لن تنتظر من زوجة مولهة بزوجها أن تقول شيئا يقلل من صورته ، لذلك فلم اندهش من حديث «فتيحة محمد الطاهر حسني» عن زوجها عبد الكريم المجاطي.

هذه المرأة، في حوارها المثير الذي نشرته «الشرق الاوسط» الاسبوع الفارط ، لم تتكلم كلاما عابرا عن رجل عابر . انها زوجة «اسامة بن لادن المغرب» كما أطلق عليه من قبل المتأملين في مسيرة عبد الكريم او «كريم» التهامي المجاطي . ابو الياس او ابو بشير، حسب تقلبات الليل والنهار ، وما تلونه به الاماكن التي يحل بها.

الزوجة المؤمنة بأفكار زوجها طافت يمينا وشمالا وصوّرته بعفوية وكأنه جاء إلى عالم العنف الاصولي من قبيل الصدفة او ما يشبه الصدفة !

ربما قبلنا هذا التصوير المفعم بالبراءة والخيرية ، في مقابل تصوير «الاشرار» الذين يريدون تلطيخ بياض الزوج ، لو كان حديث زوجة فقط ، غير أنها تنطحت للتأريخ ، وغيرت في الوقائع ، وأخفت اشياء وأبرزت اشياء ، حتى تكتمل اللوحة المطلوب بروزها وفق اخراج فتيحة، الزوجة المؤمنة بزوجها .

لندخل في صلب الموضوع. عبد الكريم المجاطي، وفي تلخيص شديد ، هو شاب مغربي ينتمي الى طبقة حسنة الحال ، ولد عام 1968 بالدار البيضاء من اب مغربي يشتغل بالتجارة ، وام فرنسية تعمل في التجميل ، حصل على شهادة البكالوريا عام 1986 بثانوية ليوطي في المغرب. وحسب معلومات صحافية ، فإن هذه المدرسة يدرس بها ابناء الطبقة الميسورة المغربية، ويقال إنه تعلم فيها الانجليزية ، بالاضافة للفرنسية بطبيعة الحال.

ثم ، وفي لحظات اختلف فيها ، بدأ بالتحول التدريجي الى الاصولية ، ومارس العمل العسكري في حرب البوسنة. وبعد جملة محطات ، تحول الى عنصر ارهابي فاعل ومطلوب لدى أكثر من جهة امنية في العالم : السعودية ، والمغرب واميركا واسبانيا ، فله في كل عرس ارهابي «قرص»، كما يقال . الاسبان كانوا يبحثون عنه على خلفية تفجيرات 11 مارس في مدريد ، والاميركان ادرجوه على قوائمهم ، والمغاربة اجتهدوا كثيرا في التفتيش عنه ، والسعوديون كرروا نشر صوره حتى صار اشهر من نجوم كرة القدم .

فتيحة ، زوجة المجاطي ، تقول واصفة لحظة تحول المجاطي، مانحة نفسها دور التكوين والخلق الثاني للمجاطي ، فهي تكبره بسبع سنوات ، وفي لغة ممزوجة بين الامومة والهيام على تطرف فكري مخيف وقابع في عمق المفردات :«كنت أنا السبب في أن يعود المجاطي إلى الإسلام، لأننا قبل هذا الحادث كنا مسلمين بالوراثة ، ولم نكن نعرف أشياء كثيرة عن ديننا».

وسنتجاوز هذه اللغة التكفيرية الواضحة المتقطرة في فمها من ضرع الخطاب الاصولي الانقلابي ، ونتوقف عند قولها مجيبة على كيفية تعرف زوجها على (الجهاد) :«في أواخر عام 1991 سافرنا إلى باريس لمدة شهر، فحضرنا هناك مؤتمرا إسلاميا (...) ، وتزامن ذلك مع بداية حرب البوسنة التي أثرت في زوجي كثيرا».

ويبدو أن التأثر لم يقف عند الحد العاطفي، فبعد فترة قليلة شد الزوج الرحال الى البوسنة للانضمام فعليا الى صفوف المقاتلين ، وتقول زوجة المجاطي ، ان مصدر التأثير المباشر على زوجها كان من خلال «الشيخ سعد البريك وعبد الله عزام» .. الاول هو واعظ وخطيب سعودي ، والثاني اشهر من ان يعرف ، فهو الاخواني الفلسطيني الدكتور عبد الله عزام «الاب الروحي» للافغان العرب.

لكن اصرار الزوجة على ان ذهاب المجاطي الى البوسنة لم يكن مرتبا، وانه ذهب من تلقاء نفسه، امر يشق على التصديق، فمن «جهّزه» ؟ ومن نسّق معه ؟ ومن استقبله ؟ ، ومن مرّره ....الخ ؟ وهذا النهج التبسيطي والروح العفوية التي تحاول زوجة المجاطي اضفاءها على تصرفاته ملحوظة في كل الحوار المشوق ، فمثلا تقول عن حقيقة علاقته بالمقاتلين العرب في البوسنة :«لا، لأن البوسنة كان بها مجاهدون أوروبيون مسلمون».

ولا ادري هل تعرف، او تحاول ان لا تعرف ، ان البوسنة في حربها كانت تعج بالمقاتلين والمتطوعين العرب من كل حدب وصوب ، فهل كان المجاطي بمعزل عن هؤلاء كلهم ، وجالساً مع بضعة مسلمين ، شقر الشعور ، زرق العيون ، في تلة نائية من تلال البوسنة ؟!

طبعا المجاطي اصبح ضالعا في عالم العسكرية الاصولية منذ منتصف التسعينات تقريبا، وقد تردد على افغانستان اكثر من مرة في هذه المرحلة، باعتراف الزوجة نفسها التي تحدثت عن زياراته الغامضة لاميركا، والتي اقلقت الاميركان .

تقول إنه توجه لمدنية نيوجيرسي في حدود عام 1997 ، ثم غادر لوحده الى افغانستان، المؤكد أن هذه المرحلة هي التي شهدت صعود مد طالبان ، ومعها جماعة بن لادن ، الذي كان قد استقر اصلا في ضيافة طالبان منذ 1996 بعد مغادرة السودان ، اي ان الاجواء كلها كانت مثل الاسفنجة المحتقنة بماء يوشك ان ينفجر ... وقد كان. وتمددت خطاطيف القاعدة متجاوزة جبال الهندوكوش وصحاري قندهار منفذة تفجيري سفارتي اميركا في نيروبي ودار السلام (1998) ، ثم تفجير المدمرة كول في ساحل اليمن ( اكتوبر 2000) .

فهل كان المجاطي لا يتنفس هذه الاجواء ، او لا يشرب من هذه الغدران ، لتقول لنا زوجته عن علاقته بالقاعدة ، وهو الذي كان في قندهار، عاصمة طالبان، وقبيل أيام قليلة من هجمات 11 سبتمبر، إن زوجها لم تكن له علاقة ابدا بتنظيم القاعدة ، وأنه نزل على ضيافتهم .. هكذا.. ! إلا اذا كانت القاعدة سمحة وسهلة ومضيافة الى درجة ان تستقبل عنصرا ليس منها ، وتجلسه في عشها الحصين ، وقبيل ايام من «عملية العمر» ... مسألة صعبة التصديق، اليس كذلك ؟!

مغالطة اخرى قالتها ، وهي علاقة المجاطي بالزرقاوي ، فالمرأة تتحدث عن كيفية دخولها مع زوجها واسرتهما الصغيرة الى افغانستان ، عن طريق مدينة مشهد الايرانية المقابلة لحدود افغانستان الغربية ، وتحديدا مدينة هيرات الشيعية الافغانية ، لكنها في حينها كانت خاضعة لهيمنة طالبان. الزوجة تؤرخ بداية الرحلة من المغرب باتجاه افغاستان بـ17 يوليو 2001 ، وبعد تعطل في بعض المحطات المتعددة بضعة اسابيع ، وصلت الاسرة الى مدينة هيرات الافغانية ، اي قبل شهر واحد تقريبا من شهر سبتمبر 2001 .

ومدينة هيرات، في هذه المرحلة بالذات ، كانت تحتضن معسكر ابي مصعب الزرقاوي وتنظيمه «جند الشام»، وكان الغرض من هذا التجمع البعيد عن عمق طالبان في الجنوب الافغاني ، خلق قاعدة اخرى للافغان العرب واسرهم على حدود ايران . فهل من المعقول ان تمر «اسرة» المجاطي مرور الكرام بدون ان تتوقف ولو لأيام على الاقل في مدينة «الزرقاوي لاند» في هيرات ؟! . فهي تقول عن علاقته بالزرقاوي: «في حدود علمي لم تكن لزوجي علاقة بأبي مصعب الزرقاوي عندما تركته في السعودية»، فلماذا تجاهلت محطة هيرات المهمة، وأرادت أن توهمنا بأن الزرقاوي لم يثر اهتمام المجاطي ابدا ؟!

ومن الاسئلة التي لم تجب عليها الزوجة ، السؤال عن محطة بنغلاديش بعد الهروب الكبير ، او «الانسياح» ، الذي قام به المقاتلون العرب في افغانستان بعد انهيار حكم طالبان ، حسبما شرح سيف العدل في شهادته الهامة التي اشرنا اليها سابقا ، وهي تقول عن خروجهما من «جنة» طالبان ، التي بكت عليها بحرقة ، إنها توجهت مع زوجها الى بنغلاديش كمحطة توقف ، تمهيدا للذهاب الى تركيا ، ولكن: «قدر الله أن نذهب الى بنغلاديش من أجل المكوث بها مدة أسبوع ، فبقينا عشرة اشهر».

حسناً .. خلال العشرة اشهر هذه، والتي تعترف فيها صراحة بغرابتهم بين السكان ، كون زوجها «الابيض الوسيم الجسيم» مثيرا للانتباه بين السكان السمر القصار النحاف : كيف تدبرت الاسرة الغريبة امرها ؟!

إنها في النهاية اسئلة وملاحظات لا نريد من ورائها الا تصويب الامور، وتصحيح الرواية ، حتى لا تلقي عاطفة الحب الزوجي بوشاحها على عيون الواقع .

للسيدة فتيحة ان تقول ما تشاء ، وقد نأخذ بعضه مما لا يمكن ان يعرفه الا هي ، ولكن حينما يكون هناك على الواقع شهود اخرون ، فلتسمح لنا حليلة المجاطي بأن نضع روايتها في مرتبة متأخرة ، او في أحسن الاحوال ، مساوية للروايات الاخرى ، حتى لا تهب علينا عاصفة الخداع مرتين : الاولى في الواقع ، والثانية في روايته ! وكم هبت علينا هذه العواصف ... وما زالت .

في الختام كم نتمنى حياة سعيدة وسالمة من أورام الاصولية الفكرية لابن المجاطي الصغير ، الذي بقي للزوجة المكلومة، بعد مقتل الكبير مع ابيه في عملية الرس الشهيرة في السعودية ، نتمنى للام ايضا هذه السلامة..

[email protected]