قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الأحد:15. 01. 2006

خليل علي حيدر

وسط احتفالات المسيحيين ودول العالم بأعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة، نشرت مجلة سلفية كويتية الصادرة مقالاً يهاجم بناء الكنائس والمعابد في ''جزيرة العرب''، ويعتبر افتتاح مثل هذه الكنائس إثماً كبيراً وجرماً عظيماًmiddot; المجلة المذكورة أعادت نشر فتوى وزارة الأوقاف الكويتية الصادرة عام 1989 والتي تمنع بناء الكنائس ونصها كما يلي: ''إن إنشاء أي دار للعبادة لغير المسلمين في دار الإسلام لا يجوز، وكذلك لا يجوز تأجير الدور لتكون كنائس أو معابد لغير المسلمين''middot; وذكرت المجلة أن فتوى الأوقاف يؤيدها بعض ''العلماء'' في الكويت، لكنها لم تذكر منهم سوى الشيخ ناظم المسباح والنائب الدكتور وليد الطبطبائي عضو مجلس الأمة، وكلاهما محسوب على التيار السلفيmiddot;
الشيخ المسباح قال في المقابلة ضمن المقال: ''لا يجوز بناء الكنائس في جزيرة العرب، ولا يجوز للمسلمين أن يأذنوا ببناء الكنائس في جزيرة العرب، ولا يجوز لهم أن يأذنوا ببناء كنائس في البلاد التابعة لجزيرة العرب''middot; وظهر تشدد الشيخ وخروجه عن روح التسامح العصرية، وواقعية التفكير، عندما سأله محرر المجلة عن حقوق الآسيويين والهنود من المسيحيين وغيرهم، في بناء أماكن العبادة الخاصة بهم: ''لا يجوز لهم بناء دور للعبادة، يعبدون إلههم في بيوتهم وفي مساكنهم ودون مجاهرة أمام الناس، فلهم أن يفعلوا ما يرونه، أما المجاهرة والإعلان فلا''middot;
موقف الدكتور الطبطبائي، المسؤول عن ''لجنة حقوق الإنسان'' في مجلس الأمة الكويتي، بدا متناقضاً حقاً من هذه القضيةmiddot; فقد حاول إرضاء هذا الموقف السلفي المتشدد إزاء غير المسلمين، وفي الوقت نفسه الظهور بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان، حيث قال ''إن ما حصل أخيراً من إقامة دور عبادة لغير المسلمين في الكويت أمر لا تقره الشريعة الإسلامية وهو محرم بالإجماع''middot; ثم قال برأي يماثل رأي الشيخ المسباح، أي عدم السماح بإنشاء ''المعابد'' والسماح لغير المسلمين بإقامة الشعائر''! ولكن ماذا عن الآسيويين المسيحيين؟ جواب دmiddot; الطبطبائي كان بكل تجاهل لحقوق العبادة وحقوق الإنسان المقرة دولياً: ''الوافدون معظمهم مسلمون، أما غير المسلمين، فمعظمهم عمالة مؤقتة تعود لبلادها''! ولكن ألا يحل محلها عادة أتباع نفس الدين وربما بأعداد أكبر؟ ثم من سلب العمالة المؤقتة حق التعبد العلني؟ من ''الحجج الدامغة'' سياسياً وفقهياً، التي أوردها رائد حقوق الإنسان في برلمان الكويت ''إن الغالبية العظمى والساحقة من الكويتيين من المسلمين''، بمعنى أن غير المسلمين والمسيحيين من الكويتيين والوافدين، مجرد أقلية لا وزن لهاmiddot;middot; أمام ''الأغلبية الساحقة'' من المسلمين!
ولكن نتساءل جميعاً: ما دور المدافعين عن حقوق الإنسان، إن لم يكونوا حماة لحقوق الأقليات؟ الدكتور الطبطبائي ختم كلامه، رغم كل هذا، بالإشادة بالتسامح الديني في الكويت!! وقال: ''التسامح الديني هو السمة السائدة في المجتمع الكويتي ونحن نشجعها ونحفظ لكل مواطن ومقيم حريته الدينية وحقه في ممارسة شعائره، ولكن وفقاً للقانون والآداب العامة''! هل تُرضي مثل هذه الحجج والمواقف السلفيين وغيرهم من الإسلاميين إن استخدمها الأوروبيون والأميركان وسائر ''النصارى'' ضد ''الأقليات الإسلامية'' هناك، وضد العمال المهاجرين من مختلف الدول العربية والإسلامية؟
هل سيقتنع بها شيوخ الدين المسلمون في بلداننا وفي أوروبا، وهل سيسكت الكتاب الإسلاميون وفضائيات الإسلام السياسي؟
لا أريد الإشارة إلى مصالح المسلمين وسمعة الكويت وطبيعة العصر والبيان العالمي لحقوق الإنسان وتراث التسامح والاعتدال في المجتمع الكويتيmiddot;middot;middot; فلا شك أن الشيخ المسباح والدكتور الطبطبائي قد سمعا الكثير من هذا الكلام الذي دخل في الأذن اليمنى مراراًmiddot;middot;middot; ليخرج من الأذن اليسرى!
ما يهمني حقا هو أن يدرك القارئ مدى خطورة هذه الدعوات المنافية لحقوق الإنسان وحرية العبادة على مصالحنا في هذا العصر!
الموقف المعادي لبناء الكنائس وحرية العبادة العلنية، بالمناسبة لا يتبناه السلفيون وحدهم، بل هو موقف قديم عريق مسكوت عنه أحياناً لمصالح معينة، للإخوان المسلمين كذلكmiddot;middot;middot; ومجلتهم الشهيرة في الكويت! تقول المجلة في عددها بتاريخ 16/8/1977: ''في عهد الاستقلال الذاتي، أُذن للكاثوليك النصارى ببناء كنيسة لأول مرة في تاريخ الكويت، بل في تاريخ الخليج العربي، بل في تاريخ الجزيرة العربية، وتم كل ذلك بصمت وهدوء لأن المسلمين نائمونmiddot;middot;middot; إن دول العالم الكبرى كلها تتسابق على التسلل إلى مياه الخليج وإلى السيطرة عليها وامتصاص دمائها وتنصيرها، فهل يتم كل ذلك على يد مشايخ العرب المسلمين؟''!
ولم يكتف ''الإخوان'' في الكويت بمثل هذه المقالات، بل شفعوها برسائل وتوقيعات وشكاوى وحملات دعائية متصلة، ولكن الحكومة لحسن الحظ لم تستجب لهم دائماً!
والعجيب الغريب في محتويات المجلة السلفية أعلاه، ضمن نفس العدد الداعي إلى ''تحريم بناء الكنائس في جزيرة العرب'' أن المجلة تساءلت في مقال مطول: ''كيف نصحح صورة الإسلام في وسائل الإعلام الغربية؟''!
تساؤل مدهش حقاً، عن كيفية ''تصحيح صورة الإسلام'' في مقال مجاور لمقال يطالب بالتضييق على الكفار والنصارى! ولا أتصور كيف ستكون ردود الفعل ضد الكويت والدول العربية وعامة المسلمين، لو نشرت الصحف الانجليزية والأميركية، ترجمة للمقال المذكور، والدعوات المتكررة في مجلة ''الإخوان'' لإغلاق وإزالة الكنائس في الكويت وجزيرة العرب!
مقال رابع في العدد نفسه من المجلة السلفية، عن ''واقع الدعوة الإسلامية في دولة فنزويلا''middot;middot;middot; النصرانية الكاثوليكية!
يقول كاتب المقال: ''من الملاحظ أن هناك تعدداً للواجهات العاملة في حقل الدعوة، فهناك جمعيات ومراكز ومدارس وتجمعات مختلفة، الأمور هناك على ما يرام إذن''! والمسيحيون في فنزويلا إذن لم يقصروا!
ولكن الدعوة الإسلامية هناك، يقول الكاتب تعاني بعض المشاكل، بسبب تقصير المسلمين أنفسهم: ''إن إمكانيات المسلمين في فنزويلا لا تعاني شحاً وقلة، إنما تعاني الشتات والخذلان، وعدم وضع خطط واستراتيجيات من خلالها تتحد كلمتهم وتقوى صفوفهم، وتجمع موارد المسلمين ولو كانت محدودة وتستقطب جهدهم في بناء مؤسساتهم الدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية''middot;
المسلمون في فنزويلا عددهم حوالي 127 ألف نسمة من أصل 25 مليون نسمة هم عدد سكان البلاد، أي أقلية ضئيلة لا تتجاوز 0,5%، ومع هذا لم يتجاهل النصارى هناك حقوقهم، فمقال المجلة السلفية يقول: ''يوجد في فنزويلا العديد من الجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية والنوادي العربية والمدارس وعدد لا بأس به من المصليات والمساجد''middot;
والسؤال الآن لــ ''حماة حقوق الإنسان'' من الإسلاميين، شيوخاً ونواباً ومفكرين ومحامين، ممن لا ينبهون إلى هذه الحقوق، إلا للدفاع عن الجماعات والتنظيمات الإسلامية، أو تخليص المتهمين من أتباعها بالإرهاب، ماذا لو طالب المسيحيون في الكويت والعالم العربي، ببعض ما يتمتع به المسلمون في فنزويلا مثلاً، دع عنك ''إمبراطوريات'' الاسلاميين في لندن وباريس وغيرهما، كالمزيد من الكنائس أو دور العبادة لغير المسلمين، والنوادي والمراكز، والمدارس التي يُتلى فيها الكتاب المقدسmiddot;middot;middot; والترانيم الدينية!، ثم إن ''الأقليات الإسلامية'' في لندن وباريس وبرلين لا تتحرج من إبراز مطاعمها وكتبها وصيامها وأشرطتها ولحمها الحلال وملابسها ولحاها وعواطفها، بل وربما حتى المجاهرة بكراهية الانجليز والفرنسيين الكفارmiddot;middot;middot; فهل هذا من المسموح به لغير المسلمين في بلدانناmiddot;middot;middot; وبخاصة ''النصارى''!! أرجو ألا يسقط أحد من الإسلاميين مغشياً عليه، لمجرد تصور هذه الحريات والحقوق!؟