النزاع المسلح الذي إندلع بين حركتي حماس و فتح في الشهور الماضية، وراح ضحيته العشرات من الجرحى الفلسطينيين من المدنيين وعناصر الشرطة الفلسطينية وإحراق السيارات والمباني الأمنية العائدة لأجهزة السلطة الفلسطينية، ليس مفاجأة لمن يراقب الأوضاع الداخلية في مناطق السلطة الفلسطينية، خاصة في الأعوام الأربعة الماضية التي شهدت صعود حركة حماس ونجاحها في الإنتخابات البلدية الأخيرة بشكل واضح أدى لسيطرتها على المجالس المحلية لبعض البلدات والقرى، وهذا من حقها طالما جاء عبر صناديق الإقتراع أي بإرادة شعبية، إلا أن هذا النجاح المحدود فتح شهية مسؤولي حماس للسلطة، فتضخمت لدى قيادة حماس وكوادرها عقدة شعبية حماس وبالتالي حقها في منازعة السلطة الفلسطينية وأجهزتها على من يحكم قطاع غزة الذي تستعد قوات الإحتلال للإنسحاب منه، وذلك واضح في تحرشات حماس بأجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية، متناسية بشكل متعمد أن هذه السلطة رغم كافة الإنتقادات الموجهة إليها، فهي السلطة الشرعية التي وصلت عبر صناديق الإقتراع بما فيها إنتخاب رئيسها محمود عباس في إنتخابات قاطعتها حركة حماس، وهنا لبّ المشكلة فلو كانت حركة حماس واثقة من شعبيتها فلماذا لم تنافس على إنتخابات الرئاسة الفلسطينية، أما أن تقاطع هذه الإنتخابات ثم تتحدث عن هيمنة حركة فتح وتفردها بالقرار فهو إزدواجية تذكّر بمشاركة الفصائل الفلسطينية قبل عام 1993 في إجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني، وعندما لا تستطيع فرض ما تريد، تملأ الأجواء صراخا عن هيمنة فتح على المجلس الوطني، في حين أن المنطق يقتضي أن تسجل مسبقا تحفظها ضد هذه الهيمنة، ولا تشارك في إجتماعات مجلس مسيطر عليه من تنظيم واحد.
تدرك حماس أن هذا النزاع على السلطة لا يستفيد منه إلا شارون وحكومته اليمينية، فهو يعطيهم الأدلة على أن السلطة الفلسطينية عاجزة عن فرض الأمن في مناطقها، كما أن إتفاقات السلطة مع الفصائل على التهدئة وعدم إطلاق الرصاص، يتم خرقه من حماس والفصائل الفلسطينية ومن إسرائيل أيضا، وبالنسبة لشارون فهو خرق طبيعي ينمّ عن طبيعته العدوانية التي لا تحتاج إلى دليل، أما بالنسبة للفصائل الفلسطينية وإن كان مشروعا كرد على خروقات إسرائيل، إلا أن بعض الردود كعملية ناتانيا الأخيرة، تجيء في توقيت خاطىء لا يستفيد منه إلأ اليمين الإسرائيلي، كما أن مجمل التحركات يدلل على غياب الرؤية السياسية الواضحة خاصة عند حماس، فلا احد يعرف ماهي الأجندة السياسية لحماس، بما فيهم قيادة الحركة نفسها..فالشيخ أحمد ياسين قبل إستشهاده طرح مرات عديدة الهدنة على دولة إسرائيل، فهل هذه الهدنة تعني إعترافا بدولة إسرايل؟؟. ومحمود الزهار لا يثبت على رؤية سياسية واحدة، فهو يوم مع تحرير كامل فلسطين التاريخية، واليوم التالي مع دولة فلسطينية دون أن يحدد حدودها، وقبل أيام قليلة وفي نقاش عبر إذاعة قطر في برنامج (قضايا ساخنة )، شاركت فيه مع مشير المصري أحد كوادر حماس قال حرفيا : ( إن حماس مع تحرير فلسطين التاريخية كاملة إلا أنها ليست ضد الحلول المرحلية )، فهل هذا الخطاب السياسي يمرّ على حكام إسرائيل، فهل هم أغبياء كي يعطوننا كامل فلسطين ولكن على مراحل؟؟. كما أن هذا الخطاب غير المنطقي و غير الواضح يعني الصدام العلني مع السلطة الفلسطينية التي وقعت إتفاقيات أوسلوالتي نصّت على الإعتراف بدولة إسرائيل ضمن حدود عام 1967، كما أنّ هذا الموقف ينسجم مع إعلان دولة فلسطين على حدود عام 1967 الذي صدر عن المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، وهذا لا يعني مطلقا الترويج للإستسلام، فأنا هنا أعرض المواقف الفلسطينية، ولست صاحب قرار أو سلطة كي أنفذّ ما أريد، وقد قصدت من ذلك التوضيح أن الصدام في السياسات والبرامج من المؤكد سينتج عنه هذا الصدام الذي يشهده قطاع غزة بالأسلحة والصواريخ بين حركة حماس و أجهزة السلطة الفلسطينية، إلى حد إطلاق حماس قذائف آر بي جي على مقرات أمنية للسلطة، وإطلاق صواريخ نتج عنها قبل أيام قليلة مقتل طفل فلسطيني و جرح شقيقه وتدمير منزل أسرتهما...فما الفرق بين مقتل هذا الطفل بصواريخ حماس ومقتل الأطفال الفلسطينيين برصاص جيش الإحتلال؟؟.
أشاعت حركة حماس وفصائل أخرى بما فيها كتائب الأقصى التابعة لحركة فتح قدسية مطلقة للسلاح في الشارع الفلسطيني، مع أن السلاح ليس مقدسا ولا شريفا دائما، فالسلاح الذي يطلق على جيش الإحتلال شريف و مقدس، ولكن :
- سلاح كوادر حماس الذي قتل الشابة يسرى العزامي المحجبة وهي في سيارة خطيبها، سلاح غير مقدس !!!. وكذلك بيان حركة حماس الذي صدر عقب هذه الجريمة بيان غير مقدس ومن حقنا إستنكاره، لإنه إرهاب حقيقي للمجتمع الفلسطيني، فذلك البيان قال ما معناه ( إن خطأ كوادر حماس في مقتل يسرى العزامي يذكّر بالخطأ الذي إرتكبه خالد بن الوليد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فما كان من الرسول إلا أن قال : اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد ) !!. إن مصدري هذا البيان يضعون أنفسهم في مستوى الرسول ( ص )، ويضعون القتلة في مستوى خالد بن الوليد !!!.
- سلاح حماس الذي يوجه لعناصر الشرطة والمقرات الأمنية الفلسطينية غير مقدس ولا يشرف الشعب الفلسطيني
- سلاح الزبيدي أحد مسؤولي كتائب الأفصى في جنين الذي أطلق منه الرصاص قبل شهور قليلة على سيارة وزير الداخلية الفلسطيني غير مقدس، ولا يمت للشرف بصلة.
- سلاح الشباب الملثمين من كافة الفصائل الذين يقتحمون المكاتب والمؤسسات ولو لساعات قليلة، ويخطفون مواطنين ومسؤولي أمن و يبثون الرعب والخوف سلاح غير مقدس وليس شريفا.
- سلاح الشباب الذين ألغوا حفلة فنية في جامعة النجاح ومنعوا الناس من الدخول وهاجموا بسلاحهم الصحفيين الذين صوّروا الحفلة، سلاح غير مقدس وليس شريفا، لأنه ما عاد أحد يعرف من المسؤول عن أخلاق المجتمع كي يلغي أيضا مهرجانا فنيا في بلدة قلقيلية، تحث ذريعة ضرورة الحشمة والأدب.

بوادر صعود طالبان جديدة

إن فوضى السلاح هذه لا يمكن إعتبارها أعمالا فردية، لأنها تنم عن توجهات واضحة ليس لها علاقة بطرد الإحتلال، ولكن بفرض الهيمنة على قطاع غزة، أي من يحكم القطاع بعد الإنسحاب الإسرائيلي، وهذا ما عبر عنه جميل المجدلاوي أحد قيادات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عندما صرّح لإحدى الفضائيات العربية قبل أيام قليلة ( رافضا تفرد السلطة الفلسطينية بالقرار الفلسطيني، ومحاولات حماس فرض هيمنتها على الحياة الفلسطينية ).
وهذه الهيمنة التي يرفضها جميل المجدلاوي، هيمنة لا تبشر إلا بصعود فكر وممارسات ظلامية، فمن يقوم بهذه الممارسات الآن وهو في صفوف المعارضة، ماذا سيفعل إن وصل للسلطة؟؟. إن هذه الوصاية من حماس على أخلاق المجتمع ومواصفات حياته اليومية، تذكّر بما فعلته طالبان في أفغانستان، حيث نشرت فكرا ظلاميا أعاد حياة الشعب الأفغاني إلى ماقبل القرون الوسطى بقرون عديدة، ورأينا عند سقوط حكومة الملالي وفرارهم من المواجهة، كيف خرج الشعب الأفغاني بالملايين مستعيدا حياته الطبيعية في كافة الميادين...إن تضحيات حركة حماس وقوافل الشهداء في مواجهة الإحتلال، لا يعطيها الحق في هذه التجاوزات التي لايمكن وصفها إلا بانها محاولة إنقلابية على السلطة الفلسطينية، كما وصفها محمد دحلان وزير الشؤون المدنية الفلسطيني.
من المهم الإعتراف بوحدانية السلطة في تمثيل الشعب الفلسطيني وحماية أمنه في كافة الميادين، طالما هي السلطة الشرعية، وطالما قبل الشعب الفلسطيني بالإحتكام لصندوق الإنتخابات، وهذا المنطق يفرض على حماس وكافة الفصائل الدعم الكامل للسلطة الفلسطينية، لإتمام الإنسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ثم إقرار سريع لقانون الإنتخابات التي تم تأجيلها، وبالتالي القبول بما تفرزه صناديق الإقتراع، حتى لو كان ذلك الفوز الكامل لحماس، لأنه من غير المنطقي ولا الوطني أن يظلّ المجتمع الفلسطيني تحت شريعة غياب الديمقراطية الحقيقية، وهذا يتطلب الإستعداد الفتحاوي للقبول بإرادة الشعب الفلسطيني مهما كانت..لذلك فالمسؤولية مشتركة بين حماس و فتح...حماس عليها الإنضباط والإنصياع لمنطق السلطة الواحدة في كافة الميادين خاصة الأمنية وحمل السلاح، وعلى فتح ذات الأكثرية في المجلس التشريعي الإسراع في إقرار قانون الإنتخابات ثم الإمتثال لما تفرزه صناديق الإنتخابات، لأن إستمرار هيمنة فتح بهذه الطرق الإلتفافية غير مقبول، إذ أن تأجيل الإنتخابات والمماطلة أو المناورة في إقرار قانون الإنتخابات كان واضحا أن سببه تخوف فتح من إستمرار صعود حماس الإنتخابي...وفي الوقت ذاته فإن مجمل ممارسات الحكومة التي يتزعمها أحمد قريع، وهي حكومة فتحاوية في الغالب لا تحظى بمصداقية عالية، لأنها تغض الطرف عن الفلتان الأمني وتحاول معالجته بإسلوب الطبطبة أي إرضاء الجميع وأخذ موافقة الجميع وهذا مستحيل، كما أن إسلوبها في معالجة ملفات الفساد الرئيسية لا يكسبها إحترام الشارع الفلسطيني بما فيه الفتحاوي، فهي تحيل موظفين صغارا للتحقيق في قضايا فساد، وتقفل ملف فضيحة توريد الإسمنت للجدار العازل المتورط فيها الوزير جميل الطريفى وشركات أشقائه حسب بيانات إدانة سابقة للمجلس التشريعي ذاته، ثم يتم إقفال الملف نهائيا...وهناك قضايا فساد عديدة تطال العديد من وزراء حكومة أحمد قريع بما فيهم وزراء نغصّوا حياة الشعب الفلسطيني بالحديث عن النزاهة ومحاربة الفساد، وهم غارقون في مستنقعه بعشرات الملايين من السرقات والرشاوي والخوات والربح غير القانوني عن طريق إحالة عطاءات لشركات أولادهم دون طرحها في مناقصات علنية، كما أن الحرس الفتحاوي القديم مصرّ على البقاء في الواجهة بطرق الزعرنة حتي الموت، وهو حرس لا يعترف بالنقد فهم آلهة وأنبياء ومن يتجرأ على النقد فالويل له..فمن يتخيل أن فاروق القدومي الذي ورث رئاسة اللجنة المركزية لحركة فتح، يقوم بطرد الكاتب الفتحاوي المعروف عدلي صادق من عضوية الحركة لأنه إنتقد في مقالة صحفية الإجتماع الأخير للجنة المركزية...فماذا كان سيكون ردّ فاروق القدومي لو طالب صحفي فلسطيني بفتح ملف الميزانية المالية للدائرة السياسية لمنظمة التحرير التي يترأسها فاروق القدومي منذ ما قبل ولادة السيد المسيح. إن الوضع في الشارع الفلسطيني غير مقبول، فالمواطن واقع بين جحيم الإحتلال، ورصاص بعض المنظمات وفساد رموز بعضها، وهذا يرشح الوضع لإنفجارات من غير الممكن التنبؤ بإتجاهها ونتائجها.

[email protected]