الأربعاء: 23. 11. 2005
د. حسن مدن
قصدت مسقط، عاصمة سلطنة عمان الشقيقة، آتيا من أبوظبي. في قاعة الانتظار في مطار أبوظبي التقيت بالمصور البحريني البارز عبدالله الخان. والخان هو من أهم رواد التصوير الفوتوغرافي في البحرين، وبعدسته الذكية وثق مراحل مختلفة من تاريخ البلاد مسجلا أبرز وأهم أحداثها وشخوصها. وفي المجمع الثقافي في أبوظبي أقيم له مؤخرا، ضمن فعاليات أيام الثقافة البحرينية في الامارات معرض مهم عن “ذاكرة البحرين الحديثة”. في مطار أبوظبي حدثني عبدالله الخان عن انه رافق بعدسته مباحثات الاتحاد التساعي بين الامارات العربية، قبل قيام دولة الاتحاد، وهي مباحثات اشترك فيها كما يعرف الدارسون للتاريخ والمهتمون ومعاصرو تلك المرحلة، حكام البحرين وقطر إضافة الى حكام الامارات السبع. قبل ان يقر القرار على أن يتشكل الاتحاد من الامارات السبع وحدها، فيما اختارت البحرين وقطر إعلان استقلالهما كل على حدة.

وقال الخان: إن بحوزته ثروة من الصور عن تلك اللقاءات، وربما تمكن مستقبلا من عرضها في معرض.

وبعد أن عرف عبدالله الخان أن وجهتي عمان التي احتفلت خلال الأيام القليلة الماضية بعيدها الوطني الخامس والثلاثين بعروض عسكرية وطلابية وفنية منوعة، روى لي حكاية معبرة تجسد التاريخ المشترك بين بلدان الخليج، وجدتني أحكيها بدوري لأصدقائي العمانيين عندما وصلت مسقط. فالأديب والكاتب والمسؤول العماني الراحل عبدالله الطائي كان قد عمل مبكرا في البحرين مدرساً في مدارسها، وصادف أن عبدالله الخان بالذات وسواه من رجالات البحرين المعروفين اليوم كانوا تلاميذ في الصفوف التي علَّم فيها الطائي اللغة العربية. بعد ذلك بسنوات غادر عبدالله الطائي البحرين وعمل في الامارات ثم أصبح وزيراً في وطنه الأم عمان. في سنة من السنوات بعد مغادرته البحرين جاء عبدالله الطائي الى البحرين زائرا مع عائلته وأطفاله، وبالمصادفة المحضة التقاه عبدالله الخان عند أحد المواقع الآثارية المهمة في البلاد هي قلعة البحرين المطلة على البحر في شمالي البلاد، والتي عرفت في وقت من الأوقات باسم قلعة البرتغال نسبة الى فترة الاحتلال البرتغالي للبحرين والخليج، حيث استخدم البرتغاليون القلعة التي أقيمت في عهود سحيقة قبل مجيئهم. ما أن أبصر الطائي تلميذه المصور عبدالله الخان بكاميرته يصور مناظر من القلعة حتى طلب منه أن يلتقط له والعائلة صورة تذكارية هناك. يقول الخان: لم يكن قد تبقى في الكاميرا سوى لقطة واحدة هي الأخيرة فالتقطتها لأستاذي وعائلته وظلت هذه اللقطة عندي سنوات طويلة. وظل الطائي، عندما كان مقيما في الامارات يسأل عنها كلما التقاني أو التقى أحداً من معارفي، لكني كنت أنسى في كل مرة إيصالها له. الى أن توفاه الله الى جواره دون ان يرى الصورة.

بعد ذلك بسنوات سيذهب عبدالله الخان الى مسقط في مهمة تصوير، أحد معارفه في البحرين أعطاه رقم تلفون شخص قال له انه من عائلة الطائي، بوسعه الاتصال به عندما يصل مسقط فلعله يكون له مرشدا إذا ما احتاج الى مساعدة. أخذ الخان معه الصورة الأخيرة التي التقطها لأستاذه عند قلعة البحرين، وهاتف الرقم الذي كان معه، فأتاه رجل قدم له نفسه بأنه زوج ابنة عبدالله الطائي. حين أعطاه الخان الصورة تأملها بتأثر، وأشار الى طفلة صغيرة بجوار والدها في الصورة قائلا له: هذه الطفلة هي زوجتي الآن.

هذه الحكاية ظلت في بالي طوال الأيام الثلاثة التي قضيتها في مسقط، لأني وجدت فيها تكثيفاً رمزياً موحياً لتاريخ بلدان هذه المنطقة وأهلها، حرضت في نفسي مشاعر وذكريات حول الأواصر والوشائج التي تشدنا الى هذا البلد الطيب وأهله، وهو ما وجدت له تعبيرات أخرى وأنا في مسقط سأحكي عنها غداً.