في العام 1982 حين قامت قوات من حزب الله بخطف مسؤول أمريكي، وأخذته كرهينة وهددت بقتله، اتجه الرئيس الأمريكي رونالد ريغن آنذاك إلى الرئيس السوري حافظ الأسد الذي تدخل وهدد الخاطفين بأنه سيعتقل السيد محمد حسن فضل الله وسيعدمه إذا لم يتم إطلاق سراح الرهينة الأمريكي، وظل النظام السوري في عهد الرئيس حافظ الأسد هو الأقدر على التواصل والتعاون مع الغرب فيما يتعلق بلبنان

لكن حالة انتقال غير مرئية ولا مرصودة حدثت ربما دون أن يتم التنبه إليها فقد باشرت إيران لبنان بعد أن خرجت منه سوريا، ومباشرة لبنان وتسلمه لا يمكن أن تتم إلا عن طريق القوة الأكثر تأثيرا في الحياة اللبنانية متمثلة في حزب الله الذي تم إنشاؤه وتمويله وإعداده إيرانيا، ولكن فترة الحضور السوري في لبنان ربما مثلت نوعا من الإنابة القيادية والرعاية السورية للحزب، وهي رعاية برغم كل مساوئها إلا أنها أقل تكلفة من الرعاية الإيرانية التي يمثل تسلمها لحزب الله فتح خط آخر للتأثير في المنطقة والمواجهة مع أمريكا، فالدور الإيراني في العراق أوضح من أن يحتاج إلى دليل، وهو جزء من التأثيرات السلبية الكبرى التي تسعى الولايات المتحدة إلى حصارها في العراق، أما الخط الثاني والجديد فهو هذا الحضور المفاجئ في لبنان.

في لبنان لا يمكن أن يتم التأثير عن طريق التلازم مع أي حكومة، فكل الحكومات اللبنانية تعيش حالة من الضعف والهزال وعدم القدرة على مواجهة ما هو داخلي عوضا عن الظروف الخارجية والتاريخ المليء بالأحداث والحروب الذي عرفه لبنان.

وإذا كانت الجبهتان المشتعلتان في المنطقة الآن هي العراق ولبنان، فإن لاعبا مشتركا يحضر في كل ذلك وهو إيران التي اعتنقت فكرة التخلي العربي عن القضية الفلسطينية والمواجهة مع الولايات المتحدة لتصبح تبنيا فارسيا، وترى أن الدور العربي في هذه القضايا قد انتهى وأن الدور القادم الآن هو دور فارسي، والخطاب السياسي والشعبي الإيراني الآن يكتظ بكل هذه المعاني ويتعامل في يومياته السياسية والمنبرية والإعلامية مع كل هذه القضايا على أنه قضايا إيرانية بالدرجة الأولى والدور الإيراني فيها هو المحور، والتبني الحكومي والشعبي لها يعد خيارا أوليا لا رجعة فيه.

الحرب في لبنان تتم بكل وضوح من خلال تسليح وقوة وإمدادات إيرانية، والتبني السياسي للحرب ولمجابهة إسرائيل و (إزالتها ) من الخارطة هو أيضا إيراني، والدعم القوي الذي يحظى به حزب الله والذي يعد الحزب بالتأييد ويدفع له كما تقول تقديرات ما قيمته 100مليون دولار سنويا أيضا إيراني، والحديث اليومي عن القضية الفلسطينية لا يقارن في أي بلد عربي بما هو حادث ومتكرر في إيران.

لكن النقطة التي تحتاج إلى تنبه وتركيز شديد هي أن هذا الحركة الإيرانية يتم تلقيها واستقبالها في العالم العربي والإسلامي على أنه حركة إسلامية شيعية تلتقي مع نظيرتها السنية في الهدف الواحد والاتفاق على عدو واحد وخصم واحد، فيما يتضح بعد التدقيق في مرجعيات الخطاب الإيراني وفي مقومات خطابه السياسي أن إيران لا تنطلق من هوية إسلامية بقدر انطلاقها من قومية فارسية هذه القومية التي تمثل صلب الأداء الإيراني في المنطقة وتنطلق من أبعادها كقومية غابت كثيرا عن المشهد السياسي في المنطقة، ويشتد الحرص على تمثل هذه القومية في أداء المحافظين الإيرانيين والملالي الذين ترسخت سلطتهم بفوز أحمدي نجاد وهو خلاف ما كان يسعى إليه الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي الذي تمحورت تحركاته وكتابته ومواقفه السياسية حول الهوية الإسلامية وتعاضدها مع الهوية العربية، أما الخطاب السياسي المحافظ الذي يمثله ويتبناه الآن الرئيس نجاد فهو خطاب باحث عن استعادة دور أو إقامة سلطة وتأثير فردي تتحول معه القومية الفارسية إلى عنصر فاعل ومؤثر ومضطلع بتولي كافة الملفات وإدارة صراع القضايا مع الخصوم والأعداء.

لقد حمل الدستور العراقي بضغط وتدخل من إيران إشارة واضحة إلى العنصر الفارسي كجزء من تشكيلة المجتمع العراقي، وهو ما سيمثل فيما بعد حافزا قويا لاتصال التدخل الإيراني في العراق، وازداد حصار الأقليات الإيرانية غير الفارسية، وربما قيل ماذا عن التبني الإيراني لحزب الله، والحالة تشير بكل وضوح إلى أن حزب الله إنما يمثل ذراعا عربيا، أو قوة تمت عوربتها من قبل إيران لتموت الممثلية الفارسية في المنطقة، ولتسفر كل هذه الأحداث عن لاعب إيراني هو الأبرز في المنطقة.

الآن، وبما أن الدور الإيراني يكاد يكون ندا للدور الأمريكي مع اختلاف مناحي ووجهات التأثير خاصة إذا علمنا أن دورا إيرانيا واضحا كان خلف انطلاقة هذه الحرب، وتحولها إلى شكل من أشكال الرد على ما يحدث في فلسطين، وكنوع من التداخل مع التحرك العالمي ضد ملف إيران النووي، فإن ما يحتاج إلى المراجعة هو هذا الرواج الكبير للحضور الإيراني في الأدبيات والخطابات السياسية العربية، التي تتعامل مع حزب الله ومع أمينة العام متناسية المنبت الفارسي للحركة، والإدارة الإيرانية للأزمة، وهو ما يتجاوز ربما الطموح الشخصي للملالي في إيران ولنجاد، فالهتاف بحسن نصر الله وحمل صوره يعد هتافا ضمنيا بالدور الإيراني في المنطقة، وتأصيلا كبيرا للدور الإيراني في المنطقة ونصر الله (الحبيب ) الذي تطالبه الجماهير وكثير من التحليلات والخطابات الإعلامية بأن يضرب (تل أبيب ) إنما تصل إلى بعد ترجمتها إلى الفارسية لتثير نشوة الفرس المنتصرين.

لا مصر ولا سوريا ولا غيرها من الدول التي أنتجت أبرز أدبيات الحرب قادرة الآن على أن الدفاع عن فكرة أن الأرض لا زالت تتكلم عربي، وليكن لكنها عربية تتخطفها لكنة العجمة الفارسية.