الدعم الأوروبي لأوكرانيا مسألة مرتبطة بالأمن الأوروبي. أما الحرب في غزة فتطرح تحدّيًا أمنيًا وسياسيًا مختلفًا تمامًا للأوروبيين. صدقيتهم فيها ضئيلة وفاعليتهم شبه معدومة

إيلاف من دبي: كيف يمكن أن تؤثّر الحرب الدائرة في غزة على أوروبا، ولا سيما على مخاوفها بشأن أوكرانيا؟ سؤال تجيب عنه جودي ديمبسي، زميلة أولى غير مقيمة في مركز كارنيغي أوروبا ومديرة تحرير مدوّنة "أوروبا الاستراتيجية"، بالقول إن ليس للاتحاد الأوروبي موقفٌ موحّد تجاه مسائل السياسة الخارجية والأمن، "لكن الحرب الروسية على أوكرانيا غيّرت ذلك. فالاتحاد الأوروبي يقدّم مساعدة مالية ودعمًا عسكريًا كبيرَين لكييف، ناهيك عن أنه فرض عقوبات على موسكو، وتخلّص من اعتماده على الغاز الروسي".

أمن أوروبا
لم يعد الاتحاد الأوروبي، ولا سيما ألمانيا وفرنسا اللتَين كانت تربطهما علاقات وثيقة جدًّا بروسيا، ينظر إلى جيرانه الشرقيين من عدسة الكرملين. والحال – بحسب ديمبسي - هو أن تصميم أوكرانيا على الدفاع عن استقلالها أحدث تغييرًا في ذهنية معظم الحكومات الأوروبية. تقول: "يُنظَر إلى الحرب ونتائجها بأنها مرتبطة بأمن أوروبا. وإذا لم تنتصر أوكرانيا في هذه الحرب أو تدخل مفاوضات السلام من موقع قوة، فسوف تكون روسيا في موقع يخوّلها تهديد مولدوفا، وإحكام قبضتها على بيلاروسيا، وزيادة دعمها للحكومة الموالية لها في جورجيا. ومن شأن التيارات المؤيّدة للديمقراطية في هذه البلدان أن تتصدّى للمحاولات التي تبذلها روسيا لاستعادة موطئ قدمها السياسي في الدول المنبثقة في الاتحاد السوفياتي السابق أو ترسيخه".

ونظرًا إلى أن هذه السيناريوهات ستؤدّي إلى زعزعة الاستقرار عند الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، يمكن القول إن الدعم الأوروبي لأوكرانيا "مسألة مرتبطة بالأمن الأوروبي"، وفقًا لديمبسي.

تضيف: "الحرب في غزة تطرح تحدّيًا أمنيًا وسياسيًا مختلفًا تمامًا للأوروبيين. فصدقيتهم ضئيلة. ولم يستخدموا مطلقًا أدوات القوة الناعمة التي يملكونها، ولا سيما المساعدات المالية، للتأثير على السلطة الفلسطينية التي تتّخذ مقرًّا لها في الضفة الغربية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي".

الأسوأ من ذلك كله، كما تقول، هو أن الاتحاد الأوروبي مول السلطة الفلسطينية على حساب دعم المجتمع المدني المستقل الحقيقي والنشطاء المناصرين للديمقراطية، كما كان دعمه لحلّ الدولتَين غير فعّال. تضيف: "وقف الاتحاد الأوروبي متفرّجًا ومكتوف اليدَين فيما واصلت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو والحكومات السابقة توسيع المستوطنات اليهودية، غير القانونية بموجب القانون الدولي، في الضفة الغربية".

ثلاث تداعيات أمنية
أكّدت الحرب في غزة أن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي هو القضية "الأكثر إثارةً للانقسام داخل الاتحاد الأوروبي في مجالَي السياسة الخارجية والشؤون الأمنية"، بحسب ديمبسي، مضيفةً: "ألمانيا تقدّم دعمًا غير مشروط لإسرائيل، لاعتبارات تتعلّق بماضي البلاد وتاريخها. أما إيرلندا، وهي الدولة الأكثر مناصرةً لفلسطين في الاتحاد الأوروبي، فتدعو إلى وقفٍ لإطلاق النار".

تترتّب عن هذا الانقسام الحادّ في المواقف تداعيات أمنية عدّة على أوروبا، يتعلق أوّلها بأمن المجتمعات المحلية اليهودية، فتنامي ظاهرة معاداة السامية مرتبطٌ بالهجوم الإسرائيلي على غزة؛ ويتمثّل ثانيها في تعاظم الإسلاموفوبيا، نظرًا إلى أن المتظاهرين نصرةً لفلسطين يُصنَّفون بأنهم داعمون لحماس ومناهضون لإسرائيل؛ ويرتبط ثالثها باحتمال وقوع هجمات إرهابية؛ فيما يكم رابعها في إمكانية أن تستغلّ روسيا انقسام أوروبا وانشغالها بما يجري في غزة لزيادة وتيرة هجماتها على أوكرانيا.

ختامًا، تجد ديمبسي أن الدواعي الأمنية تفرض على الاتحاد الأوروبي أن يحافظ على وحدته في ملف أوكرانيا، وأن يتقبّل، في الوقت نفسه، حقيقة واضحة: "ليس له أي تأثير في الحرب في غزة".

المصدر: "مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط"