للإطلاع على البحث كاملا:
جائحة ستفكك التجمعات العالمية
كورونا والتنافسُ الجيوستراتيجي المتجدد:
هل يشعل الوباء حربًا نووية؟

في ظل عدم سماح الدول العظمى للصين بأن تكون القطب الأقوى والأكثر نفوذًا على الصعيد العالمي، وفي حال لم تنجرف الأمور إلى حرب نووية مدمرة، فإن العالم مقبل على تفكك وانقسام تلقائي إلى أقاليمَ اقتصادية وسياسية.


في ورقة بحثية بعنوان "كورونا والتنافس الجيوستراتيجي المتجدد: هل يشعل الوباء حربًا نووية؟" تنشرها "إيلاف"، يقول مؤلفها حسن إسميك، رئيس مجلس أمناء مركز ستراتجيك للدراسات والأبحاث، إن اتهام الصين بإطلاقِ فيروس كورونا ما زالت فرضية غير مرفقة بأية أدلة دامغة، أو حتى قرائن داعمة، خصوصًا أن فرضية التصنيع المخبري للفيروس ما زالت ضعيفة، تدحضُها حقائق شبه مؤكدة عن أنه ذو منشأ طبيعي. وإلى أن تنجلى الحقائق، يبقى للصين نقاط قوة تنظر إليها الولاياتُ المتحدة على أنها تهديد مباشر لها.

تنامي الصين

بلغ الإنفاقُ العسكري الصيني حتى عام 2018 قرابة 250 مليار دولار، بزيادة قدرها 190 في المئة مقارنةً بالإنفاق العسكري في عام 2008، والبالغ نحو 86.3 مليار دولار.

وترافق هذا الإنفاق مع إظهار الصين سلوكًا "خشنًا" إزاءَ بعض المواقف: إنشاء جزرٍ اصطناعية عسكرية في بحر الصين الجنوبي؛ افتتاح أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودِها في جيبوتي في أغسطس 2017 لتأمين خطوط الملاحة البحرية لسفنِها.

كما يلاحظ إسميك أيضًا أنه خلال السنوات الأخيرة، تبنت الصين مواقف صريحة في النزاعات الدائرة في أكثر من بؤرة، كتصويتها مع روسيا في مجلس الأمن أكثر من مرة، ما يعني تخليها عن حياد سياسي تتبعُه عادةً، كي تتفرغَ لتمددها الاقتصادي في النظام الدولي.

ولا تكتفي الصين بتطوير اقتصادِها فحسب، إنما تعمل على تطوير ترسانتِها من الأسلحة النووية أيضًا، لا سيّما الأسلحة التكتيكية. فقد قامت الصين بقرابة 200 اختبار لأسلحة نووية تكتيكية قصيرة المدى في بحر الصين الجنوبي بين سبتمبر 2014 وديسمبر 2017، بمعدل 5 اختبارات شهرية.

سقوط معاهدات

إلى ذلك، يشير إسميك إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من "معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى" الموقّعة في ديسمبر 1987 مع روسيا، يهدد مستقبل اتفاقية "ستارت–3" التي تم توقيعُها في أبريل 2010 بين الولايات المتحدة وروسيا، وينتهي العملُ بها في عام 2021، وليس من المتوقع أن يتم تمديدُها فترة جديدة ما لم تحقق واشنطن متطلباتها الأمنية النووية، وهي متطلبات لا تتعلق بالطرف الروسي، إنما بالصين التي ترغب الولايات المتحدة في جرّها إلى توقيع اتفاقيات تتحكم من خلالها بالأسلحة النووية الصينية، كمًا ونوعًا.

ونقلت تقارير صحفية غربية عن كريستوفر جونسون، العميل السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية، ربطه بين الانسحاب من المعاهدة والتوتر في بحر الصين الجنوبي. فاستمرار الصين في تطوير ترساناتها التكتيكية متوسطة المدى هناك يجعل من تقيد الولايات المتحدة باتفاقية تمنعها من تطوير قدراتٍ مماثلة أمرًا خطيرًا.

مقالات إضافية للكاتب
هل تدفع الصين "ثمن" أخطاء
كورونا تريليونات الدولارات؟
كورونا إذ يصبح وحشا سياسيا
كورونا" أزمة أم فرصة للشباب؟

وأشار جونسون إلى أن امتلاك أميركا قدرات عسكرية تمكنها من الوصول إلى قلبِ الأراضي الصينية يمثل أهميةً كبيرةً بالنسبة إليها. وإذا لم تملك الولايات المتحدة القدرة على ضرب قواعد الصواريخ المضادة للسفن، والموجودة داخل الأراضي الصينية، فإن قدراتِها العسكرية في المنطقة ستقتصر على قواعدها الموجودة في اليابان، وسيكون إرسالُ سفنها الحربية إلى المياه القريبة من سواحل الصين مخاطرةً غير مضمونة العواقب.

طريق حرير صحي

لاحظ إسميك في ورقته البحثية أن مبادرة "الحزام والطريق" التي أعلنها الرئيسُ الصيني شي جين بينغ في سبتمبر 2013 قادرة على التحول من الأبعاد الاقتصادية المجردة إلى أبعادٍ تتعلقُ بالتمركز العسكري. وقد حذّر تقييم مفصل نشرته وزارةُ الدفاع الأميركية في ديسمبر 2018 من أن "طريق الحرير" مهيأ ليحمل أبعادًا عسكريةً في حال تمكنت الصين من التواجد العسكري على امتداد خطوط التجارة لتأمين قدراتها الملاحية وضمان مصالحها الاقتصادية.

ومع بدء أزمة كورونا غربيًا، سارعت الصين إلى استثمارها دبلوماسيًا بطريقة براغماتية تهدف إلى تلميع صورتها أمام دول العالم، فبادرت إلى مد يد العون لكثيرٍ من الدول الأوروبية كإيطاليا التي أرسلت إليها كوادر صحية مسلحة بخبرة التعامل مع الوباء في بؤرته الأولى "ووهان"، وعدّت هذه المبادرة جزءًا من بناء "طريق الحرير الصحي" بحسب تعبير الرئيس الصيني، خصوصًا أن روما هي أول عاصمة من مجموعة السبع الاقتصادية التي انضمت إلى "الحزام والطريق" في مارس 2019، ما أثار استنكارًا أميركيًا وأوروبيًا واسع النطاق.

عامل تغييري

يبدو، بحسب إسميك، أن الفيروس تحول إلى عامل سياسي واقتصادي سيؤدي إلى تغييراتٍ نوعية وجوهرية في بنية النظام العالمي وتوزع القوى فيه، كما يجري توظيفُه لإعادة تنظيم توازن القوى بين الفاعلين السياسيين من الفئات الاجتماعية وممثليهم في السلطة السياسية على الصعيد المحلي، وعلى الصعيد الإقليمي أيضًا؛ وذلك من خلال تقييمِ مدى نجاعة التحالفات المالية والمؤسسية في مواجهةٍ هذه الجائحة العالمية.

وجاء الفيروس ليُفاقم ما يسميه عالم الاقتصاد الروسي فالنتين كاتاسونوف الحرب الاقتصادية بين النخبتين الصناعية والمالية في أميركا، "وعليه فإن طريق الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيكون طويلًا إذا أراد تنحية الاحتياطي الفيدرالي عن المشهد العام لصناعة القرار في الولايات المتحدة؛ إذ لا يمكن المغامرة بمكانة الدولار في الاقتصاد العالمي، خصوصًا أنها تعدّ من أكثر الملاذات الاستثمارية أمانًا على مستوى العالم".

هذا ما يسمح بالاعتقاد أن الإدارةَ الأميركية الحالية تخلت حاليًا عن فكرة تخفيض قيمة الدولار نظرًا للظروف التي تمر بها البلاد، علمًا أن قيمته تُسجل ارتفاعًا مقابل العملات الأخرى على الرغم من تخفيض الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة ليترواح بين صفر و 0.25 للمساعدة في مواجهة الآثار الاقتصادية القاسية للوباء، ما يشكل إفشالًا لرؤية ترمب المتطلعة إلى تعزيزِ تنافسية الصادرات الأميركية.

خلافات أوروبية متفاقمة

يواجه الاتحاد الأوروبي أعظم تحدٍ له منذ تأسيسه؛ إذ تصدر وسائل الإعلام حول العالم الحديث عن تذمر دول أوروبية هي الأكثر تضررًا من تفشي "كورونا" من الإجراءات المتخذة في بروكسل من أجل التعامل مع الأزمة. بحسب مفوض الاقتصاديات بالاتحاد الأوروبي باولو جنتيلوني، ستحتاج دول الاتحاد إلى 1.63 تريليون دولار لمجابهة الجائحة وتبعاتها، ما يطرح تساؤلًا عن منطق توزيع هذا المبلغ على الدول المتضررة، خصوصًا بعد توقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاديات منطقة اليورو بمقدار 7.5 في المئة، نظرًا إلى تفاوت حجم "المناعة الاقتصادية" بين دول الاتحاد.

تفكك وانقسام

يختم إسميك بحثه بالآتي: "بناءً على ما سبق، وفي ظل عدم سماح دول عظمى مثل الولايات المتحدة وألمانيا للصين بأن تكونَ القطب الأقوى والأكثر نفوذًا على الصعيد العالمي، وفي حال لم تنجرف الأمور إلى حرب نووية مدمرة، فإن العالم مقبل على تفكك وانقسام تلقائي إلى أقاليمَ اقتصادية وسياسية، بحيث تتسيد دولةٌ ما كلَ إقليم وتقوم بتمثيله أمام الأقاليم الأخرى.

غير أن هذا لن يحدث إلا بعد معرفة المنتصر في صراع النخب في الولايات المتحدة من جهة، وبعد تبلور مصير الاتحاد الأوروبي الذي بات مهددًا بالانهيار نتيجة تصاعد حدة الخطاب المنتقد لبروكسل من جهة ثانية. كل هذا يجب أخذه بالحسبان على امتداد فترة زمنية لا يمكن التكهن بموعد نهايتها، ولا بشكل هذه النهاية".

يمكن قراءة البحث كاملًا هنا

مواضيع قد تهمك :