«إيلاف المغرب» من الرباط: تخلى إلياس العماري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة المغربي عن جبة السياسي مؤقتا وتدثر بعباءة المثقف والباحث مقدما قراءة نقدية لخطاب رئيس الحكومة المكلف، عبد الإله ابن كيران، لم تتخلص من تبعات الصراع والخصومة السياسية التي تجمع الطرفين.

واستهل العماري، مقاله الذي نشرته موقع هسبريس الإلكتروني المغربي بمقدمة مسكوكة تضاهي أسلوب الكتاب والمثقفين الكبار "في خرجة إعلامية مدروسة حرص فيها السيد عبد الإله ابن كيران ، المكلف تشكيل الحكومة على قاعدة نتائج سابع أكتوبر، على وضع ربطة الميكروفون مكان ربطة العنق، ليتخطى كلامه جدران البيت الذي استقبل فيه شبيبة حزبه، ويتوجه، بتسجيل صوتي جيد بأحدث التقنيات، إلى من يهمهم الأمر".

ولم ينتظر العماري كثيرا حتى دخل في صلب الموضوع، بعدما وصف كلمة ابن كيران أمام شبيبة حزبه بـ"الرسالته المشفرة التي غلبت عليها نبرة القول الديني المطلق الذي يخفي وراءه رسائل سياسية ظرفية لا يحتاج العاقل إلى كثير من الجهد لرفع الحجب على مراميها"

وأضاف العماري، موضحا ما سماه "نبرة القول الديني المطلق في كلمة ابن كيران"، حيث قال "اجتهد السيد عبد الإله في إفحام مريديه بأن الهدف الوحيد الذي قام ويقوم عليه حزبه وحركته هو لله عز وجل"، حيث أورد مقتطفا من كلام غريمه السياسي جاء فيه "كل أملنا وكل هدفنا هو الصبر على ما نعانيه حتى نلقاه عز وجل ونحن لم نبدل ولم نغير، وما بدلوا تبديلا.... وأننا جئنا لأننا اخترنا الله ورسوله".

القول الديني والخطاب السياسي

ومضى العماري في نقده وتحليله لكلام رئيس الحكومة المعين، مسجلا أن ابن كيران برع في "الخلط بين القول الديني والخطاب السياسي، إلى حد أنه قد يصعب على من لا يتابع سياقات الفعل السياسي الراهن في بلادنا تحديد الزمن الحقيقي لكلامه". وأشار العماري في مقاله إلى أن كلام ابن كيران يرجع بسامعه إلى "تقلبات تاريخية مازالت عالقة بذهن المطلعين على التاريخ السياسي والديني لعصر المأمون العباسي. لا سيما عندما تَطْرُق طبقاتِ أذنك عباراتٌ من قبيل: "الصبر على ما نعانيه حتى نلقاه عز وجل ونحن لم نبدل ولم نغير.."، أو "الامتحان" مثل الذي نجح فيه المرحوم عبد الله بها، أو حتى عبارة من حجم " المحنة"، والتي سرعان ما انتبه إلى ثقل حمولتها التاريخية ليتراجع، في آخر التسجيل، عن الإقرار بغرقه في أتونها "لا لا لست في محنة..."".

"ألا تشفع هذه المناورات اللغوية والخطابية التي تنضح بها هذه الأقوال بركوب مغامرة المقارنة بين "محنة" عبد الإله ابن كيران أواخر 2016 ومحنة أحمد ابن حنبل أواسط القرن التاسع للميلاد؟"، سؤال طرحه العماري، فيه نوع من التهكم على ابن كيران ومحاولة مقارنة ما يتعرض له من محنة يشبه ما واجهه الإمام أحمد ابن حنبل.

واستطرد العماري الكاتب، في مقاله مجيبا عن السؤال الذي طرحه، مبينا أن ما يغري بالمقارنة بين "محنة" ابن كيران ومحنة ابن حنبل هو "الخلاصة التي انتهى إليها بعض المفكرين، والتي تفيد بأن التهويل الإيديولوجي والسياسي من "محنة ابن حنبل"، رغم ثبوت وقوعها في كتب التاريخ المحايدة، كان بفعل إصرار الحنابلة، على مر التاريخ، على توجيه تهمة التنكيل بالإمام أحمد إلى المعتزلة الذين يقولون بـ"خلق القرآن" وينفون قدمه. وكأن قصة "المحنة" دبرتها الفرقة التي كانت تدافع عن"العقل"، ونفذها عنها نيابةً المأمون والمعتصم والواثق".

المحنة

واستدعى العماري في حديثه عن "المحنة" قول المفكر محمد عابد الجابري وفلاسفة آخرين اعتبروا أنها "لم تكن مجرد "اختلاف" في فهم النصوص الدينية بخلفية عقدية وفكرية، بل كانت مظهرا من مظاهر "الخلاف" السياسي المرتبط بأمور الدولة؛ فإن أتباع ابن حنبل، من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب إلى الحركات الإسلامية، ظلوا يرددون أن ما تعرض له الفقهاء من أهل الحديث والسنة كان من فعل خصومهم الإيديولوجيين من المعتزلة وأنصار العقل"، وهو ما يعد ضربا صريحا من العماري في استراتيجية خطاب ابن كيران وأتباعه من أبناء الحركة الإسلامية القائمة على "المظلومية".

واستطرد أمين عام الأصالة والمعاصرة، موجها نقده لخطاب ابن كيران ، ومحاولا الدفاع عن نفسه وحزبه الذي ظل طرفا معنيا بشكل مباشر في خطابات رئيس الحكومة المكلف، حيث قال "من يعيد الإنصات لمظلومية "محنة" ابن كيران لن يجد صعوبة في استنتاج إصراره على إلصاق "محنته" المزعومة بخصومه الإيديولوجيين الذين يحاول، جاهدا، تقديمهم في صورة قوم " لم يختاروا اللهَ ورسولَه" ولم يحالفهم "النصر المبين من الله عز وجل".

ولم يقف العماري عند هذا الحد، بل زاد "ما كان ينقصه في خطبته العصماء هو اختلاق اختلاف مع خصومه الحزبيين حول قضية عقدية تحاكي قضية "قدم القرآن الكريم أو حدوثه"، لينسب "محنته" لأناس يقولون ب"خلق القرآن" وهو يقول بـ"قدمه"، في نوع من التأكيد على المقارنة التي عقدها بين محنة ابن كيران وابن حنبل، رغم الفرق الشاسع بينهما.

وبلغ مقال العماري ذروته في الفقرة الأخيرة، التي باح فيها الكاتب بما يريد قوله، حيث ألقى على عاتق المؤرخين والمحللين مسؤولية الكشف عن "الخلفيات السياسية والبراغماتية والظرفية التي جعلت السيد عبد الإله ابن كيران يتخيل نفسه متقمصاُ لوضع أحمد بن حنبل في "محنة" كانت محنة حقيقية، ليراه قوم غير "قومه" أنه في محنة مزعومة جوهرها سياسي محض وقشورها دينية مصطنعة"، وذلك بعد انقشاع "سحابة الخداع والمكر"، في اتهام واضح وصريح لرئيس الحكومة بممارسة المكر والخداع في خطابه.

وينتظر أن يثير مقال أمين عام "الأصالة والمعاصرة" موجة من الردود خاصة من قيادة حزب العدالة والتنمية التي لا محالة سترد عليه، مثل ما حدث مع المقالتين السابقتين حول دعوة المصالحة التاريخية التي وجهها إلياس العماري للفعاليات السياسية بالبلاد، وهو ما خلف جملة من التساؤلات حول الكاتب الحقيقي للمقالين، قبل أن تعقد ندوة في الموضوع ويكشف العماري عن أسماء الشخصيات التي ساعدته في كتابة المصالحة الوطنية والدعوة لها.