تساءل الكثير لماذا صورة إيلان كردي تحديدًا هي التي راجت والتقطها الناس وأرسلوها وتشاركوها في ما بينهم، في وقت يموت بشكل شبه يومي أطفال كثر وبالطريقة نفسها التي قضى بها إيلان، إلا أن خبراء يؤكدون أن الصورة لحظة تأريخ مهمة لحقبة وهي شهادة على العصر يتوجب تعميمها بلا رقابة، لكونها لا تجسد شخصًا بقدر ما تمثل رمزًا.


يوسف يلدا من سيدني: صورة إيلان الكردي التي هزّت ضمائرنا وصدمت العالم تعيد إلى أذهاننا رعب حرب فيتنام وصورة الفتاة الهاربة من قنابل النابالم. قيل إن صورة واحدة تعادل ألف كلمة. هناك العديد من الذين إنتقدوا وسائل الإعلام لنشرها صورة الطفل الصغير إيلان الكردي ملقىً على بطنه على شاطئ بحر بودروم التركي. والسؤال الذي طرح نفسه: "ماذا يعني نشر هذه الصورة، هل هو فضول أم تأنيب ضمير؟".

كانت حاسة النظر دائمًا تشغل بال علماء الأنثروبولوجيا والإجتماع والفلسفة. وبالنسبة إلى سارتر فإن حاسة النظر تشكل الأساس في مجال الإتصالات. وعندما ننظر إلى الآخر نكون في الواقع نتساءل: "من نحن".

شاهد حي
وفي كتابه "دروب الحرية"، يحول المفكر الفرنسي مقولة الفيلسوف رينيه ديكارت "أنا أفكر، إذن أنا موجود" إلى "ترونني، إذن أنا كائن حي". يكتب مؤلف "الغثيان": من يراني يجعل مني كائنًا، وإن وجود الآخر ضروري للوعي بالذات. إذا كنا لا ننظر إلى المأساة عن قرب، ونزيل الأقنعة، ونلقي نظرة متفحصة، هل كنا سنصدق فعلاً؟.

يؤكد الباحث والعالم الأنثروبولوجي روجر كانالس من جامعة برشلونة الإسبانية أن "الصور الفوتوغرافية كصورة الطفل السوري يجب عرضها ونشرها. إنها بمثابة شهادة على المآسي الإنسانية التي تقع اليوم. وعندما يتم إلتقاط الصورة، لا أرى سببًا وجيهًا لفرض الرقابة عليها".

رمز لحقبة
قليلة هي الصور التي تترك أثرًا على المتلقي، وتبقى رمزًا أصيلًا منذ نشرها للمرة الأولى. تزودنا الأرقام وسرد الأحداث بالمعلومات، لكن "النظرة" الواعية تُصاغ عبر رموزٍ محددة. ومثال على ذلك، عندما نعود بذاكرتنا إلى الحرب الفيتنامية وتأثيرها على الناس، ما الذي سيقفز إلى أذهاننا؟، معظمنا سيرى وعلى الفور صورة "فتاة النابالم".

يقول المصور الفيتنامي نيك أوت، الذي إلتقط تلك الصورة لوكالة أسوشيتد برس أثناء تغطيته الحرب الدائرة "إنتهت الحرب الفيتنامية بفضل هذه الصورة". أما كيم فوك، الطفلة التي إستطاعت أن تنجو بنفسها من الموت، فقد كان عمرها تسعة أعوام عندما بدأت طائرة تابعة للقوات الفيتنامية الجنوبية بقصف قريتها ترانج بانج، وكانت تجري عارية لا تعرف وجهتها، وتصرخ "ماء..ماء.. إنها حارقة جدًا". كان ذلك في الثامن من شهر يونيو/ حزيران 1972. حينها، قام المصور نيك أوت بنقل الطفلة إلى المستشفى، مباشرة بعد إلتقاط الصورة لها. وليس بمقدور أحد أن يمحي تلك الصورة من ذهنه كلما سمع كلمة "نابالم".

ويشكّ روجر كانالس أن يكون للصورة وحدها تأثير على تهدئة الحروب، مؤكدًا "أن الهجرة الجماعية الحالية تعود إلى أسباب عديدة: إقتصادية، وسياسية، وإجتماعية.. رغم صحة أن بعض الصور لها وقعها الكبير، لقسوتها وواقعيتها، وتتحول إلى رموز وفقًا لتطور الأحداث التي رافقتها، والتي تكون لنا معرفة سابقة حولها. وعليه، فإن تفسير صورة ما لا يبدأ من الصفر. إذ علينا أن نعرف كيف نفسّرها، إعتمادًا على غيرها من الصور والوثائق النصية الأخرى".

عمق التعميم
لكن، لماذا تتحول بعض الصور إلى رموز وأخرى، رغم قساوتها، لا نقف عندها كثيرًا؟. يوضح الباحث في جامعة بوفالو الأميركية قائلًا إن "تعميم الصورة جماهيريًا يزيد من جوهر محتواها. ومن ثمّ هناك بعض العناصر الجمالية التي تلعب دورًا مهمًا: ففي الصورة الشهيرة لفتاة النابالم، تبدو الطفلة اليائسة هاربة باتجاه نظر المتلقي، الأمر الذي يوقظ أحاسيسنا، خصوصًا مع الشعور بأن الفتاة تسير باتجاهنا.

أما في صورة الطفل السوري، إيلان، فإن أحد أهم عناصرها المؤثرة تكمن في إنعزاله التام عن العالم، وهو ملقىً على الرمال. هذه العزلة لم يخفف من قساوتها غير وجود ضابط خفر السواحل التركية.

بدون تعليق
كانت معظم تعليقات الأشخاص الذين شاهدوا صورة إيلان المؤثرة متشابهة "بدون تعليق". لقد أصبحنا ننسج التأريخ الحاضر إعتمادًا على مجموعة من الصور. تعبّر صورة إيلان الكردي عن مفاهيم راسخة في ذهن المتلقي، لذلك عندما يقع نظره عليها، سوف يتساءل كيف وصل الأمر إلى هذا الحد.

مخاطر الإستهانة
للصورة القدرة على توثيق الأحداث، وإضافة أدلة مرئية إلى سير هذه الأحداث. لكن، تكمن هناك كذلك مخاطر الإستهانة بقسوة الآلام، وغالبًا ما يستهان بالرعب. وتقوم شركات إنتاج الأفلام والترفيه بصنع أعمال تحتوي على العديد من المشاهد الدامية. لكن هذا العنف دائمًا له حد، لأنه عنف متفق عليه، وتقليدي.

مع ذلك، فإن جثة طفل ملقىً على الأرض تكون خارج هذه الإتفاقات. وعليه يقال عن محتوى هذه الصورة إنه يمثل العنف العنيف. وكذلك، بمقدور صورة أن تغيّر من مجرى الأحداث، حيث يقول روجر كانالس إن الصورة تتحول إلى عالمٍ خاص، له حكمه الذاتي، وإن بعض الصور لا تكتفي بأن تكون شاهدًا لحقائق إجتماعية فقط، بل تلعب دورًا فعالًا، وأحيانًا حاسمًا، في عملية التعبئة الإجتماعية.

حينها، لا ينبغي أن ننظر إلى الصورة وفقًا لما تظهره، بل إلى ما ستتركه من آثار ونتائج. إذن، الصورة هي التي تستقطب سير الكلام وتوجّه التركيز في الذاكرة. وبطبيعة الحال، يمكن توظيف صورة إيلان الكردي للإيقاد وحسب نوع الغرائز. وربما يكون صحيحًا القول إن بعض التفاصيل ليست ضرورية لاستيعاب حجم المأساة. لكن مأساة اللاجئين السوريين اليوم شاخصة جدًا أكثر من أي وقتٍ مضى.&&&&&&&&&


&