رجاء النقاش


الاحتفال الكريم الكبير الذي أقامه المجلس الأعلي للثقافة تحت إشراف أمينه العام الدكتور جابر عصفور لشاعرنا أحمد عبدالمعطي حجازي كان تكريما للشاعر في عيد ميلاده السبعين‏,‏ ولكنه في تقديري حقق هدفا آخر ربما لم يخطط له أحد‏,‏ وهذا الهدف هو إعادة اكتشاف شاعرية حجازي‏,‏ فقد تعودنا علي وجود هذا الشاعر بيننا‏,‏ وأصبحت أشعاره مألوفة لنا‏,‏ وصرنا نكتفي بأن نقول إنه شاعر كبير‏,‏ وإن شعره هو من أجمل ما عرفه أدبنا المعاصر‏,‏ ومن أكثره تأثيرا في النفوس‏,‏ ومن أصدقه تعبيرا عن هذا الجيل من أجيال المصريين والعرب‏,‏ بكل ما حملوه من أحلام وما تعرضوا له من هزائم وانكسارات‏.‏

وهذا كله صحيح‏,‏ وقد أصبح من الأمور التي لا يكاد يختلف عليها اثنان‏,‏ وإن ظهر من يختلفون‏,‏ فهم قليلون‏,‏ ولا ينتقصون من هذا الإجماع الأدبي الكبير‏.‏ ولكن هذا الوضع أدي إلي ما يؤدي إليه الاجماع أحيانا من بعض النتائج السلبية‏.‏

فنحن لم نعد نتأمل هذه القوة الشعرية الكبيرة التي يمثلها حجازي‏,‏ ولم نعد نحاول إخراجها من متحفنا الشعري المعاصر من أجل أن تمشي في الأرض‏,‏ وتؤثر في الناس‏,‏ وبذلك يستطيع لسان العرب أن يردد ما في الأشعار الحجازية ـ نسبة إلي حجازي ـ من موسيقي بديعة‏,‏ وصور فنية عالية‏,‏ وحكمة وتجربة إنسانية‏,‏ والحقيقة أن حاجتنا إلي شعر مثل شعر حجازي اليوم ربما أكبر من حاجتنا إليه عندما أطلقه صاحبه في فضاء الفن والجمال لأول مرة ذلك لأن أشعار حجازي فيها حرارة تدعو إلي الحياة واقتحام المصاعب واحتمال الآلام والمتاعب‏,‏ فهو من الشعراء الذين ينادون بجرأة القلب والشجاعة علي الحياة‏,‏ وليس من الشعراء الذين يهربون من الواقع ويدعون غيرهم في أشعارهم إلي الهروب باعتباره شاطئ النجاة‏,‏ والحل الوحيد للحصول علي السعادة وراحة البال‏.‏

شعر حجازي شعر مؤثر قوي‏,‏ بجماله الفني ونبض الحياة فيه‏,‏ ولعله بعد الاحتفال الأخير أن ينطلق من جديد بين الناس‏,‏ وأن يصبح في أيدي الجميع وفي كل مكان‏.‏

وفي ظل هذا المعني من معاني إعادة الاكتشاف أحب أن أقف اليوم مع إحدي قصائد حجازي‏,‏ التي أراها قصيدة بالغة الأهمية‏,‏ وقد كتب حجازي هذه القصيدة من سنة‏1958,‏ وكان في الثالثة والعشرين من عمره‏,‏ حيث إنه من مواليد‏1935.‏

والحديث عن هذه القصيدة لابد له من مقدمات‏,‏ وإلا أصبحت القصيدة‏,‏ أو بعض أجزائها علي الأقل‏,‏ غريبة وغير مفهومة علي الوجه الصحيح‏,‏ بل قد تبدو القصيدة علي عكس حقيقتها تماما مليئة بالزهو والغرور والعدوان علي الآخرين‏.‏

هذه القصيدة هي قصيدة دفاع عن الكلمة وهي من قصائد ديوان حجازي الأول مدينة بلا قلب الصادر لأول مرة في بيروت سنة‏1959.‏

لهذه القصيدة مناسبة‏,‏ وقد تكون الذاكرة الأدبية قد نسيتها‏,‏ ولكن الذين عاصروا هذه المناسبة مثلي لا يمكنهم نسيانها أبدا‏,‏ وقد جاءت قصيدة حجازي لتستخرج أعمق مافي هذه المناسبة وأصفي ما يستحق البقاء منها حيا مؤثرا في النفس والضمير رغم مرور الأيام‏.‏

المناسبة هي أن الناقد الكبير الرائد الدكتور محمد مندور قد كتب مقالا في جريدة الشعب التي كانت تصدر في ذلك الوقت ـ سنة‏1958‏ ـ بالقاهرة‏,‏ وفي هذا المقال يوجه مندور نقدا إلي رواية طريق العودة للكاتب والأديب الكبير يوسف السباعي وكان السباعي أيامها أقوي أدباء مصر نفوذا وسلطانا واقترابا من رجال ثورة يوليو الذين كانوا هم الحاكمين بأمرهم وأصحاب الكلمة العليا في مصر في تلك الأيام‏.‏

وكنا جميعا‏,‏ نحن شباب الأدب والصحافة في ذلك الوقت‏,‏ نخاف من يوسف السباعي ومن نفوذه الهائل‏,‏ ولذلك كان الذين يشتغلون بالنقد مثلي‏,‏ لا يحاولون الاقتراب من أدب يوسف السباعي بخير أو بشر‏,‏ فقد تفلت كلمة نقد هنا أو هناك فتطير فيها رءوس وتنغلق أبواب ويتعرض صاحب النقد للهلاك‏.‏ أو هكذا كنا نظن‏,‏ وربما كنا ظالمين ليوسف السباعي‏,‏ وكان في موقفنا بعض التجني عليه‏,‏ ولكننا كنا نسمع ما يقال عن السباعي‏,‏ ونأخذه مأخذ الجد واليقين‏,‏ وهو أنه إذا صادق وأحب أعطي بغير حساب‏,‏ وإذا خاصم وعادي فإنه لا يرحم‏.‏

نحن الشبان الصغار في ذلك الوقت آثرنا الغناء في العراء‏,‏ بعيدا عن أهل النفوذ والسلطان‏,‏ وهربنا من سيف يوسف السباعي وذهبه ولكن مندور كان عملاقا أدبيا وثقافيا‏,‏ وكان صاحب شخصية وطنية يحسب لها الجميع ألف حساب‏.‏

فإذا كنا نحن نخاف من السباعي أو غيره‏,‏ فإن العملاق مندور لم يكن يخاف من أحد‏,‏ فقد تخطي بتاريخه ومكانته الأدبية تلك المرحلة التي يخاف فيها بعض الناس من بعض الناس‏.‏

لذلك كله تجرأ مندور علي نقد رواية السباعي طريق العودة وكان موضوعها حرب فلسطين‏,‏ وكانت هذه الرواية هي أحدث روايات السباعي في ذلك الحين‏,‏ وقد قام مندور بطريقته النقدية الصريحة الواضحة بنقد الرواية والكشف عن سلبياتها الفنية والفكرية‏.‏

وكان مندور رجلا وديعا‏,‏ عف اللسان‏,‏ هامس الصوت‏,‏ لا يجرح أحدا ولا يخرج أبدا علي الذوق الرفيع في أي نقد له ضد أديب أو ضد عمل أدبي‏,‏ بل إن أسلوب مندور في النقد كان يوحي دائما بالتحضر والتهذيب والرقي والمجادلة بالحسني حتي في أشد لحظات الاختلاف‏.‏

مندور ـ كناقد ـ لم يكن راضيا عن رواية طريق العودة‏,‏ وقد عبر عن ذلك بأسلوبه السهل البسيط البعيد كل البعد عن الإسفاف‏.‏ وقد يكون مندور مصيبا في نقده أو لا يكون‏,‏ والرد علي هذا الرأي ممكن‏,‏ بل هو واجب إذا كان هناك من يتحمسون لرأي مخالف لرأي مندور‏.‏

ولكن الذي حدث كان شيئا غريبا جدا‏,‏ فبعد أيام من نشر مندور‏,‏ ظهر مقال في جريدة الشعب نفسها للأديب والشاعر الكبير عبدالرحمن الشرقاوي‏.‏

والشرقاوي صاحب قلم جبار‏,‏ وهو من كبار النابغين في أدبنا المعاصر‏,‏ والشرقاوي يملك أيضا قدرة عجيبة علي الهجاء إذا أطلق لقلمه العنان‏,‏ ويمكن الرجوع إلي مسرحياته الشعرية الشهيرة مثل الفتي مهران وجميلة والحسين‏,‏ وفي هذه المسرحيات فإننا نستطيع الوقوف ـ بسهولة ـ أمام مقاطع فيها هجاء بالغ القسوة لبعض المواقف وبعض الشخصيات‏,‏ وهذا ما يؤكد صحة ما ذهبت إليه من أن الشرقاوي كان صاحب موهبة هجائية غير محدودة‏.‏

كتب الشرقاوي في مقاله تعليقا علي نقد مندور لرواية السباعي‏,‏ وإذا بالمقال يمتلئ بالتجريح لمندور وسبه وشتمه وإنذاره بسوء المصير‏!.‏

ياللهول‏!‏
لقد اهتزت ضمائرنا وامتلأت قلوبنا حزنا مما قرأناه‏.‏
كيف يمكن أن تكون هذه القسوة لغة في الحوار؟ وكيف يحدث كل هذا التجني علي عملاق مثل مندور؟ وممن؟ من الشرقاوي الذي كنا ننظر إليه علي أنه من زعماء الأدب الوطني الجديد الذي يتعاطف مع مشاكل الناس الحقيقية ويجعل منها مادة للأدب الجميل والمسئول‏.‏

إنني أحب الشرقاوي ودراساته ورواياته وأشعاره ومسرحياته‏,‏ ولكنني عندما قرأت مقاله ضد مندور استنكرت هذه الطريقة التهديدية في الكتابة والحوار والتعامل غير الجميل بين الأدباء والمفكرين‏.‏ وكنا أيامها نتحدث عن المكارثية في أمريكا‏,‏ وهي التي أرعبت الأدباء والفنانين‏,‏ وأدخلت بعضهم إلي السجون‏,‏ وأسكتت الكثيرين فلم يعودوا ينطقون‏,‏ وخرج آخرون من أمريكا مطرودين‏,‏ ومنهم شارلي شابلن وبريخت وغيرهما من أعلام الفن والفكر في القرن العشرين‏.‏

وقد تألم مندور كثيرا من مقال الشرقاوي‏,‏ ولكنه ـ فيما أذكر ـ سكت عنه تعففا ولم يرد عليه‏.‏ ولكن المسألة لم تعد مسألة رواية أو نقد لهذه الرواية‏,‏ بل أصبحت مسألة تقوم علي إرهاب الأدباء والمفكرين وإشاعة الخوف بينهم وتهديدهم في حريتهم وكرامتهم وأمنهم وأرزاقهم جميعا‏.‏

كان مقال الشرقاوي مخيفا لنا جميعا‏,‏ وقد قلنا عنه فيما بيننا إنه نوع من المكارثية وأطلق عليه بعضنا ـ من باب المزاح ـ اسم الشرقاوية علي وزن قريب من المكارثية‏,‏ وقد اندهشنا جميعا من صدور هذا المقال عن كاتب كبير محبوب وموهوب وصاحب سمعة وطنية عالية مثل الشرقاوي‏.‏

هنا وقف حجازي الشاعر الصاعد الواعد ابن الثالثة والعشرين‏,‏ والذي لم يكن يملك شيئا علي الاطلاق غير موهبته فكتب ما يصح أن نعتبره ميثاق شرف لكل الشعراء‏,‏ وكل أصحاب الأفكار في كل العصور‏,‏ وذلك في قصيدته الفريدة الرائعة دفاع عن الكلمة والتي أرجو أن تكون موضوع وقفتنا الأخيرة هنا مع حجازي وشعره في الأسبوع القادم إن شاء الله‏.‏