الذين شاهدوا مثلي الحلقات الأخيرة من سلسلة(مع هيكل) التلفزيونية على فضائية(الجزيرة) القطرية, يقطعون بيقين أن الوزير الأسبق الكاتب الصحفي والمحلل الاستراتيجي( محمد حسنين هيكل) يجب أن يستريح, فقد آن بحق الأوان أن يجد له مكاناً في إحدى المنتجعات المصرية وربما في الخارج فهو يملك الثمن فيما يعلم الجميع, فالحلقة الأخيرة تحديداً الخميس الماضي (6/10) وهي بالمناسبة لم تكن حول انتصارات أكتوبر المجيدة التي تزامنت ذكراها مع بث الحلقة المذكورة, تؤكد بلا أدنى شكٍ أن الرجل قد دخل فعلاً في مرحلة الهذيان السياسي, وأن ما يخرج به علينا من على شاشة الجزيرة الموقرة ويجترحه لنا على أنه مذكرات, هو لا يعدو أن يكون مجرد كلام عجائز يقدم بالعامية لملء الفراغ أو (سد خانة) على الطريقة المصرية, فليست الحكمة دائماً في السن فأحياناً قد يكون النقيض هو الأصح.

وعليه .. فإن اللوم ¯ لكن ليس بحكم الطلاق !¯ لا يقع وفقاً للذي قلناهُ آنفاً على الأستاذ العجوز, مع أنه فيما يبدو (لاقي بالسباحة رباحة) بحسب المثل الشعبي الأردني, لكنها أولاً سباحة ضد حقائق الأمور وشواهد الأيام جغرفةً وتأريخاً سياسياً, بمعنى أنها ليست سباحة ضد التيار السياسي القومي تحديداً بل هي سباحة مع التيار السائد إعلامياً أيامنا هذه, ثم أنه لا(رباحة) هناك ولا ما يحزنون بدليل ما أسطره هاهنا من تحفظات على مقولة الحلقة برمتها حتى الرفض, حتى أنني لست أسبح في بحر الناقدين لهذه المذكرات بأن السمَّ فيها يكمن في الدسم, إذ لا أدري عن أي دسمٍ يتحدثون وأي دسم في الحلقة الأخيرة تحديداً إلا إذا جاءت المقولة هذه لمقتضى الحال?!

و بعدُ فما كاد الصحفي السابق/ العجوز اللاحق ينتهي من معركته الأخيرة, مع الإعلامي المصري(عماد الدين أديب) والتي ناصره فيها الكاتب المعروف(أسامة أنور عكاشة) على هامش الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة, حتى عاد في حلقة الخميس الماضي إلى معركة أخرى ضمن سلسلة معاركه ضد الهاشميين عبر هذه المذكرات الخرفة, ليخلط حابل التاريخ بنابل الجغرافيا ويضع بلح الشام مكان عنب اليمن, فهي المرة الأولى منذ حوالي ثماني عقود على حكم الهاشميين في سورية ثم العراق, التي نسمع فيها على لسان الحكواتي العجوز الذي يعتقد أن كل ما يقوله يجب أن يصبح مرجعاً تاريخياً مسلماً به يتداوله المؤرخون ويأخذ به الدارسون, عن خلافات كانت هناك أطلق عليها هذا الهيكل الشائخ وصف التحاسد والتسابق على الحكم, بين الشقيقين الهاشميين الملكين الراحلين عبدالله الأول وفيصل الأول طيب الله ثراهما, وهو بذلك يضرب بعرض الحائط الآلاف المؤلفة من الكتب والأبحاث والدراسات, التي توسم بالموسوعية على مدى ثماني عقود وتزيد في مكتبات وجامعات ومراكز بحث العواصم العربية وعواصم الغرب أيضاً وبخاصة لندن حيث مكتبة أكسفورد للتمثيل لا الحصر.

ومهما يكن من أمر هذه الفِرْية الهيكلية الجديدة .. المزعومة والخاسرة بالتالي, والتي لا تختلف عن سابقاتها شكلاً ومضموناً في سلسلة مواجهات هيكل السافرة ضد آل البيت المشرفين, هذا من جهة ومن جهة أخرى وقد تصديتُ للعجوز غير مرة شأن زملائي من الكتاب الأردنيين وبخاصة في السنين الثلاث الأخيرة, فلستُ هنا بمعرض الدفاع عن الهاشميين فالأطواد الشامخة في عليائها السامقة, ليس يزعجها تكاثر الطحلب على مشارف أقدامها الملتصقة بصخر الأرض كرواسي جبال الشراة في الجنوب الأشم.

ولعله .. فضلاً عن ذلك كله, ليس من الخوارق كشف هذا الخلط الخائب بين الوقائع التاريخية في المنطقة, وتحديداً في الربع الأول حتى النصف الأول من تاريخ المملكة الفيصلية فالعربية في دمشق ثم المملكة الهاشمية في بغداد, ثم بين المؤتمر الأول للحركة الصهيونية العالمية بمدينة(بازل) في (سويسرا) عام ,1897 والذي دعا إليه بحسب(عجاج نويهض) في كتابه(برتوكولات حكماء صهيون) الأب الروحي للحركة الصهيونية(ثيودور هيرتزل), وبين اللقاء الثاني الذي جمع بين هيرتزل وحاييم وايزمن عام ,1905 فكيف وافق الشهيد المؤسس عبدالله الأول طيب الله ثراه على الهجرات اليهودية بصفته ملكاً أو حتى أميراً لشرقي الأردن, مع أنه قدم إلى معان في طريقه إلى عمان عام 1921 كمحطة انطلاق نحو دمشق لتحريرها من الفرنسيين بعد سقوطها في معركة ميسلون عام ,1920 في حين أن الهجرات اليهودية قد بدأت في وقت مبكر جداً يؤرخ بعضهم بداياته منتصف القرن السابع عشر بإنشاء الحركة / الوكالة اليهودية للمدرسة الزراعية في حيفا, ومع ذلك وحتى تكون المقاربة أكثر انسجاماً نقول أن البدايات كانت بعد بازل 1897 أو إلى ترجمة قراراته كبداية للهجرة عام ,1905 وحتى لو كانت بعد وعد بلفور 1917 فالمسافة الزمنية بينه وبين عام 1921 هي لوحدها كفيلة بأن تكون رداً مانعاً, بإزاء هذا الخلط الخائب بين الوقائع وبالتالي كيل الاتهامات للملكين الشريفين طيب الله ثراهما.

نحن بدورنا هنا .. ختاماً, نخلط لكنه خلط منطقي مبني على المخرجات الواهنة آنفاً بين هيكل الستينات والسبعينات والثمانينات بل والتسعينات أيضاً, في مرحلتيّه الناصرية والساداتية بدراساته الموضوعية وتحليلاته الإستراتيجية والسياسية الموزونة صحفياً ووزيراً واستراتيجياً, وبين هيكل نهايات القرن وبدايات القرن الجديد الذي يجب أن يباشر بفكر جديد لا بتخاريف تلفزيونية بالعامية المصرية التي نحب قطعاً, يَهرفُ بها حتى ولكأنه أمام سُوقة من العوام بمقهى مصري قد يكون بحي الباطنية حيث(الجوزة لزوم القعدة) !, وإلا من أين أوتيت له هذه المغالطات حتى لا أقول حكمة محلل تجاوز الثمانين, لأن من أُوتيَ الحكمة فقد أُوتيَ خيراً كثيراً والحقيقة هي نقيض ذلك تماماً, ولسنا نسأل لأننا أوردنا بعض الأسباب ونعرف بعضها الآخر لماذا التطاول دائماً على الهاشميين ?, فها هم العرب جميعاً عام 2005 بعد ما يقرب من عقود ستة على احتلال فلسطين وأضف إليها مثلها على هجرات الصهاينة, أقول هاهم العرب بأقطارهم ال22 قطراً ومعهم الأمة الإسلامية بل والعالم أجمع, لم يستطيعوا أن يحرروا شبراً أو يفكوا أسيراً أو يمنعوا نقطة دم لطفل شهيد و..لن أزيد, ولعل القولةَ الفصلَ خطاب في ذلك كله هي النصيحة بين يدي الأستاذ هيكل, أن يغلق عليه باب بيته ويخلد في منتجعه الأنيق إلى تقاعد مريح له ولمشاهديه وهم بالمناسبة كثر, هم مشاهدو هذه القناة التي نحترم والتي لن يختلَّ ميزانها البرامجي بعد إذ وصلت إلى هذا المستوى السامق عربياً وعالمياً, لو كَفَتْ مشاهديها شرَّ هذا الغثيان التذكريّ / النوستالجيّ الشائخ الذي لا يخلو من هذيان سياسي!!!