أمير طاهري


هل كان تاسيتوس هو الذي قال laquo;الهزيمة يتيمة والنصر له آلاف الآباءraquo;؟

أيا كان القائل، فإن هذا القول ينطبق الآن على الحرب الأخيرة بين اسرائيل وحزب الله.

فرئيس الوزراء الاسرائيلي يهود أولمرت، يتباهى بنصر تكتيكي بعد يوم واحد من صدور قرار من مجلس المن الدولي التابع للأمم المتحدة، يقضي بوقف اطلاق النار. كما ادعى الرئيس جورج دبليو بوش نصرا آخر في حربه العالمية ضد الارهاب، من دون ان يخبرنا عن كيفية وسبب ذلك.

وذهب زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله أبعد من ذلك، بزعمه تحقيق laquo;نصر استراتيجيraquo; يعني اذا ما اخذ حرفيا، ان حركته هي الآن في وضع يسمح لها لا بسحق اسرائيل وحدها فحسب، وانما laquo;الاستكبار العالميraquo;، أي الولايات المتحدة في المستقبل القريب.

وlaquo;النصر الاستراتيجيraquo; يأتي عندما تنتقل المبادرة بشكل نهائي الى ايدي طرف ضد الطرف الآخر. وتحدث تشرتشل عن laquo;النصر الاستراتيجيraquo; بعد ان نزلت قوات التحالف في نورماندي يوم السادس من يونيو عام 1944. وتحدث ترومان عن laquo;النصر الاستراتيجيraquo; بعد أن ألقت الطائرات الأميركية قنابل على هيروشيما وناغازاكي.

وبموجب تلك المعايير، من الصعب ان نرى الأساس لادعاء نصر الله. كما جرت المزاعم بالنصر من جانب رئيس الجمهورية الاسلامية محمود أحمدي نجاد، والرئيس السوري بشار الأسد.

وفي طهران أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، ان اسرائيل عانت من laquo;هزيمة كليةraquo;، ملمحا الى أن وعد أحمدي نجاد بـlaquo;إزالة لطخة العار اليهودية من على الخارطةraquo; سيتحقق قريبا.

وردد بعض المعلقين الغربيين اصداء ذلك الزعم، مشيرين الى ما يرونه نجاحا ايرانيا ضد الولايات المتحدة في حرب خيضت بالنيابة. وهم يعتقدون ان طهران هي الآن في موقع أقوى لمواجهة التحالف الدبلوماسي الذي تقوده الولايات المتحدة بشأن قضية الطموحات النووية الإيرانية.

وفي طهران أيضا ادعى آية الله علي اكبر محتشمي، الرجل الذي أسس الفرع اللبناني لحزب الله، بتحقيق laquo;النصرraquo; لعبقريته المفترضة في تأسيس الميليشيا الشيعية.

بل إن هناك مزاعم بالنصر أكثر غرابة.

ويرى الحلفاء السياسيون لرئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، الطريقة التي انتهت بها الحرب نصرا لحكومته. غير أنه ما من احد يكلف نفسه عناء التعبير عن الطريقة التي تم بها ذلك.

كما أننا نجد مزاعم بالنصر من جانب الأمم المتحدة، الهيئة التي استخدمت لإضفاء مظهر شرعي على أكثر المساومات رياء.

وبعيدا عن الإطار الرسمي ثار جدال حول laquo;من الذي انتصرraquo; في العالم العربي واسرائيل، ناهيكم من الاعلام الغربي.

ويواصل بعض الكتاب العرب تقليدا مديدا من خداع الذات، يصور كل هزيمة باعتبارها نصرا. وجسد آخرون أعراضا حادة من كراهية الذات. وشأن الأميركيين المناهضين لأميركا ممن يرون كل شر تحت الشمس نتيجة خطط أميركية، فإن هؤلاء العرب المناهضين للعرب مستعدون، على الدوام، للتفكير بأسوأ طريقة بشأن شعوبهم وحرمان العرب من أية مصداقية. ويمكن رؤية موقف مماثل في إسرائيل حيث تبدو كراهية الذات اليهودية مكتسبة مزيدا من الأصوات.

وظل الإعلام الغربي منقسما في إطار المواقف الحزبية التقليدية. فالصحف المناهضة لأميركا اثنت على نصر حزب الله، بينما حاول مؤيدو التحالف الأنغلوساكسوني ان يصوروا اسرائيل باعتبارها المنتصرة.

وتتحدث صحيفة بريطانية عن laquo;نصر مقنعraquo; لحزب الله بينما تزعم صحيفة أخرى بأن اسرائيل laquo;انتصرت عبر تحقيق معظم اهدافهاraquo;. غير انه عندما يجري قول وفعل كل شيء فإن مثل هذه المزاعم والمزاعم المضادة، لا صلة لها بالموضوع. والسبب أن الشخصيات الرئيسية يعرفون في اعماق قلوبهم ما هو الوضع الحقيقي. وحتى أولئك الواهمون يعرفون عميقا ما اذا كانوا منتصرين أم مهزومين.

اذن ما الذي يفكر به المواطن العادي في اطار كل هذه المزاعم والمزاعم المضادة؟

النقطة الأولى التي تستحق التأمل، هي ان العالم اليوم نادرا ما يسمح بحرب في ان تنجز مهمتها حتى النهاية.

والحرب تظهر عندما يدرك خصمان أو أكثر انه ليست هناك وسائل اخرى لحل النزاع السياسي. ومهمة الحرب تتمثل في مساعدة الخصوم على اكتشاف كل طرف بداية آلام الطرف الآخر. وما أن يدفع طرف الى تلك البداية، فإنه يستسلم موفرا للحرب فرصة الانتهاء بمنتصر واضح ومهزوم واضح.

الحرب في عصرنا الراهن لا يسمح لها بالاستمرار الى ان يكتشف هذا الحد من الألم. وفي معظم الأحوال يتدخل المجتمع الدولي، الذي تعتبر الامم المتحدة رمز له، لوقف الحرب قبل ان تحقق اهدافها. نتيجة لذلك، اصبح العالم خلال العقود الخمس او الست الماضية يعج بحروب غير حاسمة افرزت كل منها نزاعا اكبر حجما.

الحرب الصغيرة بين اسرائيل وlaquo;حزب اللهraquo; لا تعتبر استثناء. فهي امتداد لحربهما عام 1996، ولكن على نطاق اكبر. لم يسمح المجتمع الدولي لتلك الحرب بتحقيق اهدافها كاملة وجاء بمنتصر ومهزوم، وكانت النتيجة هذه الحرب الاخيرة. هذا على وجه التحديد ما حدث مرة اخرى، ولكن هذه المرة بوقف جديد لإطلاق النار برعاية الامم المتحدة.

وبما ان أيا من الطرفين لم يدفع في هذه الحرب الى مرحلة متقدمة، لم يكن هناك طرف منتصر وآخر خاسر، وهذا في حد ذاته مؤشر لاندلاع حرب اكبر حجما عاجلا او آجلا.

ولنأخذ في الاعتبار الآن بعض الأسئلة:

هل تعرضت اسرائيل لإضرار كافية تجعلها تفكر في الاستسلام أو على الأقل في تغيير سياستها بصورة عامة في الشرق الاوسط؟

ماذا عن الولايات المتحدة؟ هل تعرض لحق الأذى ببوش على نحو يجعله يتخلى عن خططه الخاصة بـlaquo;الشرق الاوسط الكبيرraquo;، او على الأقل وقف محاصرة ايران، فيما يتعلق ببرنامجها النووي؟

هل تعرضت ايران لخسارة تجعلها تدرك انه ليس بوسعها مشاريع الولايات المتحدة في الشرق الاوسط من خلال الحروب بالوكالة؟

وهل تضرر laquo;حزب اللهraquo; بصورة كبيرة تجعله يدرك انه لن يستطيع ان يقدم للشيعة اللبنانيين قيادات على المدى الطويل من خلال استدراجهم الى ما يمكن القول انه مبارزة بين الادارة الاميركية الشرسة، والقيادة الايرانية التي تتسم بالتحدي؟

الإجابة عن كل الأسئلة اعلاه بـlaquo;لاraquo;.

كان بوسع اسرائيل مواصلة القتال على مدى عدة شهور، إن لم يكن سنوات، من دون ان يفكر الاسرائيليون في الهروب من الشرق الاوسط. كما ان لدى اسرائيل قوة نارية تسمح لها بتفجير لبنان ومحوه من الوجود، اذا دفعت هذه الحرب اسرائيل الى حافة الخطر.

الولايات المتحدة ايضا لم تكن تجد نفسها في حافة خطر نتيجة للحرب الاخيرة، ولا حتى من الناحية السياسية.

كان بوسع laquo;حزب اللهraquo; الاستمرار في القتال على مدى عدة شهور اخرى. فقد كان الجيش الخاص لنصر الله، يطلق على اسرائيل 80 صاروخا في المتوسط. وبهذا المعدل كان بإمكان laquo;حزب اللهraquo;، ان يواصل عمليات إطلاق الصواريخ على مدى ستة شهور قبل ان ينفد مخزونه. ومن الممكن ان يحصل على المزيد من الصواريخ من ايران، وهذا سيسمح له نظريا بمواصلة هجماته على أهداف مدنية اسرائيلية باستمرار.

اما بالنسبة لإيران، فإن تمويل وتسليح laquo;حزب اللهraquo; يمثل استثمارا بسيطا في مواجهة كبيرة. بوسع الجمهورية الاسلامية الايرانية الإبقاء على laquo;حزب اللهraquo; وعدة ميليشيات مثله على قيد الحياة على مدى سنوات.

وفيما لا يمكننا ان نجزم بالطرف الذي كسب هذه الحرب الصغيرة، يمكن ان نؤكد ان أيا من الأطراف والجهات المناصرة قد دفعت الى حافة الخطر في هذه الحرب. إلا ان هذا لا ينطبق على سكان لبنان الذين كان عليهم دفع ثمن مزاعم تحقيق الانتصار من عدة جهات. انهم اوشكوا على الوصول الى حافة الخطر، وانهم من الواضح ليسوا على استعداد لاستمرار الحرب فترة اطول.

ربما يكون هذا هو الجانب الايجابي الوحيد، الذي يبعث على امل الخروج من هذه المأساة. الذين يتمنون إدخال لبنان في حرب اخرى، مهما كان سببها، ربما يجب عليهم التفكير مرتين قبل الضغط على الزناد.