قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الإثنين:16. 01. 2006


عبدالوهاب بدرخان

مضى الشيخ جابر الى ملاقاة وجه ربه، كما كان يرغب على الارجح، بهدوء من دون ان يزعج احداً. وهذا الرحيل البسيط يشبه بساطة الرجل وتواضعه، وهو الذي لم يكل من حض مواطنيه على ان لا ينسوا ان البلد الصغير يستوجب مسالك تتناسب مع حجمه، لكن من دون ان ينسى هو نفسه ان قدرات البلد تصنع لابنائه طموحات كبيرة.

رحل الشيخ جابر وفي نفسه غصة من تلك الطعنة التي تلقاها وتلقتها الكويت بأيدي النظام العراقي السابق. فأعظم المحن تلك التي تترك الجار غير آمن لجاره، والأخ غير واثق بأخيه. وعلى رغم تحرير الكويت، ومن بعده سقوط ذلك النظام في بغداد، ظلت للصدمة انعكاسات ثقيلة، بل ان وطأتها لا تزال مستشعرة ليس في الكويت وحدها وانما في عموم العالم العربي.

ليس فقط في الصحافة، أو أمام الكاميرات، بل على المستوى الشخصي كان في الامكان أمس لمس العاطفة التي يكنها الكويتيون لأميرهم الراحل. كان المرض فرض عليه بعض الاعتكاف، لكن الجميع كان يشعر بارتياح الى وجوده كضمان للنظام ومصدر للحكمة والترفع. ثم انه اثبت، برغم ابتعاده القسري، جهوزيته الدائمة للحسم منحازاً الى اعراق البيت الكويتي وخصوصياته.

لم يشأ الأمير أن يمس ولي عهده تحت أي ذريعة أو اعتبار، تاركاً الأمر للأقدار. ولم يتجاوز مجلس الوزراء أمس هذه الرغبة التي تعكس الوفاء والاحترام، حتى لو كانت تغلّب الرموز على الاجراءات التي تحتمها الوقائع. فالمهم ان البلد غير متروك للفوضى، ولا شك أن الوفاء للرجال يضيف الى الأعراف الكويتية قيمة أخرى تعمق العلاقة بين الكويتيين والأسرة الحاكمة. وهي في أي حال علاقة لم تهتز على رغم المحن والتجارب التي شهدها البلد طوال عقود من الزمن.

لم يكن الشيخ جابر، خصوصاً في السنوات الأخيرة، ضماناً لاستقرار النظام فحسب، وانما كان سباقاً الى تحدي الجمود، سواء في تركيزه على التنمية الداخلية أو في قبوله لحتمية الاصلاح، وهو ما عكسته خطبه أمام مجلس الأمة. ولا ينسى أحد أنه كان سباقاً الى إنصاف المرأة الكويتية والاعتراف بحقوقها، منافساً كل التيارات السياسية، المع والضد، لأنه رأى في هذه الخطوة واجباً انسانياً ومهمة تفترضها مسؤوليته.

في شهادات نشرتها laquo;القبسraquo; أمس لكويتيين زاملوا الشيخ جابر على مقاعد الدراسة، أو كانوا قريبيبن منه، تكررت الاشارة الى التواضع الذي تحلى به الأمير الراحل الذي لم يكن يشعرهم بأنه ابن أمير البلاد آنذاك، وكيف أنه أثبت في مختلف الأعمال التي تولاها رغبة في الاطلاع على التفاصيل وقدرة على اتخاذ القرار وموهبة في التعاطي مع الناس وحرصاً على تنزيه أنشطته من أي نزعة لتمجيد شخصه... كان هذا أسلوبه، ولعله لاقى صدى في قلوب الكويتيين وعقولهم.

لا شك أن رحيل الشيخ جابر، والوضع الصحي للأمير الجديد الشيخ سعد، سيوجبان على الأسرة الحاكمة في الكويت أن تبادر الى laquo;ترتيب أوضاع البيتraquo;، ولم يعد هناك موجب للتردد أو التأجيل. كانت هناك حكمة في انتظار قضاء الله وعدم استعجال المصائر، وسيكون من الحكمة الآن أن يصار الى توافق على السيناريو المقبل ليكون الأفق واضحاً أمام أبناء البلد وكذلك أمام أبناء الأسرة بشبابها ومخضرميها.