وزير الداخلية الفرنسي قدم تسهيلات في التأشيرة وتلقى ضمانات حول تهديدات laquo;الجماعةraquo; وترحيل المهاجرين غير الشرعيين ... التفجيرات


الجزائر محمد مقدم


كشفت الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الجزائر قبل أيام، أن موعد التوقيع على laquo;ميثاق الصداقةraquo; بين الجزائر وفرنسا لا يزال بعيداً على رغم التعهدات السياسية المعلنة من الجانبين بإمكان التوصل إلى هذا الاتفاق الذي كان مقرراً التوقيع عليه قبل نهاية العام 2005.

وعلى رغم تأكيد وزير الداخلية الفرنسي أن زيارته إلى الجزائر تمت بالتنسيق المباشر مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك وأنه تم التحضير لها laquo;بعناية بالغةraquo;، فإن الجدل الذي أثير بعدها عزز الشــكوك في شأن خلفيات الزيارة والدواعي التي غذت طموح وزير الداخلية الفرنسي إلى laquo;المغامرةraquo; بزيارة الجزائر ولقاء كبار المسؤولين من دون القدرة على إقناعهم بجدوى المضي نحو laquo;ميثاق الصداقةraquo; بين البلدين.

ولم يخف وزير الداخلية الجزائري نور الدين يزيد زرهوني (وهو عقيد كان يشغل منصب مدير جهاز الاستخبارات العسكرية مطلع الثمانينات من القرن الماضي) قناعته بأن موعد التوقيع على laquo;ميثاق الصداقةraquo; لا يزال بعيداً.

وقال زرهوني إن laquo;الوقت غير ملائم للتوقيع على معاهدة الصداقة بين الجزائر وفرنساraquo;، وتابع: laquo;ينبغي بذل المزيد من الجهود لتحقيق أوسع توافق ممكنraquo;، موضحاً أن laquo;من الأفضل تشييد هذه الصداقة من منطلق الواقع اليوميraquo;. وخلص إلى أن laquo;معاهدة الصداقة قد تأتي عندها لتتوج أو تؤكد وضعاً ماraquo;.

وجاءت تصريحات الرجل القوي في فريق الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بالتزامن مع تصريحات مثيرة أطلقها رئيس الحكومة عبدالعزيز بلخادم (وهو أيضاً الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني ذي الأكثرية البرلمانية) الذي أكد أن العلاقات السياسية والديبلوماسية بين الجزائر وباريس laquo;لا يمكنها أن تلغي الذاكرةraquo;، لافتاً الى أن الجزائر laquo;مستعدةraquo; للتعامل مع فرنسا laquo;شريطة أن تعترف بما اقترفته من جرائم في حق الشعب الجزائريraquo;.

واستند بلخادم إلى تصريحات أدلى بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال زيارته تركيا أخيراً والتي ذكّر فيها بأن laquo;الدولة تكبر عندما تعترف بما اقترفته في حق الشعوبraquo;. وقال بلخادم: laquo;جدير بفرنسا أن تعترف بما اقترفته في حق الشعب الجزائري من دون حقد أو ضغينةraquo;، مضيفاً أن الشعب الجزائري laquo;قد يسامح من دون أن ينسىraquo;. ودعا إلى laquo;قطع دابر الاستعمار من الأذهان، مما قد يسمح للمسؤولين بإقامة علاقات مبنية على الودraquo;. وتساءل حول إصدار البرلمان الفرنسي قانوناً يمجد الاستعمار laquo;وجرائمهم تنطق على الجزائرraquo;.


حدود laquo;الجوارraquo; الجغرافي

وحاول وزير الداخلية الفرنسي خلال الزيارة تجنب الحديث عن القضايا الخلافية وعلى رأسها مطلب السلطات الجزائرية من فرنسا تقديم laquo;الاعتذارraquo; عن قانون 23 شباط (فبراير) 2005 الذي يمجد الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وقال: laquo;لا يمكن الأبناء أن يقدموا الاعتذار على جرائم الآباء أو نحملهم وزر ما عملواraquo;.

وبادر بوتفليقة خلال لقائه وزير الداخلية الفرنسي إلى الاعتراف بأن الجزائر وفرنسا laquo;يربطهما مصير مشتركraquo;. ولفت إلى أنه laquo;لا يمكننا أن نعمل أي شيء لمواجهة القوانين الجغرافية، إذ سبق لي أن قلت ان ليس في نية الجزائر ولا فرنسا الرحيل وتغيير المكانraquo;. وأضاف: laquo;أعلم عن يقين أن الجزائر لن تستطيع الرحيل وبالتالي يجب الإقرار بأن هناك حتمية وقدراً يجب تحملهما بكل ايجابيةraquo;.

وتجنب الرئيس الجزائري الحديث عن الماضي الاستعماري الفرنسي في الجزائر، وبرر موقفه بالقول: laquo;لدي رأي ولا أريد أن يلزم صديقي نيكولا ساركوزيraquo;. وبادر ساركوزي إلى زيارة مقام الشهيد برياض الفتح حيث وقف دقيقة صمت على أرواح شهداء الثورة التحريرية الجزائرية (1954 - 1962) ووضع بعد ذلك باقة من الورود، ووصف الزيارة بأنها laquo;طريقة للتعبير عن مشاعر الاحترام إزاء الجزائريينraquo;.

وأمام إصرار الصحافيين على سماع موقف واضح منه في شأن مطلب الجزائريين تقديم اعتذار رسمي على جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر، قال ساركوزي ان من الضروري تجاوز هذه الوضعية laquo;بوضع حد للإهانات والعبارات الجارحة التي قد تصدر من هنا وهناك لأن هناك الكثير من المعاناة في كلا الجانبينraquo;. وخلص إلى القول انه laquo;كان هناك نظام استعماري غير عادل تسبب في الكثير من المعاناةraquo;.


تأشيرات مقابل ترحيل...


وكشف الوزير الفرنسي خلال زيارته الجزائر عن قرار باريس منح تسهيلات كبيرة للرعايا الجزائريين لجهة الحصول على التأشيرة إلى فرنسا أو البلدان الأوروبية، وإلغاء الاستشارة الأوروبية المشروطة بالنسبة الى التأشيرات العادية لفائدة الجزائريين.

وينتظر الجزائريون مدة 25 يوماً لمعرفة إن كانت المصالح القنصلية الفرنسية ستقبل ملفات طلب التأشيرة (بخلاف ما هو معتمد في المغرب وتونس حيث لا تتجاوز الفترة أسبوعاً واحداً). وأعلن ساركوزي عن تقليص الفترة إلى ثلاثة أيام، ويدخل القرار حيز التنفيذ نهاية العام الجاري، وهو ما اعتبره محللون نهاية لـ laquo;معاملة مهينة في حق الجزائريينraquo;.

لكن، في المقابل، نجح وزير الداخلية الفرنسي على ما يبدو في الحصول على ضمانات كافية من السلطات الجزائرية لتنفيذ خطته لجهة التعاون الأمني بمستوى إضافي لتجنب تحول الإسلاميين المفرج عنهم في إطار قانون ميثاق السلم والمصالحة الوطنية إلى عنصر laquo;تهديدraquo; لأمن فرنسا من خلال تقديم قائمة أسماء كاملة للمفرج عنهم بغية اتخاذ الاحتياطات الضرورية في التعامل معهم مستقبلاً.

كما نجح ساركوزي في الحصول على دعم السلطات الجزائرية لخطته في التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين الموجودين في فرنسا، إذ وافقت الجزائر على مبدأ ترحيل كل من يثبت أن وضعيته غير قانونية، والتعاون لتحديد هوية المهاجرين غير الشرعيين الذين يتم توقيفهم في فرنسا.

وفي هذا الشأن، أوضح الوزير زرهوني موقف الجزائر المؤيد لترحيل هؤلاء: laquo;حين يوجد جزائري في وضع غير قانوني في الخارج، فإننا نتكفل بمشاكله، شريطة أن يستنفد هذا المواطن جميع الطرق القانونية للدفاع عن حقهraquo;. وأضاف: laquo;هذا الموقف يتعزز أكثر ولا سيما أننا نلاحظ أن معاملة المقيمين الجزائريين في الخارج الذين يكونون في وضعية قانونية تقترب أكثر فأكثر من الوضع العاديraquo;.

ومهد وزير الداخلية الفرنسي لزيارته الجزائر بالمشاركة وللمرة الأولى في حفلة رمزية نظمتها سفارة الجزائر في باريس لمناسبة احتفالات ثورة الفاتح ضد الاستعمار الفرنسي. وقال ساركوزي مبرراً تلبيته الدعوة بأنه جاء ليعبر عن laquo;الصداقة مع الجزائرraquo;. وقال في تصريح وزعته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية: laquo;أريد إقامة علاقات ثقة مع الجزائر والشعب الجزائريraquo;.


قنبلة نووية...

وكان لافتاً هذه المرة أن محاولات تقريب المواقف بين الجزائر وباريس تزامنت أيضاً مع تحرك قدامى المحاربين الفرنسيين لمطالبة وزارة قدامى المحاربين في فرنسا بتعويضات على التجارب النووية التي أجرتها السلطات الفرنسية في صحراء رقان في ولاية أدرار الجزائرية (1600 كلم جنوب العاصمة) في مطلع الستينات. وإن كانت مطالب قدامى المحاربين الفرنسيين جاءت بناء على مطالب للحصول على الرعاية الصحية والتعويضات، فإن الملف فتح مجدداً في الجزائر من جانب قدامى المجاهدين في الثورة الذين طالبوا السلطات بفتح الملف laquo;الفضيحةraquo; وتقديمه كدليل على laquo;جرائمraquo; فرنسا الاستعمارية ولا سيما أن 42 ألف جزائري أصيبوا بإشعاعات أو تضرروا من هذه التفجيرات النووية.

وقال عبد الكاظم العبودي وهو متخصص في علوم الفيزياء في جامعة وهران ان التفجيرات النووية التي أجراها الاستعمار الفرنسي في مناطق الصحراء الجزائرية laquo;جرائم تتجاوز فضيحة المجازر ضد الإنسانيةraquo;.

وتساءل العبودي في تصريحات وزعتها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية عن laquo;أسباب وأهداف اختيار فرنسا لمنــــطقتي رقان وتمنراست لإجراء هذه التفجيرات النووية الخطيرةraquo;، رافضاً بذلك فكرة اعتبارها laquo;تجارب علميةraquo;.

وبعدما ذكر بالآثار الوخيمة التي خلفتها هذه التفجيرات التي تجاوزت حدتها، كما قال، laquo;سبعة أضعاف قنبلة هيروشيما النوويةraquo;، أكد العبودي أن فرنسا حاولت من وراء هذه الانفجارات التي أجرتها سنة 1960 laquo;تجسيد مشروعها النووي العسكري من خلال اختيار بعض مستعمراتها في افريقيا والمحيط الهادئ وكذلك صحراء الجزائر لإجراء تجاربهاraquo;.

وقد أجرت فرنسا حوالى 17 تفجيراً نووياً بين منطقتي رقان وتمنراست من بينها تفجيرات باطنية وأخرى سطحية.

وأشار العبودي إلى laquo;كل الخسائر البيئية والمشاكل الصحية التي تعرض لها سكان هذه المناطق من جراء هذه الانفجاراتraquo;، مذكراً بـ laquo;خطورة الإشعاعات النووية على كل كائن حيraquo;.

وبالتزامن مع بروز هذه laquo;الورقةraquo; خرج من وسط هذا الجدل المفكر الفرنسي برونو اتيان الذي انتقد لجوء نواب البرلمان الفرنسي إلى سن قانون يتحدث عن laquo;الخصال الإيجابيةraquo; للاستعمار الفرنسي وقال إن laquo;من غير المقبول أن يملي النواب كيف يجب التحدث عن الاحتلال الفرنسي للجزائرraquo;.

وأوضح في محاضرة له حول الأمير عبدالقادر ألقاها الأسبوع الماضي في مدينة وهران (laquo;45 كلم غرب العاصمة) أن كتابة التاريخ laquo;ليست مهمة النواب بل هي من اختصاص المؤرخينraquo;، موضحاً أن laquo;عدداً من المفكرين الفرنسيين وقّعوا لائحة عبروا من خلالها عن رفضهم لهذا القانونraquo;. وأضاف: laquo;نرفض أن يملى علينا كيف يجب أن نتناول مواضيع مثل إبادة الأرمن ومحاسن الاحتلالraquo;. وأوضح في هذا الصدد أن المصادر التاريخية من الجانبين الجزائري والفرنسي تؤكد أن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان laquo;بشعاًraquo; و laquo;لا يشرف فرنسا بلد حقوق الإنسانraquo;.