رشيد الخيون


ترتبط أحداث كثيرة من تاريخ العراق، وقبلها الجزيرة العربية، بقبيلة بني أسد. والسائر من الأخبار، وما كان يقصه علينا الكبار، من أجدادنا آل خيون، أنهم حلوا بالعراق بعد قتل العلباء الأسدي ملك كندة والد الشاعر الشريد أمرؤ القيس. وأنهم، بعد حين من الدهر، حلوا ببابل فشيد مزيد الأسدي مدينة الحلة، وهي الآن كبرى مدن الفرات الأوسط. ثم غربوا وشرقوا حتى استقرت مشيختهم الرئيسية في الأهوار في جنوب العراق، وعُرفت في العهد العثماني منطقتهم، المسماة قديما بـ laquo;الجزائرraquo;، عرفت بدار بني أسد. وظل يلوذ ببرديهم وقصبهم ولاة ووزراء عثمانيون خارجون على السلطان، وحصل أن شيدت في إحدى المعارك من رؤوس مقاتلي بني أسد مسلة، تعلو أطراف القصب.

وعلى الرغم من توزع العشيرة على بلدات العراق إلا أن المشيخة الرئيسية ظلت في الأهوار وعلى أطراف البصرة. وفي كل مكان يحل به الأسديون يصاحبهم واحد من أفراد عائلة آل خيون فيكون هناك شيخاً بلا منافس.

وأبرز شيوخهم على الإطلاق هو سالم الخيُّون laquo;ت 1954raquo; ، وكان على صلة بالأمير laquo;الشريفraquo; فيصل بن الحسين ببغداد قبيل تتويجه ملكاً، إلا أنه قبل ذلك، ومع انتهاء الحكم العثماني، اتصل بمراجع النجف وعرض عليهم إعلان نظام جمهوري، لكن الإنكليز عارضوا ذلك، فأرسلوه مخفوراً إلى الهند، ثم إلى الموصل. وظل يمثل معارضة خفية مع الدولة على الرغم من قبوله منصب وزير في أول وزارة عراقية (1921) برئاسة عبد الرحمن النقيب.

لم يكن سالم الخيون ولا معاصروه يخضعون إلى الحس الطائفي آنذاك، بل كانت صلاته مع الوجيه البصري السُنِّي عبد الرحمن النقب قوية، ولهما اصطفاف معروف داخل المجلس التأسيسي العراقي.

صباح أول من أمس اتصلت ببعض الأهل مستفسراً عما سمعته من أنباء عن اغتيال ابن عمي فيصل خريبط الخيُّون، شيخ عشيرة بني اسد بالبصرة، وعن هجوم عشيرة بني أسد على محافظة البصرة ردا على ذلك. شعرت في قرارة نفسي أنني في واد وهم في واد آخر، فنبرة التهدئة التي كنت اتحدث فيها الى قرابتي كانت استفزازاً لهم. قال لي الضابط الطيار المتقاعد بسبب سقوط طائرته laquo;السوخويraquo; في صحراء السماوة (1971) فاروق الخيُّون: ماذا تريد أن نفعل وقد قتلوا سبعة منا، وها هم قتلوا كبيرنا فيصل؟ استفسرته مَنْ الجاني قال: المحافظ، محافظ البصرة نفسه؟ ثم قال: كل ما سمعته من فضائية laquo;الفيحاءraquo; كذب صريح، لقد حسبونا إرهابيين، ونحن نقتل في بيوتنا، ولو كانت لدينا فضائية لتحدثنا وكشفنا حقائق كثيرة.

عندها لم أتمكن حتى من قول كلمات التعازي، وأنا أسمع ما يشحذ الماضي التعيس بكل هذه القوة! أين أنا وأين مضارب العشيرة!؟ أين أنا وتقاليد العشيرة التي هجرتني وهجرتها! لكن كما يبدو أن انفعال مَنْ يعيش المأساة غير انفعالي، وليس لي الحق في الحديث عن عراق جديد، ومتجدد، وعن سقوط طاغية وسلطة دكتاتورية، بل ليس لي الحق التذكير بعصر أبي نواس (ت 200هـ)، وحداثته التي تبدو منتمية إلى عصر الفضاء والإنترنت، بينما بصرته، مدينته، التي عاش فيها في القرن الثاني من الهجرة دار جهالة وظلمة، وهي لا تنتمي لعصر معتزلتها وإخوان صفاها، وحتى لا تنتمي إلى العصور الوسطى وما نسميه بالفترات المظلمة. قال أبو نواس معلناً بداية نهاية العشائرية وتقاليدها، تلك الثقافة التي يغرسها محافظ البصرة غرساً في العقول:

عاج الشقي على رسم يسائله

وعجت أسأل عن خمارة البلد

لا يرحم الله عيني من بكى حجرا

ولا شفى وجد من يصبو الى وتد

قالوا ذكرت ديار الحي من أسد

لا در درك قل لي من بنو أسد؟

ومن تميم ومن قيس واخوتهم

ليس الاعاريب عند الله من احد!

تعيش البصرة وغيرها من بلدان العراق انتعاش العشيرة والمذهب وكل ما يضيق العقول ويحزن الصدور، ومع ذلك الانتعاش تنشأ أجيال مفارقة للضياء مكبلة بداء الطائفية، وما يصاحبه عادة من الجهل والتجهيل. هذا عصر مقتدى الصدر، وقوله: لا أستطيع حل جيش المهدي لأنه من صلاحيات صاحبه الإمام. هذا عصر آية الله الصرخي الحسني، وهو يلتقي بالإمام المهدي المنتظر على مدار الساعة. هذا عصر ليس كبقية العصور، ينفرد بجهله وقسوته، مع ما يصاحبه من إدعاءات شفافة: حرية، فيدرالية، ديمقراطية!

لم يبق في ذاكرتي من العشيرة غير اسم المدرسة، التي درست فيها الدراسة الابتدائية الأسدية، وغير ألقاب التصقت بكتاب كبار من أمثال فهد الأسدي، لكن ذلك اللقب لم يثر فينا روح الشحنة العشائرية، بل كان كتاب استاذنا فهد عندما يصل إلى دار بني أسد يشتريه حتى غير القارئين والكاتبين، يشترونه فخراً بأولادهم الذين تعلموا وشقوا طريقهم ببغداد، بين كُتابها وشعرائها ومثقفيها عامة.

أما عصر محافظ البصرة الوائلي، وعصر الدعوة إلى الفدرالية، وتهريب النفط وهو في باطن الأرض بعد، فلا يفتخر بنو اسد بفهد أو بمحمد رضا الشبيبي، وآل الجزائري، وغيرهم من أُصول المنطقة، بل يفخرون بمَنْ يحمل السلاح ويذود عن حياض العشيرة. ولا أخفي سراً أن اتصالي الهاتفي كانت فيه دعوة صريحة لحضوري لأكون أحد الذائدين عن حياض العشيرة.

ولما اعترضت بأن العالم تغير وتقدم، والزمن ليس زمن العشائر والقبائل، سمعت نبرة لوم وتعجب بأنني أسبح في مياه أخرى، واني متنصل عن أهلي وعمومتي. ما أحاول اقناع نفسي به هو أن هذا الزمن زمن مخاض، وزمن شدة، ولا بد للفرج أن يولد، laquo;اشتدي أزمة تنفرجيraquo;، لكن متابعة أخبار العراق، ومعارك العشائر، وتأسيس نواديها وأحزابها، وما يبث في عقول العراقيين من خرافة، لا تصدق حتى في وادي عبقر.

أعود وأقول سيبقى ما نأمله للعراق مجرد حلم. ولم يعد جدنا الشيخ سالم الخيون يدعو للجمهورية، أو يطلب الديمقراطية، وهو في العصر العثماني وفي مجاهل الأهوار، حيث قال لفيصل الأول: laquo;يا جلالة فيصل بايعناك على أساس ديمقراطية دستورية، ولم يحصل هذا، فهل تصح البيعة في رقابناraquo;؟ وإذا كان الشيخ يقولها فأحفادها كفروا بها، ولتهنأ الأحزاب الدينية، وتنثر بركاتها على عراق لم يتركوا فيه غير التراب والحصى! فالمحنة أكبر مما كان يتمناه شاعر البصرة أبو نواس قل لي: مّنْ بنو أسدraquo;!