الجمعة: 2006.08.11
د. رغيد الصلح
بعد اتفاق أوسلو انتعشت التوقعات في الشرق الأوسط والمجتمع الدولي حول إمكان تحقيق تعايش بين ldquo;إسرائيلrdquo; والدول العربية. بل ان اتفاق أوسلو نفسه ذهب إلى أكثر من ذلك بكثير، إذ تطرق في بنود كثيرة منه إلى تنظيم شراكة ومشاريع مشتركة ldquo;إسرائيليةrdquo; فلسطينية على النطاق الاقليمي. وتعززت هذه التوقعات بعدما انضم الأردن إلى مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية في توقيع معاهدة سلام مع ldquo;إسرائيلrdquo;، وبعدما تبادلت بعض الحكومات العربية فتح مكاتب ldquo;تجاريةrdquo; مع ldquo;الإسرائيليينrdquo;.
ومن أجل تثبيت هذه التوقعات وتحويلها إلى قناعات غير قابلة للتبدل، والى واقع لا يمكن التراجع عنه، وظفت حكومات غربية قسطاً لا يستهان به من طاقاتها السياسية والمالية في تنفيذ مشاريع ldquo;إسرائيليةrdquo; فلسطينية مشتركة. وبعد سنوات من اتفاق أوسلو، خيل للكثيرين ان ما كان مجرد توقعات متفائلة، تحول إلى حقائق راسخة، وان فكرة التعايش الفلسطيني ldquo;الإسرائيليrdquo; فالعربي ldquo;الإسرائيليrdquo; فرضت نفسها على المنطقة، وانه ما من طرف من الاطراف المعنية يمكنه التراجع عنها.
رغم هذه التطورات، تعرضت هذه النظرة إلى انتكاسة قوية والى المساءلة الواسعة والى المراجعات المستفيضة بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية وقيام شارون وغلاة الصقور في ldquo;إسرائيلrdquo; بتشكيل الحكومة ldquo;الإسرائيليةrdquo;. وأصيبت هذه النظرة بمزيد من الانتكاس بعد وصول جورج بوش إلى الرئاسة الأمريكية، وبعد إمساك المحافظين الجدد الذين يدعمون سياسة القوة ldquo;الإسرائيليةrdquo; بمفاصل السياسة الأمريكية خاصة في الشرق الأوسط. ولكن فكرة التعايش ldquo;الإسرائيليrdquo; الفلسطيني لم تنحسر ولبثت مستقرة في أذهان قيادات فلسطينية وعربية ودولية. فهناك تداخل بين الجانبين الفلسطيني وrdquo;الإسرائيليrdquo; بحيث استنتج منه متبنو فكرة التعايش انه من المستحيل تهدئة الأوضاع ldquo;الإسرائيليةrdquo; والفلسطينية إلا بالعودة إلى نوع من أنواع التعايش بين الفريقين.
الحرب ldquo;الإسرائيليةrdquo; على لبنان بعنفها وضراوتها تضع على المحك، كما لم يحدث من قبل ولا حتى خلال الانتفاضتين الفلسطينيتين، فكرة التعايش العربي ldquo;الإسرائيليrdquo;. لقد أعادت هذه الحرب، خاصة الأعمال الحربية التي نفذتها ldquo;إسرائيلrdquo; في لبنان، والمجازر التي ارتكبتها ضد اللبنانيين والمقيمين في لبنان طرح قضية العلاقات العربية ldquo;الإسرائيليةrdquo; برمتها، وازاحت الحرب من الأذهان، من أذهان العديدين من أصحاب القرار ومن أصحاب الرأي في المنطقة، الكثير من ldquo;المسلماتrdquo; التي قبلت في أعقاب أوسلو. لقد أعادت هذه الحرب من جديد، وعلى إيقاع أعمال القتل والتشريد، المسألة إلى بدايات المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني في المنطقة. وجددت هذه الحرب السؤال الذي شغل الجسم السياسي العربي لعقود من الزمن حول احتمال التعايش مع ldquo;إسرائيلrdquo; ومع الصهيونية.
لقد تطورت نظرية التعايش بين دول متحاربة ونظم سياسية متضادة تطوراً كبيراً عبر السنوات، وتبلورت في أعقاب الحرب الصينية الهندية التي وقعت خلال عام 1954 وفقا للمرتكزات الرئيسية التالية: الاحترام المتبادل للوحدة الترابية والسيادة، الامتناع عن ممارسة سياسة العدوان، عدم التدخل في شؤون الآخرين، تأكيد المساواة والمنافع المتبادلة، التعايش السلمي. فإذا راجعنا تاريخ الحركة الصهيونية نجد انها انطلقت من نقض كامل لكل مبدأ من هذه المبادئ. فتلك الحركة نشأت على نفي الوحدة الترابية الفلسطينية وسيادة الفلسطينيين على ارضهم، وعلى التدخل في شؤون الفلسطينيين والعرب، وعلى عقلية الاستحواذ التي تنفي أي نفع متبادل.
وعندما أنجبت الحركة الصهيونية ldquo;إسرائيلrdquo;، فإنها مارست سياسة العدوان دون وازع. حتى زعماء ldquo;إسرائيلrdquo; يقرون بأن بعض الحروب التي شنوها على الدول العربية، مثل حرب عام 1967 وحرب عام 1982 لم تكن حروب ضرورة (NECESSRY) بل حروب اختيار (CHOICE)، أي أن ldquo;إسرائيلrdquo; لم تكن عندها أمام خطر يستحق تنفيذ الحرب ضد العرب.
وكما كانت هذه الحروب بالأمس، فإن حرب ldquo;إسرائيلrdquo; اليوم هي حرب اختيار وليس حرب ضرورة. فخطف جنديين ldquo;إسرائيليينrdquo; يمثل عملاً عسكرياً. ومن يخطف جنديين يتوقع رداً عسكرياً، ولكن أي رد؟ وبأي منطق؟ لقد ردت ldquo;إسرائيلrdquo; على هذا العمل العسكري الذي قامت به المقاومة اللبنانية بقصد تحرير أسراها من سجون الاحتلال بحرب شاملة لم تستهدف المنظمة التي قامت بالعمل فحسب ولا حتى الحكومة اللبنانية والقوات التابعة لها، بل استهدفت البلد برمته. وطبقت على بعض مناطق لبنان، من دون أي وجل وورع، مثل الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، سياسة الأرض المحروقة التي طالت المدنيين بصورة خاصة. وأجبرت الحرب الشاملة والاختيارية التي شنها ldquo;الإسرائيليونrdquo; على لبنان حوالي ربع سكانه على الهجرة إلى المناطق الأقل تعرضاً إلى القصف، أي ما يضاهي اجبار 300 مليون صيني أو 65 مليون أمريكي، أو 37 مليون روسي على التشرد. وقتل ldquo;الإسرائيليونrdquo; خلال أيام قليلة ما يفوق الألف من المدنيين اللبنانيين، أي ما يوازي 62500 أمريكي، وهو رقم يساوي مرة ونصف المرة عدد الجنود الأمريكيين الذين خسرتهم الولايات المتحدة في حرب فيتنام، و16 ضعف عدد الذين ذهبوا ضحية العدوان على مركز التجارة الدولي في نيويورك.
لقد تعرض الأتراك إلى ldquo;استفزازاتrdquo; كثيرة من حزب العمال الكردستاني المتمركز في شمال العراق، وتعرض الافغانيون يوم كانوا حلفاء لروسيا إلى ldquo;استفزازاتrdquo; مستمرة من الجماعات الدينية التي كانت متمركزة في الباكستان، وتعرض الروس انفسهم إلى ldquo;استفزازاتrdquo; كثيرة من جماعات شيشانية كانت تتلقى تدريبها في اراضي جورجيا الحليفة للولايات المتحدة، وتعرض البريطانيون إلى ldquo;استفزازاتrdquo; كثيرة من ldquo;الجيش الايرلندي الجمهوريrdquo;، ولكن أياً من هذه الدول لم تسمح لنفسها بتدمير البلدان التي انطلق منها أو لجأ اليها ldquo;المستفزونrdquo;. لماذا يشن ldquo;الإسرائيليونrdquo; حرباً شاملة واختيارية وينفذون سياسة الأرض المحروقة ضد البلد الذي أتى منه ldquo;المستفزونrdquo;، بينما تجنبت الدول والكيانات الأخرى مثل هذا النهج الوحشي؟
فلنعد إلى ldquo;الجذورrdquo;، كما ينصح الرئيس الأمريكي جورج بوش. فلنعد إلى العقيدة التي تستقي منها ldquo;إسرائيلrdquo; مثل هذا النهج. فلنعد إلى أبرز مفكري هذه العقيدة والى منظرها الحقيقي والفعلي الذي كان له التأثير الأكبر عليها منذ الثلاثينات. فلنعد إلى فلاديمير جابوتنسكي لكي نجد جواباً عن ذلك السؤال، ولكي نسبر، مجدداً مدى استعداد ldquo;إسرائيلrdquo; للتعايش السلمي مع العرب. لقد كتب جابوتنسكي يقول: ldquo;إذا أردت ان تبني مستوطنة فمن المفروض ان تفعل ذلك في حماية قوة لا تعتمد على رضى السكان، وان تنفذ ذلك خلف جدار من النار لا يخترقونه. أما الاتفاق مع هؤلاء فإنه مستحيلrdquo; وrdquo;إذا أردت ان تستعمر بلداً يقطنه شعب، فمن المفروض ان تنشئ حامية للدفاع عنه، الصهيونية هي مغامرة استعمارية، لذلك فإن مصيرها مرهون بقوة الجيش الذي تبنيه. تحيا بقوته وتنهار بضعفهrdquo;.
كلمات الأب الروحي للذين يمسكون بالسياسة ldquo;الإسرائيليةrdquo; اليوم لا تحتمل تأويلاً كبيراً، وسلوك القوات ldquo;الإسرائيليةrdquo; المعتدية في لبنان تعبر عن التزام بليغ بتلك الأفكار. كل ذلك يدل على ان ldquo;الإسرائيليينrdquo; ينظرون إلى فكرة التعايش على أنها ليست إلا ضرباً من ضروب الوهم، وأنها مفيدة طالما انها تساعدهم على اعطاء الانطباع بأنهم مسالمون لا يطلبون من دنياهم إلا العيش الآمن. حرب لبنان جديرة بأن تسلط الأنظار على الموقف ldquo;الإسرائيليrdquo; الحقيقي تجاه مسألة التعايش، وان تقنع بعض العرب بضرورة تجنب الأوهام حول هذه المسألة وبضرورة الكف عن الترويج الساذج لها.
* كاتب لبناني














التعليقات