هذه الفترة من السنة الوقت الأمثل لزيارة الجبل الأخضر في عُمان، إذ تكتسي مدرجاته بالورد، الذي يقطره سكان الجبل على الطريقة التقليدية حتى اليوم.


لورا نصره من مسقط: على ارتفاع أكثر من ثلاثة آلاف متر، يقف الجبل الأخضر العُماني واحدًا من أعلى القمم في شبه الجزيرة العربية. هذا المكان الذي كان حتى سنوات قليلة خلت مغلقًا في وجه السيّاح والمستكشفين، يستقبل اليوم الزوار بهدف الكشف عن أسرار هذه المنطقة، التي يعد الورد أحد كنوزها، وهو الذي كان ولا يزال أحد أهم مصادر رزق سكان الجبل، الذين امتهنوا سر طهوه واستخراج مائه العذب، الذي لا يخلو منه بيت في عُمان.

اهتمام متعاظم
تحدث سليمان بن خلفان المياحي، المصور الهاوي وأحد سكان المنطقة، لـ"إيلاف" عن رحلته الفوتوغرافية لتوثيق معالم الجبل وأسرار ماء الورد الشهير وصناعته التقليدية، التي توارثها سكان الجبل الأخضر واشتهروا بها في دول مجلس التعاون الخليجي.

يقول المياحي: "أن تكون من سكان الجبل الأخضر العُماني، فهذا يمنحك ميزة فريدة، فأنت مطالب دومًا بالإجابة عن أسئلة عديدة تتعلق بالجبل وساكنيه وتقاليده وأسرار صناعة ورده الشهير، فالمعلومات عن الجبل قليلة عمومًا، نظرًا إلى بقائه فترة طويلة مغلقًا في وجه الزوار، احترامًا لعادات وتقاليد سكانه، إلا أنه وبعد افتتاحه أمام السياح منذ سنوات قليلة، ومنذ انطلاق بعض المشاريع السياحية العملاقة في المنطقة، كمنتجع أليلا الجبل الأخضر، بدأ اسم الجبل يظهر بشكل كبير، ويحوز اهتمامًا متعاظمًا يومًا بعد يوم".

عمل توثيقي
يضيف: "بالنسبة إليّ فأنا أعمل على توثيق معالم الجبل وأسرار صناعة ماء الورد التقليدي بالصور، لتكون بمثابة المرجع الفوتوغرافي لمن يريد معرفة المزيد عن هذا المكان الفريد".

عن ورد الجبل وأسرار صناعته، التي لم تتجاوز أسلوبها التقليدي حتى اليوم، يقول المياحي: "تنتشر زراعة الورد على مساحات واسعة من الجبل، وتتركز في قرى العين والشريجة وسيق والقشع، فيبدأ موسمه منتصف آذار (مارس) ليصل إلى ذروته في نيسان (أبريل)، وينتهي في أواسط أيار (مايو)، وصناعة ماء الورد حرفة تقليدية التصقت بأهالي الجبل الأخضر منذ عشرات السنين، يُعرف بجودته ودقة تصنيعه، نظرًا إلى اتباع الأسلوب التقليدي الذي يعتبره مزاولو هذه المهنة السر وراء الجودة والانتشار الكثيف لهذا المنتج، الذي لا يخلو منه منزل في عُمان، إلى جانب انتشاره الكبير في دول الجوار".

تقطير تقليدي
تمر عملية إنتاج ماء الورد الجبلي بمراحل عدة، إذ يبدأ المزارعون في كانون الثاني (يناير) عملية تقليم أشجار الورد وحراثة الأرض وريّها بشكل جيد بانتظار موسم تفتح الزهور، ومع بدء تزهير الورد يبدأ موسم القطاف، الذي يشارك في طقوسه الخاصة كل سكان الجبل من النساء والرجال، الذين ينطلقون في الصباح الباكر أو أوائل المساء لقطف الزهور المتفتحة وملء السلال بها، والعودة لمنازلهم، التي يحتوي كلّ منها على مصنع صغير لتقطير ماء الورد.

يطلق سكان الجبل على هذه المصانع الصغيرة اسم "الدهجان"، وهي عبارة عن مرجل صغير يعمل بالحطب، وتعلوه أوان فخارية خاصة لغلي الورد واستخلاص مائه العذب بطريقة التقطير البطيء.

تستمر هذه العملية أربع ساعات كل مرة، وتستمر على مدار الساعة طوال موسم الورد، الذي يستمر نحو شهرين. يعتمد سكان الجبل على صناعة الورد كأحد أهم مصادر الرزق، حيث يباع المنتج النهائي في كل أسواق السلطنة، ويقبل عليه العُمانيون من دون تردد، فهو مادة أساسية سواء لإضافة نكهات خاصة إلى الأطباق التقليدية، أو لاستخدامه في تعطير الجسم والملابس والمنازل، ويحظى ماء الورد الآتي من قمة الجبل بمكانة خاصة لدى كل عماني.

&