يوسف أباالخيل


بينما كنت أشاهد إحدى حلقات برنامج «حجر الزاوية» الذي تبثه قناة الشرق الأوسط (mbc ) خلال شهر رمضان المبارك مع الشيخ «سلمان العودة» لفت نظري أنه في معرض تأصيله لحصر الجهاد الإسلامي في الجانب الدفاعي فقط كان يحاول توسيع مفهوم جهاد الدفع بشموله لمحاربة كل من يُشتم منه رائحة الاعتداء، وذلك بأن يتم مهاجمة الدول أو المجتمعات التي يتوقع منها أن تشن هجوماً على بلاد المسلمين لاحقاً وفقاً لما يحتمله حديثه - ضمنياً على الأقل - بحيث يتم استباق الحدث ومباغتة العدو في عقر داره قبل أن يتمكن من مباغتة المسلمين في عقر دارهم، ويكون ذلك بالطبع - وفقاً للمعطيات المعاصرة - اعتمادا على معلومات مسبقة - استخباراتية مثلاً - تفيد بأن تلك الدولة أو ذلك المجتمع قد قرر غزو بلاد المسلمين، فتكون مباغتتهم في عقر دارهم من باب جهاد الدفع لا جهاد الطلب باعتباره يصب في خانة استباق الهجوم على الديار ومن ثم فهذا الجهاد - وفقاً للشيخ سلمان - يحسب على باب المدافعة عن الأنفس والبلاد.
اعتمد الشيخ -في تقريره لهذه المسألة- القياس على أمرين:

أولهما: أن الولايات المتحدة الأمريكية - وفقاً لرأيه - عادة ما تبرر ما تقوم به من تدخلات هنا أوهناك العراق وأفغانستان مثلاً - بأنه من قبيل الدفاع عن الأمن الوطني الأمريكي، ومن ثم قياساً على هذه الأيديولوجية الأمريكية - وفقاً للنتيجة المتوخاة من قياسه - يكون من الضروري أيضاً للمسلمين تقدير ما إذا كان القيام بنوع من جهاد الطلب يعتبر ضرورياً لحماية البيضة الإسلامية باعتباره يصب في خانة الدفاع أساساً ولكن من زاوية خير وسيلة للدفاع هي الهجوم في حالات استبطان المباغتة من قبل العدو.

ثانيهما: أن كثيراً أو بعضاً - على الأقل - من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت استباقا لهجوم أو غزوٍ متوقع من تلك الأمم التي غزاها، وبالتالي يمكن أن يتخذ هذا دليلاً على جواز أو ربما وجوب المبادءة بالجهاد، ولكن تحت مفهوم الدفاع الاستباقي.

في تقديري أن الشيخ أخطأ في قياسه ونتيجته التي توصل إليها اعتمادا على القياس لأنه لا يسلم له في الأصل الذي قاس عليه ابتداء،، فمن ناحية القياس على الحجج الأمريكية لتبرير تدخلاتها العسكرية، فهو قياس باطل إذ إن ما بني على باطل فهو باطل بلا مثنوية، والشيخ نفسه يعرف ويعتقد جازماً أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست صادقة في سياق تبريرها غزوها العسكري للدول الأخرى بأنها من قبيل الدفاع عن النفس، على اعتبار أن ذلك يقع - على الأقل - في خانة الظنيات، إذ السؤال هنا كيف تأكدت الولايات المتحدة بشكل لا يقبل الجدل أن من غزت بلادهم كانوا يعدون العدة لغزوها، إضافة إلى أن مثل هذا الادعاء يفتح الباب واسعاً لكل من رأى في نفسه قدرة على الغزو ليتدخل بحجة الدفاع عن أمنه القومي، إلا إذا كان المقصود أنه طالما أن الولايات المتحدة الأمريكية تتذرع بمثل تلك الحجج لتبرير تدخلاتها العسكرية فمن باب أولى للمسلمين أن يقوموا بمثل تلك التدخلات باعتبارها نفاحاً عن الأمن القومي مثلها مثل الادعاءات الأمريكية، وبالطبع فإن هذا يمثل قياساً خطيراً ويفتح الباب واسعاً للتبريرات الأخرى التي طالما أدانت التفجيرات الإرهابية التي حصلت في بلادنا اداناتٍ انتهازية مبررة لها ضمنياً بربطها بالتجاوزات الأمريكية والإسرائيلية وهذا ما أربأ بالشيخ سلمان أن يتبناه أو يدعو إليه.

أما القياس على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في غزواته باعتبار أن بعضاً منها على الأقل كما قلنا سابقاً - وفقاً لرأي الشيخ - كان من باب جهاد الطلب المقصود به أساساً الدفع الاستباقي، فهو أشد في تقديري بعداً عن القياس الصحيح، إذ إن الرسول صلى الله عليه وسلم - وهذا ما يعتقده الشيخ في تقديري - ينطلق في أمور التشريع - ومنها أمور الجهاد - من الوحي الإلهي حيث إنه صلى الله عليه وسلم (لا ينطق عن الهوى) وبالتالي فطالما أنه عليه الصلاة والسلام غزا بعض الغزوات قاصداً من ورائها استباق هجوم عدوه المتربص به، فإن ذلك لم يكن في رأيي ناتجاً عن تخمين أو رصد مخابراتي قدر ما هو وحي من ربه عز وجل الذي لا يعلم الغيب إلا هو، مما يعني أنه كان على علم يقيني قطعي حينها أن أولئك الأقوام الذين غزاهم كانوا يعدون العدة لغزوه، يؤيد ذلك الآثار التي جاءت عن هديه صلى الله عليه وسلم في غزواته، منها ما جاء في مسند الإمام أحمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( لما فرغ من غزوة الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل فجاء جبريل عليه السلام فقال أوقد وضعتم السلاح؟ ما وضعنا أسلحتنا بعد، انهد إلى بني قريظة فقالت عائشة كأني أنظر إلى جبريل عليه السلام من خلل الباب قد عصب رأسه من الغبار )فهذا الخبر وإن كان ينبئ عن أمر الله تعالى له عليه الصلاة والسلام للخروج إلى بني قريظة لما نقضوا عهدهم معه وانضموا إلى تحالف القبائل القرشية في غزوهم للمدينة فيما عُرف بغزوة الأحزاب، إلا أنه يعطي دليلاً آخر مفاده أن غزواته صلى الله عليه وسلم كانت بتوجيه إلهي عن طريق الوحي، وهذا ما يؤخذ منه أن علمه بما كان أعداؤه يخططون له من الهجوم على مدينته وعلى العصبة المؤمنة معه يومئذٍ لم يكن إلا بوحيٍ إلهي، مما يضعف معه أية تخريجات استدلالية - قياساً على ذلك الهدي النبوي - لتشريع مثل هذه الحروب الاستباقية وحسابها على حرب الدفع، يضاف إلى ذلك أنني لست فيما أرى بحاجة إلى تذكير الشيخ بالظروف العصيبة التي نمر بها اليوم ونحن نرى الكثير من شبابنا وقد انساقوا مع كثير من الدعاوى الأيديولوجية للخروج إلى جهاد مزعوم في العراق وقبله في أفغانستان وكثير من المجاهيل والمغارات التي أصبحوا فيها بين قتيل لا يعرف مكان دفنه ومطارد لا يلبث من دعوه للقتال معهم أن يسلموه للمجهول فور استتباب الأوضاع في تلك الأماكن، ولنا في ما أعقب اتفاق «دايتون للسلام» الذي وضع أوزار الحرب في البوسنة خير عظة واستفادة، فقد باء الكثير من المقاتلين العرب هناك بسوء تقديرهم للأوضاع الحقيقية للحرب هناك عندما انطلت عليهم خدعة ممولي وتجار الحروب بدعوتهم لبذل أرواحهم هناك في حرب ليسوا طرفاً فيها، فقد اقتيد الكثير منهم وسلموا للقوات الدولية المرابطة هناك كجزءٍ من الوفاء بشروط تلك الاتفاقية التي أنهت الحرب هناك.

مما زاد في أمر الإشكالية التي ضمنها الشيخ حديثه الآنف الذكر أنه لم يربط مثل تلك الحرب الاستباقية على ضعف تخريجها بصلاحية الدولة أو الحاكم باعتبار أن الجهاد وهذا ما لا أظن الشيخ يجادل فيه شأن عام لا يجوز لآحاد الناس أو جمعهم تقرير أي شيء بشأنه، ولا أظنه يخفى عليه ما لمثل هذا التخريج من عاقبة غير محمودة على مجتمعنا ونحن لا زلنا نغالب الدعاوى التي تأتينا من هنا وهناك بأننا نشرعن للعنف، كما وتأتي مثل تلك الاستنتاجات غير الموفقة ونحن لا نزال نحاول تأصيل مفهوم الجهاد الحقيقي لشبابنا بأنه محصور في حماية الأوطان ورد العدوان فقط وما سواه فاعتداء صريح، والله تعالى يقول في كتابه العزيز {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} ولا أظن الشيخ إلا سباقاً إلى الرجوع إلى الحق وهو ما أتوقع أنه سيكون على شكل إيضاح منه يوضح موقفه الصحيح من مفهوم الجهاد.