الأحد: 2006.07.30
خيرالله خيرالله
في ضوء المعارك الأخيرة التي خاضها مقاتلو quot;حزب اللهquot; وواجهوا فيها القوات الأسرائيلية الغازية بكلّ بسالة، يبدومنطقياً التكهن بأن الحرب على لبنان في غاية التعقيد وأنّه يمكن أن تستمرّ طويلا في حال لم يستوعب الطرف اللبناني المتورط فيها أنّ الوقت لا يعمل لمصلحته ولا لمصلحة لبنان .
في كلّ الأحوال، لن يكون سهلاً على أسرائيل تحقيق أهدافها وفرض حلّ من جانب واحد، ذلك أن ليس في الأمكان نزع سلاح quot;حزب اللهquot; بالقوّة. ولذلك تلجأ أسرائيل الى السلاح الوحيد الذي تمتلكه وتؤمن به وهو سلاح التدمير غير آبهة بما يلحق بالأبرياء وحتى بالنساء والأطفال الذين لا ذنب لهم سوى أنهم موجودون في لبنان.
يُفترض، على الرغم من المأساة التي يمرّ فيها لبنان ألاّ يغيب شعاع الأمل. الأمل بأمكان التوصلّ ألى مخرج من الوضع الراهن. وذلك لا يمكن أن يكون ألاّ عن طريق الألتفاف حول الحكومة ودعمها وتفادي المهاترات الداخلية. هذا ليس وقت المهاترات والمزايدات ولوم quot;حزب اللهquot; على تقديم مبررات للعدوان على لبنان بمقدار ما أنّه وقت التضامن والوحدة اللبنانية والأبتعاد عن كلّ ما يمكن أن يثير الحساسيات المذهبية. وما قد يكون أهمّ من ذلك العمل على أعطاء معنى عملي لمفهوم الوحدة الوطنية. وبكلام أوضح لا بدّ من البحث عن مخرج يأخذ في الأعتبار موازين القوى في المنطقة وفي العالم من جهة ومصلحة لبنان من جهة أخرى. هل يمكن الحديث عن مصلحة للبنان في أستمرار الوضع على ما هو عليه، أي أن يظلّ لبنان مجرّد quot;ساحةquot; لتصفية الحسابات بين هذه القوة الأقليمية أو تلك، أو بين هذه القوّة الأقليمية لمحدّدة والأدارة الأميركية؟ كيف يمكن لquot;حزب اللهquot; السماح لنفسه بأن يكون مطيّة للنظام السوري الساعي ألى أستغلال حرب العدو الأسرائيلي على لبنان واللبنانيين وتدمير لبنان من أجل عقد صفقة مع الأدارة الأميركية على غرار الصفقة التي عقدها في العام 1990 حين أنضم ألى القوات الأميركية التي حرّرت الكويت من الأحتلال العراقي ؟ لا عيب في الخيار الذي أعتمده وقتذاك الرئيس الراحل حافظ الأسد، على العكس من ذلك تستطيع سوريا ألأفتخار بأنضمامها ألى قوات التحالف الدولي على رأسها القوات الأميركية في معركة تحرير الكويت. لكنّ العيب يكمن في تناسي النظام السوري حقيقة أنّه أستطاع أحكام سيطرته على لبنان بضوء أخضر أميركي في مقابل أنضمامه ألى التحالف الدولي الذي أخرج الأحتلال العراقي من الكويت.
يسعى النظام السوري حالياً ألى العودة ألى لبنان عسكرياً عن طريق غير الطريق الأميركي، أقلّه ظاهراً، مستخدماً حرب quot;حزب اللهquot; مع العدو الأسرائيلي. وليس سرّاً أن المسؤولين السوريين تنافسوا عشية مؤتمر روما على تقديم سلسلة من العروض ألى الأدارة الأميركية محورها لبنان وكيفية أحتواء الوضع فيه. ولم يخف أحد السفراء السوريين عتبه على أنّ وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لم تزر دمشق بدل أن تزور بيروت. تجاهل المسؤولون السوريون أن واشنطن باتت تعي طبيعة العلاقة الجديدة التي صارت تربط دمشق بطهران، وهي علاقة بين صاحب القرار والتابع على غرارتلك التي تربط quot;حزب اللهquot; بالقيادة الأيرانية. مثل هذا التطور قد لا يمنع مجيء رايس ألى دمشق في وقت ما كي تكتسب بعض quot;الوطنيةquot;، لكنّ ذلك لا يحول دون أن يفرض هذا الواقع على اللبنانيين أن يكونوا واعين لما يدور على أرضهم من أجل تصبّ التضحيات التي يقدّمها البلد وأبناؤه في خدمة أهله وليس في خدمة هذه القوّة الأقليمية أو تلك، لا في خدمة النظام السوري ولا في خدمة النظام الأيراني ولا في خدمة الأميركيين أو الفرنسيين أو البريطانيين.
ربما تكمن مشكلة quot;حزب اللهquot; في أنّه لا يمتلك حريّة قراره، هو الذي سعى دائماً ألى تغطية التصرّفات السورية في لبنان في عهد الوصاية وفي مرحلة ما بعد زوال هذا العهد. كذلك في الأمكان تجاوز حقيقة أن quot;حزب اللهquot; ليس سوى لواء في quot;الحرس الثوريquot;، ولذلك لم يجد النظام الأيراني ضرورة ألى الأعلان عن أستعداده للتدخل عسكرياً في لبنان ما دام أحد ألويته يعمل في لبنان، هل ما يدعو ألى صدور مثل هذا الأعلان... هل ما يدعو ألى توقيع أتفاق أمني بين لبنان وأيران على غرار ذلك الذي وقّعته دمشق مع طهران ما دامت أيران موجودة عسكرياً في لبنان؟
في كلّ الأحوال، ليس في الأمكان تجاهل أن هناك من يقاوم أسرائيل عن وجه حقّ بغض النظر عن الظروف التي أّدت ألى شنّ الحرب الأسرائيلية على لبنان وتوفير غطاء دولي لها. هناك الآن وضع جديد في لبنان. في الأمكان تلخيص هذا الوضع بنقطتين تحظيان بأجماع دولي على الرغم من كلّ ما يقال عن خلافات بين الجهات الدولية المختلفة، خصوصاً بين الأميركيين والأوروبيين. النقطة الأولى أن لا عودة ألى الوضع الغامض الذي كان سائداً قبل الثاني عشر من تمّوز- يوليو الجاري ، تاريخ أسر quot;حزب اللهquot; الجنديين الأسرائيليين في منطقة غير متنازع عليها بين البلدين. أما النقطة الثانية فأنّها متعلّقة بنشر قوة دولية ذات أنتداب مختلف عن تلك الموجودة حالياً في جنوب لبنان. مثل هذه القوّة تستطيع المحافظة على الأمن في المنطقة وأن تُدخل لبنان في أطار ترتيبات أمنية تكرّس الأستقرار في الجنوب المحرر على غرار ما هو حاصل في هضبة الجولان المحتلّة. هاتان النقطتان في أساس المعادلة الجديدة في لبنان وهما في مصلحته. هل في أستطاعة quot;حزب اللهquot; القبول بهما تمهيداً لفتح صفحة جديدة مع اللبنانيين، أم أنّه مصرّ على متابعة الأنقلاب الذي بدأه على الدولة اللبنانية في الثاني عشر من الشهر الجاري؟ في حال أتخذ قراراً بمتابعة الأنقلاب، أقلّ ما يمكن قوله أن لبنان في مأزق كبير وأن مصير البلد على المحكّ لا أكثر ولا أقلّ. هكذا بكل بساطة أن مصير البلد على المحكّ. على الحزب الأجابة عن سؤال في غاية البساطة: هل مستقبل البلد يهمه؟ هل بقاء البلد كبلد يهمّه أم أنّ ما يهمّه بقاء لبنان quot;ساحةquot; لللآخرين؟ مصير لبنان على المحكّ... تلك هي المسألة. لو لم يكن الأمر كذلك لما كانت مثل هذه الأسئلة مطروحة من قريب أو بعيد في بلد لم يعد فيه من يتجرّأ على الحديث عن الحقيقة المتمثّلة في أن اللبنانيين، بفضل الأنتصارات والأنجازات التي حقّقها quot;حزب اللهquot;، صاروا لاجئين لدى اللاجئين. الدليل على ذلك أن سبعمئة وخمسين لبنانياً لجأوا قبل أيّام ألى مخيّم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين قرب صيدا. هل في الأمكان الحديث عن أنتصار أو أنجاز عندما يصبح اللبناني لاجئاً عند لاجئ؟ ليس مقصوداً الأساءة بأي شكل ألى الأخوة الفلسطينيين في لبنان، لكنّ المطلوب ألاّ يقع لبنان في الأخطاء التي وقع فيه الفلسطينيون منذ ما قبل النكبة في العام 1948 من القرن الماضي. هل من يريد أن يسمع؟ هل من يريد من يتّعظ من دروس الماضي القريب؟ هل من لديه ولاء للبنان؟














التعليقات