سمير عطاالله


سافرت في الارض منذ عام 1961، هائما وعاشقا وساعيا ومستوطنا. ولم اعد اذكر عدد المدن وعدد الرحلات وعدد البلدان. لكنني اذكر دائما، ودائما في حنين وامتنان، تلك المكتبات التي أمضيت فيها لحظات الاكتشاف وساعات المعرفة، والتي تحولت رفوفها الى وطن دائم، متنقل، بهي، وفسيح، مثل طلة لبنان وزرقة المتوسط. الاسبوع الماضي، وانا أتأمل في مكتبته، شعرت برهبة المزارات. لقد بدت لي مكتبة ميشال شيحا، لانها مكتبته، مثل بيت تحفظ فيه نسخ الدستور ومخطوطات انشاء الوطن الذي يرفض له ان ينشأ.

اردت ان اعرف، ماذا كان يقرأ ميشال شيحا، عندما كان يختلي الى نفسه النبيلة في اعالي اليرزة، بين سنديانها وصنوبراتها. وماذا كان يرى وهو يتطلع الى بيروت من على هذه الغابة العالية والهادئة والنقية، قبل ان يكتسحها الاسمنت والملاعب والمسابح، ويخرق طقوسها المقدسة في القراءة والفكر العلي والتأمل. وما هي صناعة الاوطان وكيف يمكن ان تُبنى، اذا لم يكن البناؤون نهالين من ينابيع الحضارات والمدنيات والثقافات، بحيث تعلو بهم اعمدة المعارف الى مرتبة الانسان. اي الكائن العامر بالمحبة، الفائض تسامحا، المتطهر من الحقد والصغر وحقارات النفس. لا بد ان ميشال شيحا كان كلما تطلع في المرآة، رأى كونا صغيرا، وسمع شاعرا فوق كتفه يقرأ عليه: وتزعم انك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الاكبر!

كان هناك اكثر من عالم اكبر، في عقل ميشال شيحا، وخصوصا في قلبه، وهو يرسم بالقلم الابتكاري الساحر، صورة لبنان الروح الذي سيقوم في لبنان الخريطة المنبسطة امامه: خلفه الطريق المؤدية الى دمشق، وامامه البحر (quot;الداخليquot; كما كان يسميه) المفضي الى فلسطين ومصر. ومن ثم الحوض الاكبر ما بين المغرب العربي واوروبا.

لم تكن سوريا قد استقلت بعد. ولبنان على المشارف. وفلسطين لم تضع، ولكن ايضا لم تستقل. واذ جلس يتأمل في لبنان حين يستقل وسوريا حين تعلن استقلالها، وفلسطين التي خاف عليها مبكرا جدا من الضياع، توصل شيحا من خلال كل علومه وقراءاته واسفاره وتبحراته في تواريخ الامم، الى نتيجة طوباوية لا quot;براغماتيةquot;: يقوم لبنان على اساس واحد، هو المحبة. وتكون الشراكة، او الاخاء، بالحياة لا بالموت. وكل حسابات اخرى، بقالة.

لم يتكون عقل ميشال شيحا، وبالتالي متسع فؤاده، من مجرد الجينات الموروثة. بل تعدى ذلك، بالخروج من ثروته الى محاكاة الفقر، ومن جاهه الى مباسطة التواضع، ومن مسيحيته المليئة بالشكوك الايمانية العذبة، الى القبول المطلق وغير المتردد بالشراكة الاسلامية. ولم يطلب المجادلة. انه لا يعرض صفقة، ولا يطرح عقدا تجاريا. لا يليق ذلك بالمؤسسين. انه يطرح نفسه نموذجا، ويرتجي ان يكون النموذج خليقا بالتجاوب. انه لا يوجه الى الآخر فروضا ولا بنودا، بل هي مجرد دعوة، تشرف الداعي لا المدعو. المتواضع لا المستكبر.

قبيل الحرب الاهلية، كان بضعة من شواكيش اليسار المزعوم، يحطمون في فكر ميشال شيحا، في الصبح والمساء. وكان ذلك بالنسبة الي، كمن يناقش فيروز في غنائها لبلد قائم في اوتار حنجرتها اكثر مما هو قائم في وقائعه وعِقده، وسقطات شعوبه. وربما كان سبب سذاجة الناشئين quot;اليساريينquot; آنذاك، الظن السخيف ان شيحا مصرفي وquot;رأسماليquot;. او ربما كان السبب، عبقرية خبيثة تدرك خطر فكر شيحا وجمالياته، على ما اريد للبنان من هدم ودمار وخراب ونعي وشتت. وفي اي حال نجا فكر شيحا من المطارق العابثة، لكن شيئا من نبل فكره ونموذجيته، لم يصل الى اللبنانيين. انه مجرد منارة من منارات التاريخ النادرة جدا، والتي حُوّلت الى مقام يزوره المتلطفون، من دون ان يضطروا الى وضع اكليل على قبره، باسم اي من الرؤساء واصحاب البلد ومتبلّديه. فقد مات الرجل مرتكبا الفظاعة التي تنبه الجميع في حياتهم الى تجنبها: كان رجلا بلا طائفة، يؤمن بأن quot;الفداء كان من اجل المصالحة العظمىquot;، وكان بلا مذهب: quot;يجب ان تجنبنا الخبرة خوض التجارب والمحن من جديدquot;. كل مذهب آخر يدعو إلى العكس. الميلاد، والفصح، او المجيء والفداء، كانا عند ميشال شيحا رمزا للحالة البشرية، لا للخلاف بين سكان الارض وعابريها.

quot;الكتابة صباحا في الجبل، وفي ملاطفة النسيم، تحمل على الغبطة والتفاؤل. ساعة لم تخرج الافكار السيئة بعد من مخابئهاquot;.

فالامس قد علّمنا quot;كل ما هو قاتم وقبيحquot;، وكم اصبحت الطبيعة quot;على تعارض مع نيات الناس وافعالهم. فكلما ازدادت هي صراحة ازداد الانسان تخابثاً . فكم يصعب على كل واحد منا ان يبوح بما ينوي، وان يعلن بصوت عال ما يضمر. لكن الصباح، عند طلوعه، يبدو كأنه طهّر كل شيءquot;. او هكذا يبدو الامر لذوي النيات الحسنة واصحاب العقول. اما اليوم، في هذا العصر، فقد كنت اقرأ الصحف في الجبل، وقرب بلل وغيوم الشتاء الساقي، ومفجّر خيرات الارض، ولم يكن في الصحف حتى في الصبح، الا مضامر الحروب ودعارات القتلة وبشائر السفاكين، والدعوة الى المصالحة العظمى لم يعد يجدها اللبنانيون الا في الكتب. وفي اليرزة لا وجود لها الا على رفوف() ميشال شيحا. ولكن هل نستطيع ان نبني وطنا على فكر رجل واحد. اليس ذلك دليل جدب وقفر مريع؟ اليس من المؤلم والمفزع اننا كلما اردنا الحديث عن الاصلاح العربي نضطر الى العودة دائما الى عبد الرحمن الكواكبي والدكتور محمد عبده والافغاني، اي اكثر من مئة عام الى الوراء، وبعد ذلك لا احد. لا صوت. لا محرّر. لا شجعان الا في اساطير عنترة، حيث العبد لا تحرره اجمل القصائد ولا ارقى الحب، بل سيفه الذي يلمع ابدا كبارق ثغر عبلة.

اعترف بانني تلمست شيئا من الامل، عندما اعلن الجنرال ميشال عون ان quot;ميشال شيحا هو استاذنا جميعاquot;. فعندما يكون في برنامج مرشح للرئاسة شيء من فكر شيحا ورفعته وتعاليه وتسامحه ونظرته الكونية الى بلده الصغير، يحتم علينا ذلك ان نراهن على الايمان بالبرنامج الذي بسطه ذلك المفكر المذودي المتواضع، الذي كان كلما تألق فكره وثقافته وعلمه، اغتنت مشاعره بدفء الوطن وقداسة الارض وحقوق البشر.

وقد كنت من الذين يعتقدون، او يؤمنون، بان على كل من يتصدى لشرف الرئاسة، وقداسة الدستور، ان يتقدم الى الناس ببرنامج مفصل، خال من الشعارات واليمين الغليظ، مليء بالتواضع والصدق والمشاعر والبساطة ورائحة الارض. اما اذا كان الجنرال عون يقول بان ميشال شيحا استاذه، وهو مقسم على ذلك، ومدرك لمدى عمق الالتزام، فلا يليق بنا ان نطلب شيئا آخر، او تفصيلا.

فنحن في لبنان، لسنا في حاجة الى ديغول، لان العصور لا تجترح اكثر من ديغول مهما اخصبت. ولسنا في حاجة الى نابوليون، لاننا في بلد في حجم كورسيكا، ولو بقي بونابرت في كورسيكا لظل موضع تنافر بين عصابات الجزيرة وافظاظها. نحن، في بلد عربي رؤيوي متعدد ونبيل، ومتواضع من حجم ميشال شيحا. لذلك وجدنا القربى مع الجنرال للمرة الاولى، عندما ابلغنا المفاجأة: انه من تلامذة ميشال شيحا. او على وجه الضبط ان ميشال شيحا quot;استاذنا جميعاquot;.

هذه بشارة لا تمر هكذا. ويجب الا ننسى، او الا نتوقف اطلاقا، عند العوابر التي يتطوع لها الادعياء الذين يحطمون كل يوم في صورة ميشال عون. فمثل هذا اللغو ومثل هذه الثرثرة الفارغة، لا يمكن ان تمثل، حتى زورا، رجلا ينتسب الى الرفعة الشيحانية في الفكر واصول الاوطان والدول والامم ومصائر الشعوب.

من اعلى اليرزة، كان هذا المثقف الكبير والعاقل النبيل والمواطن المتسامح، ينظر الى بلد ضيق، مطموع به، ولا يعترف به احد. وكان يريده الوطن الذي يجب ان يكون، لا المشروع الذي يُرفض له ان يقوم. كان يرى ان مساحة من 10 آلاف كيلومتر مربع لا تتسع لمخيم كشفي، ولكن العقل اللبناني والفؤاد الانساني هما اللذان سيقيمان وطنا يتسع لفكر القيامة والتلاقي والاجتهاد. فليس في الارض طراً نموذج آخر مثل هذا النموذج ومكان آخر مثل هذا المكان: يلتقي الاسلام الشرقي والمسيحية الشرقية في منتصف الطريق. مناصفة ومتعادلين، مستقلين واحرارا. جزءا من الامة وهم ميزتها وقمرها وبدرها.

هذا ما شاهده ميشال شيحا من اعالي اليرزة قبل ان يأكلها الاسمنت والنوادي والمسابح. رأى وطنا حدوده خارج مساحته، ورسالته خارج حجمه، وجوهره في آفاق التاريخ لا في صغارات الجغرافيا. رأى ارضا يبيعها اهلها ويعشقها شراتها. رأى حلما وأحد عشر كوكبا مثل حلم يوسف الصديق. وذلك ما رأى.

مكتبة ميشال شيحا قائمة الآن في منزل الدكتور بول سرحال وكلود ضوميط سرحال.