه المرايا ووثيقة هذه الانقلابات الاخلاقية ممن عاشوا حالة تضامن في اماكن الشتات النضالي والجهادي، ان يقدموا شهاداتهم، لانهم اكثر الشهود امانة امام الطعون الاخرى، ولانهم ايضا قادمون من قلب الاحداث، كما اتمنى على كل اللاجئين في اسرائيل ان يقدموا شهاداتهم امام شهادات من عاش في بلدان الطوق، بل نتمنى ان يقدم سجناء سوريا او ايران وسجناء اسرائيل مقتطفات عن المعاملات بين السجنين.
















التعليقات