الدار البيضاء
في السابع من الشهر الجاري، وصلت إيمان بدري إلى لبنان رفقة زوجها، لقضاء عطلتهما الصيفية في بيت أهل زوجها، إلا أنه لم تكد تمر خمسة أيام على وصولها إلى بيروت، حتى اندلعت الحرب بين حزب الله والجيش الإسرائيلي.
وتحكي إيمان لـ quot; الصحراء المغربية quot; في اتصال هاتفي معها أنه في الأيام الأولى من بداية القصف الاسرائيلي على لبنان، اعتقدت وأهل زوجها، أن الأزمة السياسية بين حزب الله والحكومة الإسرائيلية، عابرة، ولن تستغرق مدة طويلة، ذلك أنهم تعودوا تبادل إطلاق النار بين الجانبين خاصة في الجنوب اللبناني، quot;لكن سرعان ما احتدم الصراع بينهما، فلم نعد نسمع في بيروت سوى أزيز الطائرات وصوت الصواريخ والقنابلquot;.
رغم القصف الاسرائيلي الذي عرفه مطار بيروت، ظنت إيمان وزوجها اللبناني الأصل والتشيكي الجنسية، أنه quot;المطارquot; سيظل مفتوحا في وجه الملاحة الجوية، وبإمكانه استقبال المسافرين الراغبين في مغادرة بيروت، لكنها مع توالي الحرب، تأكدت من خلال وسائل الاعلام، أن المطار أغلق، وبالتالي أصبحت تذكرة العودة التي كانت تتوفر عليها غير صالحة للاستعمال.
تابعت إيمان رفقة زوجها وأهله من شرفة المنزل، تطورات الحرب، وشاهدت كيف كان السلاح الجوي الاسرائيلي يغير على أهداف ببيروت، وتتبعت بذعر شديد موجات النيران الحمراء المتصاعدة في السماء، لتضيئها في غسق الليل.
وتؤكد إيمان أنها عايشت عن قرب أجواء الحرب الحقيقية، عكس تلك التي تنقلها الأفلام والمسلسلات باستعمالها للخدع الفنية، قائلة إنها فقدت شهية النوم طيلة ستة أيام من إقامتها في بيروت، وحنت لأن يغمض جفنها ولو لساعات قليلة quot;قضيت ليال بيضاء، أرخي فيها سمعي لصوت الطائرات القادمة من بعيد، وأتحسس المكان الذي ستسقط فيه، وكأنني بذلك أبعد مسارها عن المكان الذي أوجد بهquot;.
أكدت أن منزل أهل زوجها لم يطله القصف، quot;لوقوعه بحي مسيحي، بالقرب من سفارة فرنسا المجاورة لسفارات أخرى، ومع ذلك عشت لحظات الرهبة من الموت، وعلمت كيف أن الانسان ضعيف وهو يتشبث بالحياة، وتأسفت كثيرا لأن الحرب أشعرتني بالذل، خاصة عندما كنا نختبئ ونحن نسمع دوي القنابل وهي تنفجرquot;.
وبعد أن اشتد وطيس الحرب، وتوالت الغارات على لبنان، أصبحت إيمان تفكر وزوجها في مغادرة بيروت، والعودة إلى دولة التشيك، حيث بيتهما وعملهما، لكن زوجها تردد كثيرا، وتخوف من ترك والديه يعانيان وحدهما ويلات الحرب، بينما هو يلوذ بالفرار quot;وأصر الوالدان على ضرورة مغادرتنا بيروت، بعد أن أكدا لابنهما أنه ليس في وسعه فعل أي شيء لإيقاف الحرب، فأقنعاه بالرحيل حتى إن اضطرا للخروج من بيروت، يكون هو على استعداد لاستقبالهما في التشيكquot;.
وفي 17 من الشهر الجاري، ودعت إيمان وزوجها أهله، في جو درامي بطله الدموع والحسرة على ما تفعله الحروب، فتوجها إلى مقر السفارة التشيكية ببيروت، حيث تجمع عدد كبير من الجالية التشيكية المقيمة في لبنان، وآخرون من جنسيات مختلفة، تجمعوا للنزوح نحو الحدود السورية، بتنسيق بين مختلف السفارات، على متن حافلات كبيرة.
وفي الطريق نحو الحدود السورية، عاينت إيمان عن قرب الخراب الذي خلفه القصف الإسرائيلي، ورأت الطرق المهدمة والمنازل التي استوت بالأرض، والجسور المخربة، ومرفأ طرابلس المتضرر.
كما شاهدت الجيوش وهي تنتشل جثث المتوفين، وتقلب بين الأنقاض بحثا عن جرحى أو أحياء. quot;كانت الطريق كلها تفوح برائحة الموت، ومناظرها العامة مثيرة للخوف والرعبquot;
وتحكي إيمان أنه ضاعت كلمات الفارين، وعجزت أفواههم عن النطق، فكان الصمت المطبق هو سيد الموقف داخل الحافلة، لانشغال تفكير الجميع بالمصير المجهول الذي ينتظرالجميع.
وهم في طريقهم نحو الحدود السورية، كان يخبرهم المسؤولون بصعوبة إتمام المسير، لحجم الطرق المقطوعة والمهدمة، ما يضطرهم إلى التوقف لساعات أخرى في انتظار أن يتوصلوا بتطمين من السفارات المنظمة لعملية النزوح، وإرشادهم إلى استعمال طريق برية بديلة.
بعد مرور 7 ساعات من السير، بلغوا الحدود السورية، حيث وجدوا الفارين من ويلات الحرب، متزاحمن ومتكدسن في انتظار دورهم للعبور، فقضوا بها نحو أربع ساعات، دخلوا بعدها الأراضي السورية.
وبعد قضاء ساعتين بلغوا مدينة اللاذقية، متوجين صوب المطار، إذ كانت تنتظرهم طائرة تشيكية خصوصية، أقلتهم إلى البلاد في الثانية صباحا من اليوم الموالي.
اعترفت إيمان بجهود السفارة التشيكية في إجلائهم من لبنان، وما قدمت لهم من أكل وماء، وضمان أمنهم وسلامتهم طيلة رحلتهم مغادرين بيروت.














التعليقات