السبت: 2006.08.19
توماس فريدمان
لست متأكداً بعد ممن هو الطرف الفائز في الحرب الأخيرة التي دارت بين quot;حزب اللهquot; وإسرائيل. غير أنني واثق تمام الثقة ممن هو الخاسر الأعظم فيها, وأعني به دافع الضرائب الإيراني. وهل ثمة أدنى غموض في ذلك؟ فما أن وضعت تلك الحرب الطائشة أوزارها حتى أعلن حسن نصرالله زعيم quot;حزب اللهquot; ndash;والذي أشعل فتيلها- عن استعداده للدفع النقدي لآلاف الأسر اللبنانية التي تضررت منازلها بسبب الحرب. جاء ذلك على لسانه شخصياً كما يلي: quot;سوف ندفع تعويضاً مالياً معيناً لكل أسرة من الأسر المتضررة, حتى تتمكن من استئجار بيت لمدة عام كامل, إضافة إلى شراء الأثاثات لتلك الأسر التي دمرت منازلها بالكامل. ويبلغ عدد الأسر هذه 15 ألف أسرةquot;. كما تعهد نصرالله بأن حزبه سيتحمل مسؤولية إعادة بناء المنازل والمنشآت الاستثمارية التي دُمرت, مؤكداً القول إنه لن يحتاج أي من المتضررين للجوء لأحد من أجل الحصول على المساعدات المالية أو للوقوف في صفوف الانتظار الطويلة للغرض نفسه. وإذا ما أعدنا قراءة ذلك البيان شبه الحكومي, فكأن لسان حاله يقول quot;إنكم في أيد أمينة مع حزب اللهquot;.
غير أنه من حقنا أن نتساءل: من أين لـquot;حزب اللهquot; أن يأتي بما يقدر بنحو 3 مليارات دولار, هي التكلفة التقريبية لإعادة بناء لبنان؟ وحتى آخر مرة راجعت فيها مؤشر quot;ناسداكquot; الاقتصادي, لم ألحظ أن لـquot;حزب اللهquot; شركات مسجلة فيه. كما لا يعرف عن هذا الحزب إنتاجه أو تصنيعه لأي سلعة أو منتج ما. وبالمثل فإنه لا يتقاضى ضريبة من أي من أتباعه ومريديه. وعليه فلا يبقى سوى تفسير واحد هو أن طهران تقتطع من عائداتها النفطية كي تحول النقد والأموال اللازمة للسيد حسن نصرالله, تجنيباً له من حنق اللبنانيين وغضبهم عليه من إشعاله حرباً لم يحصدوا منها شيئاً سوى الخراب والدمار.
لكن وبفضل ارتفاع سعر النفط إلى 70 دولاراً للبرميل الواحد, فقد أمكن لـquot;حزب اللهquot; الحصول على صواريخ كاتيوشا والخبز والزبد معاً. فيا له من هناء! ولمَ لا وأموال النفط تحيط به وتغرقه كما مياه البحيرات؟ تبدو طهران وحسن نصرالله كما لو كانا طالبين ميسورين مرفهين استأجرا لبنان كله خلال موسم الصيف الحالي, وكأنه منتجع صيفي ساحلي لهما. وكأن لسان حال كليهما يقول في تلك اللحظة quot;دعنا نحطم كل شيء... فبابا سيدفع النقودquot;. على أن الملاحظ هو أن حسن نصرالله قد أخفى شيئاً واحداً فحسب لم يهمس به مجرد همس في آذان اللبنانيين، ألا وهو quot;هيا واصلوا مسيرة التغييرquot;.
وعلى سبيل المقارنة، فقد كان دافع الضريبة الروسي, هو من وقع على كاهله عبء إعادة بناء الجيوش العربية بعد أن دمرتها إسرائيل. وها قد جاء الدور الآن على دافع الضريبة الإيراني كي يسدد فاتورة الحرب الضخمة التي أشعلها حليف بلاده quot;حزب اللهquot;. لكن بما أن طهران قد أبدت سعادة ما بعدها سعادة بالإنفاق على صواريخ quot;حزب اللهquot; وتسليحه عسكرياً, فقد حانت اللحظة كي نرى ما إذا كانت ستسعد أيضاً بالإنفاق عليه لإعادة بناء المدارس والمستشفيات اللبنانية المدمرة.
وهذا هو عين السبب الذي يجعلني بكل هذا القدر من الهوس بتخفيض أسعار النفط العالمي. فما لم نأخذ هذا الأمر على محمل الجد, فإنه لن يتسنى لنا مطلقاً تحقيق أي تحول ممكن في منطقة الشرق الأوسط, باتجاه حكومات يتسم أداؤها بالشفافية والديمقراطية والخضوع للرقابة والمحاسبة. بل على العكس تماماً, فإننا سوف نشهد المزيد من السلوك الطائش وغير المسؤول على غرار ما رأيناه في هذا العزف الثنائي السيئ من جانب كل من طهران وحسن نصرالله. وبالمناسبة.. هل لسوريا من ظهر مالي تستند عليه في مواجهة العقوبات الأميركية المفروضة عليها؟ ما أعلمه عن دمشق هو أنها لا تصدِّر الرقائق والشرائح الإلكترونية, إنما تصدر نحو 200 ألف برميل يومياً من النفط. وذلك هو ما يبقي على نظامها الذي ينخر فيه الفساد. والمعروف عن هذا النظام أنه يدعم كل شيء تقريباً من وقود الديزل وحتى الخبز. ولكن يلاحظ أيضاً أن أعمار نصف المواطنين السوريين تقع ما دون سن العشرين ndash;مثلها في ذلك مثل إيران- ولكن تتفشى في أوساطهم الفاقة والبطالة في ظل غياب أي إصلاحات اقتصادية فعلية. ورغم أن الأرض لا تنفك تمور وتموج تحت أقدام النظام السوري الحاكم, فإن سحر أموال النفط لا يزال قادراً على تثبيت أركانه وأقدامه في الوقت الحالي.
أما إيران فتحتل هي الأخرى المرتبة الثانية في قائمة منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط, لكونها تصدر منه 2.4 مليون برميل يومياً إلى مختلف الأسواق العالمية, بما يعود على خزانة حكومتها بحوالى 5 مليارات دولار شهرياً. غير أن الحقيقة هي أن على إيران تصدير ما يزيد على ثلث إنتاجها من خامها النفطي لأنه ليس في وسعها تصفيته محلياً. وبما أن النفط لا يزال يشكل السند الرئيسي لهذه الأنظمة القمعية القهرية, سواء كانت في إيران أم سوريا أم في غيرهما, وبما أنه لا يزال يمثل صمام الأمان الرئيسي لها أمام الضغوط والإلحاح من أجل التغيير السياسي والاقتصادي, فإن علينا أن ننزع عنها صمام أمانها هذا ونجردها منه.














التعليقات