المدى: الأربعاء: 06 . 07 . 2005

وجدتها في جبل آزمار خمسة وجوه ضائعة للعراق

اولاً: سلطة تحرس حزام الأمان
حين لا تسمع منبه سيارات الشرطة او قرقعة رصاص عشوائي يريد فتح طريق مستحيل داخل شارع مزدحم كي يفسح مجالاً لمسؤول او رتل عسكري، ستدرك انك خارج دائرة التوتر العراقية، لست في بغداد بالتأكيد ومن المستبعد ان تكون البصرة او كركوك فضلاً عن الموصل والرمادي أو..
هذا ما كان يردده سائق كردي رداً على تساؤلي: هل غادرنا السليمانية ؟
اجهزة الدولة في هذه المدينة لا تعلن عن وجودها بأزيز الرصاص، فقد شعرت بوجود الدولة حين بلغنا اول تقاطع مروري في شارع "سالم"، شرطي المرور الأنيق نظر الى لوحة سيارتنا "فحص بغداد" فتبددت علامات الامتعاض من وجهه حيث ادرك السر في عدم وضعنا لحزام الأمان"اهلا بكم" في السليمانية تذكروا دائماً وضع حزام الامان". انه ابرز شكل التقيه في السليمانية لأجهزة الدولة التي تعلن عن نفسها حارساً لنظام الامان او "حزام الأمان"، هل بدا لي ان ثمة فرقاً كبيرا بين "الأمان" وهو تواصل لاستقرار عام يشارك الجميع في إرسائه، و "الامن" الذي هو فعل السلطة حين تريد الخروج من مأزقها؟
مديرية الأمن يسمونها في السليمانية مديرية الاسايش، وتعني حرفياً في اللغات الآرية "الهدوء"، هو اذن تواصل لسكينة عامة بعيداً عن دلالة القسر والزجر في كلمة "أمن" وكلها على وزن صرفي واحد "فعْل" بتسكين العين. السلطة تزجرك وتقسرك وتؤمّنك (تجعلك أميناً او مؤمّنا، بتشديد الميم من دون ان تستشعر الأمان بالضرورة!) وتاريخ السلطة هو ممارسة الزجر والقسر والأمن (يحيل هذا التأويل الى صورة يتحول فيها المواطنون الى مسدسات جرى تأمينها، يقول لك الضابط في نوبة الحراسة أمّن سلاحك).
ان هذا التأويل الذي لا يخفي تحذلقه هو تعبير عفوي عن التوتر الهائل الذي نعيشه منذ شهور في بغداد، ومحاولة السلطة "تأميننا نحن المواطنين، بينما الطمأنينة في مدينة السليمانية تجعلنا نشعر بالأمان وحسب (فهناك مديرية للآسايش= الهدوء).
ثانياً: كاك حمه ووادي لاسفيغاس
رحلتي الى السليمانية كانت رحيلاً نحو الجبل، اريد ان ارى العالم من نقطة مرتفعة حين احتفل مع زوجتي بذكرى لقائنا الاول (بعيداً عن الشحنة اللاهوتية في حدث "زواجنا") ركام الصخور العنيدة يشمخ بإهاب صمت ازلي، الطيبة التي وجدتها لدى الكاتب والمثقف الكردي "حمه= احمد" وزميله "ريبين= مهتدي" الناقد المولع بجاك دريدا، ظاهرة سميتها الطيبة العنيدة، شبيهة بعناد الجبل. ساعات عديدة امضيتها متوسلاً بالصديقين كي يذهبا الى عملهما من دون جدوى فقد أصرا على ملازمتي: انت غريب ولابد لك من دليل يرشدك الى دهاليز المدينة واسرارها.
حدثني "ريبين" عن غرفته المليئة بالكتب: كاكا دعنا نترك الجبل وشأنه ونذهب الى "الغرفة" لقد امضيت سنوات طويلة في البيشمركة على هذه القمم، كانت مقراتنا هنا وترى كيف تحولت اليوم الى منتجعات ومصائف. ريبين يحب غرفته، يتمسك بها بعناد، هذه سمة المفاوض الكردي: "لا نريد ان نفقد ما حققناه اليوم في كردستان، مخاوفنا تزداد كلما تطورت السليمانية وازدهرت، نريد ضمان عدم تكرار مآسي الماضي، ألسنا على حق في خوفنا من جور المركز؟

آلاف الاهالي كانوا بيشمركة (فدائيين) يناضلون من اجل حقوقهم، امضوا وقتاً طويلاً على الجبل وهم يحنون الى المدينة، التي تشبه حين تنظر اليها من قمة جبل آزمار موكباً من الانوار والاضواء المتحركة والثابتة، يتجول في وادي السليمانية المتعرج، انه مشهد لاسفيغاسي بامتياز .. هكذا وصفه سائح امريكي كان يقف بقربي وانا التقط صورة للمنحدر. تجاوزت الساعة منتصف الليل والشارع المعبد ذو المنحدرات الحادة مزدحم بسيارات حديثة تحكي نعمة أهل المدينة، تمشي بانتظام وتطوق آزمار من القاعدة حتى القمة صعوداً نحو الكازينوهات وهبوطاً نحو دفق الضوء الرائع، فتيات وفتيان متأنقون يغنون مبتهجين في طوابير السيارات المتلامعة، كل شبر على السفح يتحول الى كازينو حين تفترش الارض عائلة كردية تشرب وتتهامس وتغني انهم يرسمون شكل المدينة بالمرح الجماعي والدبكات الكردية المميزة.

ثالثاً: مدن الموجات المتعددة
قال لي الزميل احمد هاشم ونحن نتجول في مصيف سرجنار وهو غابة ممتدة على مسافة طويلة تتركز فيها عيون الماء والشلالات الصغيرة وعند كل عين مطعم ومشرب ونسيم وموسيقى كردية وعربية او مواويل فارسية وتركية او غناء غربي: طالما وصفنا الاكراد هنا بانهم يعملون وفق عدة موجات، فهم يتكلمون او يفهمون ويتذوقون كل اللغات التي تشيع في محيطهم الوطني والإقليمي، الكاتب كاك حمه كان يتحدث العربية بطلاقة معتزاً بلغته الكردية ويترجم عن الفارسية والتركية (هو كردي من كركوك مقيم في السليمانية) كما يتعامل بالإنجليزية. تتلاقح الثقافات وتثري تجربة المدينة. هذا ما تلمحه في جايخانه شعب (مقهى الشعب) العريقة.

الموجات المتعددة لغويا جعلت المنجز الثقافي الكردي يتطور في أجواء فكر علماني متحرر، فهو يتواصل مع أجيال الشعر العراقي الحديث، وفي الفكر هناك اهتمام بمدرسة النقد الفرنسي التي تروق للعرب، واتجاهات العقلانية الألمانية والهرمنيوطيقا الجرمانية التي يولع بها الإيرانيون، الى جانب حرص كردي على متابعة المفكرين الاتراك وتجربة الدولة الحديثة التي خاضوها وهي تتطلع الى أوروبا ما وراء مضيق البوسفور. مؤسسة سردم "العصر" التي يرأسها الشاعر الكردي الشهير سيركو بيكاس "أسد الجبل" . تصدر عدداً من المجلات المتخصصة أحداها "سردم العربي" التي تطمح الى ان تكون جسراً للتواصل مع الثقافة العربية ويرأس تحريرها القاص الكردي رؤوف بيكرد ويعمل فيها عدد من المثقفين الشباب الذين تحدثوا لنا بلطف شديد عن أسئلتهم وهمومهم. هناك وزارة الثقافة الكردية التي تنشط في اصدار العناوين الثقافية ولديها سلسلة تراجم بعضها من العربية، كما ترجموا كتب محمد أركون وسواه من المفكرين الكبار. كاك حمه رشيد يترجم الان كتاب حنه ارنت الامريكية من اصل الماني"أسس التوتاليتارية" متمنياً ان لا تقع امته تحت حكم شمولي او فاشي جديد، بعد ان ترجم قبل اعوام كتاب كنعان مكية "القسوة والصمت" في فضح دكتاتورنا السابق.

رابعاً: الحلاج ونبيذ من اسبانيا
تجولنا في دوكان، المرتفعات المحيطة بالسد الكبير والبحيرة ومولدات الطاقة التي تحول تيارات المياه الى كهرباء، قرى سياحية وشوارع مليئة بالحوانيت والمطاعم، جامع يؤمه المصلون شيده تاجر في نتوء صخري جميل، تقابله حوانيت تبيع كل شيء، المارة يشترون منها انواع الخمرة، لك الخيار في احتساء نبيذ او الدخول الى الجامع للصلاة، هنا يبيعون اشرطة القرآن وأذكار الدراويش وكتب المشايخ وصور الاولياء، وحين تتقدم بضع خطوات تنصت الى "سارة برايتمن" وهي تصدح بأغنية حريم المستوحاة من الف ليلة، وهناك موسيقى الجاز وأغنية لرياض احمد عن العراق، ستسمع هناك الإيرانية كوكوش تغني وطناً ضائعاً استولى عليه كهنة ولاية الفقيه. المرأة في هذه المدينة قوية يكن لها الأكراد احتراماً عميقاً، وتشارك في وضع لمسات الحداثة على المشهد الخلاب.

في السليمانية لا يمكن للعين ان تخطئ القاعدة العلمانية التي تقوم عليها الحياة في المدينة، قيصر مشغول بالرعية والعمران يلبس ربطة العنق ويتذكر مبادئ مونتسكيو وجون ستيوارت مل، المواطنون يتفاخرون بحقوقهم وحرياتهم الشخصية،والتدين خيار لمن اراد، رجل الدين في السليمانية أشبه بالحلاج منه الى الكاهن التقليدي الذي يروق له احياناً ان يسوق الناس الى الفردوس بالسياط والسلاسل. ما هو السر الذي جعل السليمانية تحتفظ من دون غيرها من المدن الأكثر عراقة، بقاعدة علمانية يتعايش فيها الأيمان والحرية من دون استفزاز؟ لا ادري بالضبط لكن النخبة الكردية هناك تقول ان السليمانية مدينة بلا تاريخ حديثة التأسيس، تتحرك بمعزل عن اعباء الهويات العريقة التي يمكن ان ترهق الاجيال المعاصرة بالتزامات سلالاتها: نحن الذين نصنع كل يوم هوية المدينة من دون مقدس او طوطم ربما يجعل سوانا يخشى الاندماج السلس في حركة التاريخ الراهنة وقيمها المعولمة. ليس هناك مقدس، كاك ريبين ورفاقه نقاد مشاغبون ورصينون يحررون جريدة هاولاتي الأكثر انتشاراً في كردستان، تنتقد كل شيء حتى "العم جلال"، ننتقدهم جميعاً ونؤمن بان الاصلاح السياسي لن يتوقف، لكننا ندعمهم بالكامل وهم يحاولون انتزاع حقوق الامة الكردية. ان صناع القرار هنا متعلمون علمانيون لا نجد صعوبة في التعامل معهم.

خامساً: احذروا الفنان الفاشل
رأيت الأطفال يغرسون الورود الحمر امام منازلهم ويتعلمون عزف البيانو، طفل كردي قال لي بعربية ملكونة: " أبكي على بغداد، والدي حدثني عن مدينة جميلة، لكنني لم اعرفها سوى خبر حزين تتناقله الأنباء، لماذا يموت الناس في بغداد؟"
تساءلت انا : لماذا يموت كل شيء في بغداد ومدننا الاخرى؟
اذا كان الحديث عن المدن ليس وصفاً للمكان، حيث تنشغل قوانين الطبيعة منذ زمن طويل بصناعة الامكنة وتعديلها او تخريبها، فان المدينة مخلوقة على يد البشر التي تتدخل لتعديل الطبيعة وتحويرها، انها مشغل او محترف كبير لفنون الانسانية ، وقد تحدثت هنا عن فنانين في السليمانية لا يمكن وصفهم بالفشل الذي يمارسه كل يوم فنانون غير محترفين في مدننا الاخرى.
أردت هنا ان انبه وحسب الى صورة مجهولة لنا وتجربة لم نطلع عليها حين انشغلنا باتهام الاكراد بالانفصال والاصطفاف القومي. تحدثت مع الإعلاميين كاك آوات وكاك فاضل صحبت عن مشروع فيلم وثائقي افكر فيه يتولى التعريف بتجربة السليمانية المجهولة، او رحلة البحث عن خمسة وجوه ضائعة للعراق. وما يهمني بالدرجة الاولى ليس هو النظام المروري المتطور او الدولة التي تعلن عن نفسها حارساً لحزام الامان او حركة البناء الواسعة.. الخ، بل الدلالات السياسية والاجتماعية للتعايش الملفت للنظر في السليمانية، لأتساءل: لماذا يموت كل شيء في بغداد، ما الضير في ان نكون مثل السليمانية؟

وكي لا يتحسس البعض حين يتصور انني ادعو الى تعميم نموذج الاكراد لعرب العراق ومدنهم، اجدني حريصاً هنا على التنبيه الى ان السليمانية كما احسب، استطاعت بفضل اقصائها لفناني العمران المدني الفاشلين، ان تحتفظ بارث عراقي عريق يتمثل بتقاليد التعايش والتسامح وبهجة الحياة، بينما استبيحت مدننا الاخرى بموجات تسلق بعضها اسوار بغداد وقوض الآخر اسوار البصرة والموصل و.. فجعلها مرتهنة بهوية غريبة لم يعرفها تاريخ المدينة العراقية. ان التعايش والانفتاح الذي رأيته في السليمانية يبدو لي آخر ما تبقى من تقاليد التعددية المتعايشة في مدن العراق. هل اعلن أسفي عند هذه المثابة؟

يتحدث فنانو العمران الفاشلون الجدد في مدننا اليوم عن نظام يعبر عن تصورهم لهوية الشعب العراقي، بينما يعمل فشلهم المتعمد على فرض هوية غريبة لم تعرفها ثقافة المدينة في العراق. طرحت تصوراً كهذا مرة في حوار تلفزيوني فاتهمني بعض أحزاب الإسلام السياسي بأنني من بقايا البعث! ان الهوية التي يتحدث عنها فنانو الفشل لا ينتمي اليها الاصمعي وابو نواس واخوان الصفا، هوية تجد في السياب ونازك الملائكة وعلي الوردي بقايا من عار شائن لابد من ان يمحى بهوية جديدة لم يعرفها ابو حيان التوحيدي وهو يتحدث عن عراق الأحناف والشيعة والزنادقة وبغداد زرياب المغني ومتصوفة البصرة وأسواق الوراقين، هوية ترى ان رسالتها المقدسة ضرب طلبة الجامعات وهم يغنون في الحدائق آمالهم بعراق أفضل، يقتلون توما بائع النبيذ ويفجرون محال الموسيقى ويقتلون حلاقاً يزيل اللحى المتدلية عن وجوه الشباب .
عثرت في السليمانية على نموذج يمنحني حفنة من التفاؤل بان تعود المدينة العراقية الى سابق عهدها بعيداً عن فن الفشل الذي أصبح حرفة للكثير من العاطلين اليوم، وفهمت في الاقل واحداً من الاسباب التي تجعل الاكراد يخشون دخول جيوشنا الى مدينة كالسليمانية غدا او بعد غد، ترى من سيقود تلك الجيوش يومئذ، ما الذي يضمن ان لا يكون حامل اللواء احد هؤلاء الذين قتلوا يوم امس بائع النبيذ او فجروا صالوناً تنتف فيه اللحى المنسدلة على وجنات الفتيان؟
شكراً للسليمانية التي احتفظت لي بوجوه ضائعة للعراق الذي احب، بعد ان أمضيت عامين مع الموت ابحث عنها في الزمان والمكان الخاطئين، انا الكائن البحري الذي كان يستفيق على صوت باخرة قادمة من اقاصي الارض تغامر بدخول شط العرب فتوقظ اهل "سيحان" اغرقت كلماتي قرب "رأس البيشة" كي أجدها في وادي آزمار، مع ان "الصخور ستظل تنادي ابداً، والصدى يعود، غرقاً أبدياً..)).