مقدمة
ثمّة أسئلة مهمة ينبغي البحث عن اجابات حقيقية لها بسبب متغيرات سريعة لاحداث الشرق الاوسط وضمن تدخلات سافرة، فضلا عن تناقضات اقليمية وعربية صارخة. لقد دخل العالم في 11 سبتمبر 2001 مرحلة تاريخية عد المجتمع الدولي احداثها منتجا ارهابيا فظيعا بكل المقاييس، ثم تبلورت بانوراما للفوضى في الشرق الاوسط ساهمت الولايات المتحدة في صنعها من خلال احتلالها لافغانستان عام 2002 واحتلالها للعراق عام 2003، مهيجّة للعالم الاسلامي كله، وهي تخطط لتطويق ايران التي لا يفهم الى حد اليوم سر نفوذها الاقليمي الذي تنامى بشكل كبير على حساب العرب والافغان.. اما تركيا، فهي ساكتة تراقب الموقف ليس خوفا من احد، بل ان اجندتها السياسية تجعل استراتيجيتها تنتظر الى حين الانقضاض وتنفيذ مشروع مؤجل للمستقبل.. اسرائيل لم تزل تمتلك اقوى تحالف مع الولايات المتحدة والغرب، وقد ازدادت تحالفاتها واتفاقاتها مع دول كثيرة في العالم خلال السنوات العشر الاخيرة وخصوصا بعد زوال المنظومة الاشتراكية.. وهي دوما في حالة تأهب لأي صراع! اما العرب، فهم في حالة انقسام دائم، ولقد ازدادوا اليوم تشظيا وتشرذما وتهتكا.. ولقد كان هذا وذاك وهذي سببا في المزيد من التدخلات الدولية والاقليمية وفرض ليس اجندة معينة، بل استراتيجيات كاملة!
لماذا الانفجار في العام 2009؟
اتمنى ان تقرأ توقعاتي بروح رياضية، فربما كانت مخطئا وربما كنت على صواب، فهي محاولة اجتهاد بعد تأمل وتفكير طويل للصورة التي انتجها تاريخ القرن العشرين. لقد باتت منطقة الشرق الاوسط متورمة جدا نتيجة تفاقم كل مسلسلات الاحداث التاريخية التي اجد مسبباتها وعللها منبثقة منذ العام 1979، ولقد اقتربت قفلة ثلاثين سنة، اي نهاية مرحلة كاملة كان العراق هو محورها الاساسي منذ العام 1979 (السنة التي سقط فيها شاه ايران وولادة الجمهورية الاسلامية وتسلم صدام حسين الموقع الاول في العراق وغزو السوفييت لافغانستان وتوقيع السادات معاهدة كامب ديفيد.. وبداية ولادة العشرات بل المئات من القوى السياسية الدينية.. الخ) ان استراتيجيات كيسنجر قد استمرت لثلاثين سنة التي ستقفل في العام 2009 واتوقّع حدوث انفجار كبير في المنطقة كي تبدأ مرحلة جديدة، كما اعتقد ان سنة 2009 ستكون مثقلة باحداث جسام تخص منطقتنا بالذات.. وسيكون الدور الان مع ايران التي تمارس اليوم ادوارا اقليمية قوية جدا، وكانت ذكية في اختراقاتها وتحالفاتها ومشروعاتها الاعلامية. ومهما قيل من توجيه ضربة لها الان، فان ظروف الولايات المتحدة اليوم لا تسمح بذلك ابدا ذلك ان الامريكيين سيقبلون على انتخابات رئاسية ساخنة مع ما تبقّى من هذا العام، ويدرك القادة الايرانيون ذلك، فهم يتحدّونها باستعراضاتهم العسكرية وخطبهم وتصريحاتهم النارية.. ولكن أتوّقع بداية مرحلة جديدة مع العام 2009.
ستنقضي 30 سنة في العام 2009 بعد ان كان العراق محورها الاساسي، اذ كان شرطي الخليج قد تبدّل منذ عام 1979، او في الحقيقة قد استبدل! واشتعلت الحرب العراقية الايرانية في العام 1980 بذرائع معروفة، واستمرت لثمان سنوات عجاف فيما اسميت بحرب الخليج الاولى، وبعد اقل من سنتين غزا العراق الكويت واحتلها على مدى ستة اشهر، ولم تنفع اية حلول عربية واقليمية ولكن تدويل المشكلة كان بمثابة تحصيل حاصل.. وكان سحق العراق وابقاء النظام العراقي عام 1991 اثر عاصفة الصحراء قد اعتمد على قرارات الامم المتحدة فيما اسمي بحرب الخليج الثانية. كانت لبنان قد انهكتها الحرب الاهلية، وكانت التشظيات الفلسطينية قد انتهت ادوارها (النضالية) السابقة، ومع سيناريو مؤتمر مدريد الذي جمع اغلب الفرقاء، الا ان ذلك لم يحل مشكلات الشرق الاوسط، بل ادخل المنطقة في متاهة الحل والشد، وخصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وكان العراق قد شرع باستعادة دوره بتحالفه في ما سمي بمجلس التعاون العربي مع فرض حصار اقتصادي قاتل على العراقيين وتطبيق مشروعات كالنفط مقابل الغذاء، علما بأن الصراع لم يكن حقيقيا، بل انه مجرد سيناريوهات لتمرير مصالح دولية وخصوصا بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وانطلاق ظاهرة العولمة بكل قوتها، ويكفي مراقبة ما كان يطلق عليه بـ سياسة quot; الاحتواء المزدوج quot; لكل من العراق وايران واختفاء هذا السيناريو، وولادة سيناريو ما سمي بـ quot; الضربة الوقائية quot; بعد سبتمبر 2001.. ثم ولد مشروع سيناريو القضاء على الدول المارقة!
كتب مارتن ولاكوت Martin Woollacott مقالا في الغارديان The Guardian البريطانية بتاريخ 14/6/2002 تحت عنوان quot;إن العالم يصبح مكانا خطيرا.. quot; قائلا بأن الإدارة (الامريكية) لديها خطة للأمن القومي الداخلي وخطة أخرى للضربة العسكرية الوقائية ضد الدول المنحطة rogue states. الخطة الأولى عبارة عن عملية إعادة ترتيب بيروقراطية قد تساعد أو لا تساعد أو قد تصبح نموذجا للدول الأخرى. أما الخطة الثانية فهي تقدم كفلسفة لها تعميما شاملا قد يكون مقبولا من حيث المبدأ لكنه يحتاج من الناحية العملية إلى البحث والتمحيص. لا شك أن تلك الخطة لا تعطي الشرعية للهجوم المسبق على العراق مثلا، وهي في ذات الوقت تعطي للإسرائيليين والهنود تشجيعا غير مقبول لكي يقوموا بالعمليات quot;الوقائيةquot; الخاصة بهم.
وجاء سقوط النظام بغزو العراق في العام 2003، تحت ذرائع معروفة، فتبلورت بانوراما جديدة للفوضى والتدمير لا للاصلاح والتجديد كالذي وعدت به الولايات المتحدة الامريكية، وساهمت بتعقيدات لا اول لها ولا آخر في مشكلات المنطقة.. خصوصا عندما سمح للعراق ان يُخترق من كل مكان ليغدو حاضنة لكل الازمات والارهاب على حساب دماء الشعب العراقي، ثم سمح للقوى الاقليمية ان تلعب العابها وتجعل من العراق ولبنان ساحتين لاستخدام اجندتها وصناعة التدمير واندلاع الفوضى كونهما مؤهلين سياسيا واجتماعيا وسكانيا الى انتعاش الخلل وتنميه التناقضات.. ثم جعل العراق ساحة لتصفية الحسابات مع العدو الجديد (= الارهاب). ويتفق العديد من الكّتاب الغربيين على أن الإدارة الأمريكية تقدم حلولا عامة جدا لمشكلات خاصة جدا وتركز على المكاسب في المدى القصير، والتي قد تكون لها نتائج سيئة في المدى البعيد. ويضربون أمثلة بتعاون أمريكا مع لوردات الحرب في أفغانستان ووضع كشمير ضمن مشكلات الحرب على الإرهاب العالمي.
انتقال الكرة الزجاجية من العراق الى ايران
هذه الفرص التاريخية انتجت بشكل واضح صناعة للخوف من الاتي لدى العرب والايرانيين خصوصا قبل 2003 وبالذات مع دعاوى اعلامية قوية تنادي بضرورة الديمقراطية وتغيير الشرق الاوسط، علما بأن ثمة قوى سياسية وعدة نخب فكرية كانت تعيش ولم تزل على حلم التغيير نحو الافضل ومن اجل بناء وتجديد للمستقبل. وكلنا يتذّكر مواقف العرب والايرانيين من الحرب ضد العراق عام 2003. ويبدو ان الايرانيين كانوا ابرع من العرب في المجابهة حتى يومنا هذا، وجعلوا من انفسهم لاعبين اساسيين في المنطقة، في حين خبا الدور المصري كثيرا ازاء المسألة العراقية، وباتت بلا مشروع استراتيجي كالذي كانت عليه ايام الرئيس جمال عبد الناصر، في حين بقيت السعودية لوحدها في الميدان عربيا لكي تلعب اوراقها اقليميا ودوليا، ولكن ضمن سياقات محددة لم تستطع الخروج عنها بحكم علاقتها بالولايات المتحدة الامريكية من طرف وبحكم موروثها السياسي القديم من طرف آخر.. ومقارنة بايران التي بدأت بمشروع سياسي وعقائدي استراتيجي واسع النطاق بدا تأثيره واضحا اليوم في كل المنطقة، ولم يجابهه حتى اليوم اي مشروع مواز له او متفوق عليه!
ثمة سؤال آخر يفرض نفسه علينا ذلك ان دولا عربية مؤثرة وقوية يتلاعب بها الارهابيون وهي معّرضة اكثر من غيرها لموجات ارهابية الى جانب تركيا ولكن ايران لم تتعّرض ابدا لأي هجمة ارهابية حتى اليوم وخصوصا من قبل منظمة القاعدة !! هل هناك من يسأل عن الاسباب باستثناء ما حصل في اقليم خوزستان (= عربستان) صاحب الاكثرية السكانية العربية ولأسباب بعيدة جدا عن توجهات القاعدة؟؟ ان ثمة بعض الامور مجهولة او مسكوت عنها في طبيعة ما يجري من احداث اليوم.. واعتقد انه سيكشف عنها لاحقا، او انها ستفضح نفسها بعد العام 2009.
تقول تقارير وزارة الدفاع الأمريكية انها وضعت خططاً وسيناريوهات لتدمير المنشآت النووية الإيرانية تحت عنوانquot; كومبلان 8022 quot; منذ شهر نوفمبر 2003 أي بعد بضعة اشهر من غزو العراق وتضمنت الخطة توجيه ضربات شاملة ضد أي دولة مارقة أو تتصرف كأنها خارجة على القانون الدولي كإيران. وبالرغم من أن خطر القنبلة النووية الإيرانية ليس آنياً فلقد قدر الخبير النووي برونو تيرتير من مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية بأنه ليس بوسع إيران صنع قنبلة نووية قبل عام 2009. ان خطورة ايران ستكون في العام 2009 وما بعدها، فلا يمكن ابقاء الخطر يستشري بعد هذا التاريخ.
وأخيرا بماذا انادي؟
هنا نتساءل: هل استطعنا استيعاب كل الاوراق؟ هل نحن مدركين ان الشرق الاوسط برمته كرة زجاجية ثمينة تتدحرج، وستنفجر قريبا؟ هل ادركنا ان الشرق الاوسط برمته على ابواب مرحلة تاريخية جديدة ستختلف بالضرورة عن صفحات القرن العشرين؟ هل باستطاعة الغرب القضاء على قوة ايران؟ ان الاساليب الديماغوجية التي تتبعها وسائل الاعلام اليوم بالضربة على ايران هي كاذبة، لأن الولايات المتحدة ليس باستطاعتها اليوم اشعال فتيل اي حرب في المنطقة بسبب مرحلة الانتخابات.. وان القادة الايرانيون يدركون ذلك مما جعلهم يستعرضون قوتهم على العالم.. ولكن لماذا تتبع ايران ما يشبه السياسة الاستعراضية التي سار العراق عليها قبل ان ينتهي عام 2003؟ ان ما ستشهده منطقة الشرق الاوسط مع العام 2009 لا يبشر بخير ابدا ازاء اولوياتها .. ان الصراع بات اعلاميا اكثر منه سياسيا، وان التكتيكات الاعلامية تخدم بالضرورة استراتيجيات سياسية دولية على المدى البعيد. ان جرعات الفوضى ستتلون منتجاتها لكل بيئة. فكيف بنا نفّسر مجريات ما يحدث؟ هذا ما ستجيب عنه الايام القادمة.