شهد هذا الأسبوع مواجهة محفوفة بالمخاطر بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي ال،25 هددت طهران في يوم أول أغسطس/ آب الحالي باستئناف أنشطتها الأوروبية النووية في مجال تخصيب اليورانيوم، وهكذا أبطلت مفعول مخطط العواصم الأوروبية التي كانت قد حددت يوم 7 أغسطس ليكون الموعد الذي تتقدم فيه بروكسل بمشروعها الخاص بالمقابل الذي هي على استعداد لتقديمه لطهران، لتتخلى هذه الأخيرة عن إنتاج السلاح النووي.
في واقع الأمر، أرجئ موعد حسم المشكلة بين إيران والاتحاد الأوروبي عدة مرات في أيام معدودة، مع إدلاء مبعوثين إيرانيين -تمسكوا بعدم الكشف عن هويتهم- بتصريحات ملتبسة تنم عن صعوبة بالغة في معرفة النيات الحقيقية للفرقاء، هل ما تريده طهران في تفاوضها مع الاتحاد الأوروبي هو عدم التخلي عن القدرة على صنع أسلحة نووية؟ هل طهران ترفض اقتراحات أوروبية تقر بحقها في امتلاك طاقة نووية، ولكن بلا قدرة على التخصيب؟ وهل ما يريده الاتحاد الأوروبي، بمساندة من واشنطن، هو تجريد طهران من هذه القدرة، حتى مقابل تنازلات شتى في مجالات مختلفة، بما في ذلك الإنتاج السلمي للطاقة النووية؟ قد يكون من الأهمية بمكان مراجعة بعض تحليلاتنا السابقة، لعلها تضفي أضواء على بعض ما لم ننتبه له حتى الآن في هذا الصدد.
الأمر الجدير بالملاحظة هو أننا -على صعيد العالم- قد انتقلنا من نظام عالمي ثنائي القطبية، إلى نظام آخر انهار فيه الاتحاد السوفييتي (أحد قطبي النظام الثنائي القطبية) وحل محله نظام ظاهره أحادي القطبية، ولكنه في حقيقته نظام ملتبس يقبل التفسير على أكثر من نحو.
أقول ظاهره “آحادي القطبية”، لأنه لم يعد هناك غير دولة عظمى واحدة، هي الولايات المتحدة الأمريكية، وأقول انه نظام ملتبس لأنه ليس “ثنائي” القطبية بالمعنى المعتاد، ولا هو متعدد الأقطاب بمعنى أن هناك دولا عظمى من الجائز وضعها على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، فما الذي ينقص النظام القائم حتى تتحدد له صفة قابلة للوصف؟
ينقص هذا القطب الملتبس حقيقة انه ليس دولة، أو كيان يملك صلاحيات سيادية، وهو كيان لا وجود شرعيا له، بل هو قطب بالمعنى السلبي للكلمة، بمعنى انه يجمع أطرافا في المجتمع الدولي لا تنتمي إلى قطب محدد، بل منها من يعادي الشرعية القائمة، ولذلك نقول إن من ابرز المنتمين إلى هذا القطب هو ما بات يوصف بالخلايا والشبكات الإرهابية.
لا يمكن نسبة هذا القطب إلى الشيوعية، لانهيار الشيوعية كنظام عالمي، ولا يمكن إنكار أن الشيوعية قد بنت إيديولوجيتها -بغض النظر عن كيف وضعتها موضع التطبيق- على أيديولوجية نسبت نفسها إلى مستقبل قائم على الأمل، والى تحرير الجنس البشري من الاستغلال والاستعمار، بينما أيديولوجية قطب الإرهاب هي إيديولوجية يأس، وإحباط، وخيبة أمل، إن الإرهابي الذي لا يتردد في الافتداء بحياته يراهن على عالم ما بعد الموت، وليس على عالم الحياة فوق سطح الأرض، إن الإرهاب ينطلق من التسليم بفشل مشروعات الأمل، ومن هذه الوجهة يتعارض مع حركات ذات تطلعات تحررية تعارضاً واضحاً.
إن الإرهاب رد فعل لفشل مشروعات الأمل، وتعبير عن “حلول” يأس محل الأمل، وما يترتب عليه من انعدام ثقة، من منطلق انه لم يعد هناك ما يدعو إلى الثقة، فما زلنا في حالة “حرب باردة” دون إعلان أن الديمقراطية تفترض الثقة المتبادلة، لابد أن تصاحبها إجراءات ملموسة لبناء الثقة، إن تعاظم هذه الإجراءات هو المحك لتقرير لو كانت الديمقراطية يجرى بناؤها أم لا.
إلا أن سياسة بوش هي زراعة الكراهية، لا الثقة المتبادلة، وبالتالي لا تبني الديمقراطية، وتدل استطلاعات الرأي أن هذا قد أصبح بالفعل حكم غالبية الأمريكيين، إن تعيين جون بولتون، المعروف بتماديه في المواقف اليمينية المتطرفة، سفيرا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وقد صدر هذا التعيين بمرسوم من بوش في تحد سافر لمعارضة لا تقتصر على الحزب الديمقراطي المعارض وحده، بل انه تعبير عن مدى تمسك الرئيس الأمريكي بانتهاجه خطه المحافظ.
ما يجري الآن في مصر ليس ما جرى قبل تحركات الفترة الأخيرة، والجدير بشد الانتباه أن هناك حقيقة جدلية تربط المراحل المختلفة للأنظمة القائمة على أقطاب، كان هناك في مرحلة محددة نظام القطبية الثنائية أعقبتها مرحلة قطبية آحادية، أو هكذا بدت، ثم أفرزت من جديد مرحلة “قطبية ثنائية” جديدة.
ومرحلة القطبية الثنائية الثانية -التي تتلو انهيار احد القطبين العالميين- تختلف عن الأولى، ذلك أن جزءا منها داخل شرعية النظام وجزءا منها خارجها، والجزء الخارجي قد يشمل -ضمن ما يشمل- ظاهرة الإرهاب.
كما قد يشمل الجزء الخارجي أسلحة للدمار الشامل التي تتبناها دول بعينها في تحد صريح -أو غير صريح- للشرعية الدولية العصرية، ليس هناك ما يلزم بحدوث صدام بين واشنطن وطهران، ولكن ليس أيضا ما يطمئن أن مثل هذا الصدام لن يحدث، فالرئيس الإيراني الجديد احمدي نجاد يوصف بالمتشدد، وليس معلوماً كيف سيتصرف الآن وقد أصبح رئيس دولة، هل ينتهج نهج خاتمي، رئيس الجمهورية السابق المعتدل، أم نهج الزعيم الروحي خامنئي بالغ الصلابة؟ أم نهجاً آخر لا هو هذا ولا ذاك؟
الأمر المؤكد أن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة قد يكون نتاج ازدهار قطب أو أكثر.. وقد يكون نتاج فشل قطب وعجزه عن الارتفاع إلى مستوى التحديات، إن الانتقال من مرحلة إلى أخرى قد يكون ظاهرة تقدمية وقد لا تكون، ومن الوجهة العملية، هل من الممكن التوفيق بين أن يعترف الاتحاد الأوروبي لإيران بعدم التخلي عن دورة الوقود النووي، وأن يتوافر للأوروبيين ضمانات لا تحتمل الرفض أن امتلاك دورة الوقود على هذا النحو لا يحمل خطر تحول إيران إلى دولة نووية.













التعليقات