إيلاف من بيروت: في العاشر أكتوبر، قد يتمكن جيل جديد من الناخبين العراقيين، الذين عاشوا حياتهم كلها في ظل ديمقراطية ناشئة يطغى عليها الجانب البيروقراطي والفساد الذي ترسّخه شبكات المحسوبية الطائفية، من أن يكون لهم رأي في حكّامهم المستقبليين.

وبحسب تحليل نشره موقع "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى"، مع وعي سياسي ازداد بعد "ثورة تشرين" في أكتوبر 2019، يريد هذا الجيل القادم مقعدًا على طاولة الدولة العراقية. وعلى الرغم من الإحباط تجاه الطقم السياسي الحاكم، الذي تجلّى في انخفاض معدلات إقبال الناخبين على انتخابات عام 2018 السابقة والاحتجاجات المستمرة على مدى السنوات القليلة الماضية، يرغب عدد من الفاعلين الجدد والمستقلين في الوصول إلى مراكز السلطة.

فرصة ظهور

ويمكن أن يوفر النظام الانتخابي الجديد في العراق، الذي يبتعد عن القوائم الحزبية ويتّجه نحو المرشّحين الأفراد، فرصةً لظهور أفكار جديدة وقادة جدد - ولكن إذا تجاهل الناخبون الدعوات المتزايدة للمقاطعة وتوجّهوا إلى صناديق الاقتراع لتقديم دعمهم لهؤلاء الإصلاحيين ليس إلا. وتسعى الأصوات الجديدة المنبثقة عن "ثورة تشرين" إلى قلب النظام الذي استبعدها طوال الأعوام الثمانية عشر الماضية. فهم ليسوا الوحيدين الذين يبحثون عن النجاح في صناديق الاقتراع، إذ تسعى الجهات الفاعلة السياسية المعتدلة التابعة للطبقة السياسية إلى استبدال أولئك الذين تبعوهم والسعي وراء الشهرة بشكل مستقل، في حين يعمل أولئك الذين ينتمون إلى الميليشيات والشركات التابعة لها على إعادة تصور أهميتهم وتصوير أنفسهم على أنهم الجهة المنقذة للعراق مرة أخرى.

وبعد ما يقرب من عقدين من الغزو الأميركي للعراق، تتقدم الديمقراطية في البلاد بشكل غير متساو. ولكن في حين أنّ البلاد تعاني من عمليات تشكيل الحكومة التي طال أمدها وإعادة التفسير المتكررة للدستور والقوانين الفيدرالية، فإنّ النظام الديمقراطي صامد، وإن كان بشكل غير كامل. وذلك لأنّ الإجماع السياسي في العراق يعطي الأولوية للاستقرار الذي يصب في المصلحة الذاتية وليس للفوضى - يدعم القادة السياسيون والأحزاب الإصلاحات التدريجية لأنّهم يستفيدون من شبكتهم الحالية من الاتصالات والصفقات التجارية.

رغبة في التغيير

اليوم، تسود في الشارع العراقي رغبةٌ قوية في التغيير. وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أنّ عامة الناس ينظرون إلى الأحزاب السياسية على أنّها مؤسسات ولا يثقون في المؤسسات الديمقراطية الرئيسية الأخرى، مثل البرلمان ومكتب رئيس الوزراء. إنّ عبارة آية الله العظمى علي السيستاني المقتبسة على نطاق واسع "المجرّب لا يجرّب" يتردد صداها بشكل واضح في عام 2021، وهو ما أظهره مؤخرًا بيانه الذي دعا فيه إلى مشاركة عراقية مستنيرة ومسؤولة لانتخاب مرشحين يتمتعون بالسيادة يمكنهم أن يحلوا محل المرشحينغير الأكفاء والفاسدين الذين أساءوا معاملة الدولة والدستور.بافتراض خروج العراقيين والمشاركة في الانتخابات، يمكن أن تبدأ هذه الأخيرة في توجيه هذه الرغبة في التغيير وأن تؤدي إلى ظهور جيل جديد من السياسيين المنبثقين من أيديولوجيات متعددة تشمل المعتدلين في العراق، والمتظاهرين المدنيين، والميليشيات الخاضعة لتأثير خارجي. ومن المرجح أن تؤدي المنافسة داخل الأيديولوجية في هذه المجموعات الواسعة، وكذلك داخل الأحزاب الحالية التي احتفظت بالسلطة إلى حد كبير لما يقرب من عقدين من الزمن، إلى برلمان مشرذم قد يكافح من أجل التوصل إلى توافق في الآراء. وقد رسمت وجهات النظر المتنافسة حول الشكل الذي يجب أن تبدو عليه الدولة خطوطًا صارخة داخل المشهد السياسي، وعلى الرغم من وجود أرضية مشتركة لبعض أصحاب المناصب المعتدلة وأصوات "ثورة تشرين" الجديدة، فإنّ العمل المشترك نحو الإصلاح يُقوَض، وسيظل كذلك، بسبب التنافس على السلطة بدافع الأنا.

ومع ذلك، على الرغم من آمال العراقيين في التغيير، فمن غير المرجح أن تسفر الانتخابات عن نتائج حاسمة من دون زيادة في الإقبال، ومن المرجح أن تؤدي على الأرجح إلى مفاوضات مطوّلة لتشكيل حكومة. إنّ النظام الانتخابي الجديد، جنبًا إلى جنب مع الاقتتال الداخلي بين الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على التنظيم في تحالفات قابلة للبقاء، يعني أنّ بعض المرشحين الفائزين قد يجري انتخابهم بأصوات قليلة جدًا. ويكاد يكون من المؤكد أنّ هذا سيؤدي إلى تحديات قانونية وحملات إعلامية لاذعة يديرها أولئك غير الراضين عن النتيجة.

أرضية خصبة

وسوف يسيء الخاسرون السياسيون إلى العملية، والمفوضية الانتخابية، والتكنولوجيا المستخدمة في تحديد هوية الناخبين وفرز بطاقات الاقتراع، وستجد هذه الشكاوى أرضية خصبة. وقد تركت جهود الاتصالات العامة الضعيفة الكثير من الناس في حيرة من أمرهم بشأن النظام الانتخابي الجديد، وهذا يخلق خطرًا كبيرًا من حيث التضليل الإعلامي. لكن لكي نكون واضحين، فإنّ المشكلة الأساسية ليست العملية، بل تشرذم الأحزاب وفشلها في تقديم خيارات سياسية جذابة للناخبين.

والانتخابات العراقية مهيأة للنجاح من منظور تقني، حيث تتخذ لجنة الانتخابات جميع الخطوات اللازمة لضمان نتائج شفافة ودقيقة. كما أنّ الإطار القانوني موجود أيضًا، على الرغم من أنّ التكيّف مع النظام الانتخابي الجديد لهذا العام سيكون بالتأكيد محفوفًا بالتحديات، بما في ذلك التطبيق المناسب لنظام الكوتا في العراق، الذي يخصص 25 بالمائة كحد أدنى من جميع المقاعد البرلمانية للنساء. الآن تظهر حاجة إلى كلّ ما هو مطلوب حقًا لإنجاح الانتخابات، وإلا فإنّ دوّامة الحرمان من الحقوق وخيبات الأمل ستستمر في التفاقم. الانتخابات مجرد نقطة زمنية، وتمثل خطوة نحو الأمام على المسار الذي يسلكه العراق نحو التطور الديمقراطي. إنّ إشراك العراقيين وتشجيعهم على أن يكون لهم صوت في العملية السياسية أثناء الانتخابات وبعدها أمر بالغ الأهمية لبناء بلد ديمقراطي.