الجمعة: 2006.08.25
ويليام فاف - تريبيون ميديا سيرفيس
يعود الخلاف الدائر الآن في أوروبا حول المساهمة الأوروبية المحتملة في قوة حفظ السلام الدولية في لبنان، إلى غياب ما يكفي من الوضوح حول مهام القوة نفسها. يذكر هنا أن مجلس الأمن الدولي الذي أقرّ هذه القوة قد تأثر بالظروف والضغوط التي أحاطت بإصدار قراره ذاك، ومن هنا فإنه لو جرى تطبيق القرار كما هو، فإنه حتماً آيل للفشل. وكان هذا السعي الدولي الحثيث وراء قرار وقف إطلاق النار، قد نشأ من المطالبة الدولية بوقف القتال المتبادل بين إسرائيل وquot;حزب اللهquot;. ولم يكن في نية إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأميركية في بادئ الأمر، أن تكلل هذه المطالب الدولية بالنجاح، بسبب تصديق كلتا الدولتين الحليفتين لأسطورة أن الوقف الفوري لإطلاق النار، سيقطع الطريق أمام عزم إسرائيل على استئصال شأفة quot;حزب اللهquot; من جذورها، وهو أمر ستفرح به غالبية اللبنانيين، حسبما زعمت الأسطورة التي جرى تسريبها إلى ذهن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، عبر جنرالاته وقادته العسكريين. واقتناعاً منها بفكرة أن القوات الإسرائيلية لم تكن بحاجة سوى إلى القليل من الوقت لتنجز مهمتها تلك، ما كان من كوندوليزا رايس إلا أن أعاقت إصدار قرار من مجلس الأمن في بادئ الأمر، وذلك لمصلحة ضمان quot;وقف دائمquot; لإطلاق النار بين الطرفين على حد زعمها! ولكن الذي حدث أن الدائرة دارت على إسرائيل وجيشها في جنوبي لبنان، حين تمكن quot;حزب اللهquot; من وقف التوغل الإسرائيلي إلى داخل الأراضي اللبنانية برياً. وبدلاً من أن يعرب اللبنانيون عن عرفانهم لإسرائيل -مثلما زعمت الأسطورة- سرعان ما تحول مقاتلو quot;حزب اللهquot; إلى quot;أبطالquot; وطنيين في عيون كثير من اللبنانيين. وحينها هاج العالم وماج، وسرت الرعشة وقشعريرة الخوف إلى أقدام واشنطن التي اهتزت الأرض من تحتها. وفوجئ الجمهور الإسرائيلي باستمرار قصف الضواحي الشمالية من بلاده بالصواريخ التي يطلقها quot;حزب اللهquot;. وحينها سرعان ما بدا وقف إطلاق النار حلاً جيداً لا غبار عليه، بعد أن كان بعيداً وغير مقبول البتة بالنسبة لتل أبيب قبل أن يجتث quot;حزب اللهquot;، وقبل أن يقتل زعيمه حسن نصرالله أو يلقى القبض عليه، ثم قبل أن يعاد الجنود الإسرائيليون المختطفون في جنوب لبنان وقطاع غزة إلى بلادهم دون قيد أو شرط -مع ملاحظة أنهم لا يزالون مختطفين-! ولكن الذي حدث الآن هو إذعان إسرائيل لفكرة الانسحاب الجزئي من الأراضي اللبنانية، في مقابل نزع جزئي لأسلحة quot;حزب اللهquot;. وبين هذا وذاك انتبه quot;حزب اللهquot; إلى أنه أبلى بلاءً حسناً في صموده أمام الزحف البري للقوات الإسرائيلية، مع ملاحظة أن هذا الجيش يعد القوة العسكرية الرابعة الضاربة عالمياً، خاصة وأنه لم يخطر لـquot;حزب اللهquot; مطلقاً أنه وباختطافه لعدد محدود من الجنود الإسرائيليين لمبادلتهم بمئات الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، أنه قد أشعل نار حرب لا قبل له بها مع أسطورة القوة العسكرية الرابعة عالمياً هذه. نتيجة لهذا الأداء العسكري لـquot;حزب اللهquot;، فإنه لم يكن بذاك القدر من الحماس لوقف إطلاق النار مع إسرائيل. وهذا ما دعا تل أبيب لتعزيز وحداتها وقواتها وتصعيد عملياتها بهدف معاقبة مقاتلي quot;حزب اللهquot;. غير أن الذي حدث هو أن معظم ضحايا ذلك الدمار والقصف البري والبحري والجوي كانوا من المدنيين اللبنانيين، وليس من مقاتلي quot;حزب اللهquot;، بل طال ذلك الدمار البنية التحتية اللبنانية بأسرها. وهكذا دارت الحرب على تل أبيب، بدلاً من quot;حزب اللهquot;. وفي تلك الظروف جاء قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بوقف إطلاق النار، أعرج مغلول اليد. وكانت فرنسا هي من صاغ مسودته نيابة عن الرأي العام العالمي وعن لبنان، بينما شاركت في الصياغة ذاتها واشنطن إنابة عن تل أبيب. والنتيجة هي أن القرار صدر مثقلاً بوعود يصعب الوفاء بها عملياً، من بين تلك الوعود نصه على وقف إسرائيل لعملياتها العسكرية وانسحابها من الأراضي اللبنانية، شريطة نشر قوة دولية مؤهلة بقيادة فرنسا في الخط الحدودي الفاصل بين إسرائيل ولبنان. وكان قد نشأ اعتقاد في أوساط الشارع الإسرائيلي -وليس الحكومة الإسرائيلية بأي حال من الأحوال- أنه quot;حزب اللهquot; سيُرغم على التخلي عن أسلحته، حتى وإن استدعى ذلك استخدام القوة، وهو ما لم يتحقق. وفي تلك الأثناء قالت الحكومة اللبنانية إنها تتمتع بصلاحيات سيادية على حدودها الجنوبية، وأعلنت استعدادها لنشر قواتها في ذلك الشريط الحدودي، جنباً إلى جنب مع القوة الدولية الصغيرة وفاقدة الحيلة، المرابطة أصلاً هناك. وعليه فقد تم التوصل إلى quot;اتفاق جنتلمانquot; طلب بموجبه من quot;حزب اللهquot; نزع أسلحة مقاتليه والكف عن شن هجمات جديدة على إسرائيل، أو التعرض للقوات الحكومية التي سيجري نشرها على امتداد الشريط الحدودي الجنوبي. أما إسرائيل فقد عقدت العزم من جانبها على التظاهر بمراقبتها لتنفيذ قرار وقف إطلاق النار علناً، بينما تواصل سراً إرسال جنودها وجواسيسها هنا وهناك إلى الجنوب اللبناني بحثاً عن قادة quot;حزب اللهquot;، بغية تصفيتهم والتخلص منهم مرة واحدة وإلى الأبد. وبدلاً من إهدار الوقت والجهد سعياً وراء المخطط الإسرائيلي-الأميركي، فإن على أوروبا أن تنسق جهودها وتستنفر رأسمالها السياسي والاقتصادي والمالي، من أجل فرض التسوية السلمية ما بين إسرائيل والفلسطينيين، حتى وإن دعاها ذلك إلى مواجهة الولايات المتحدة وتحديها.














التعليقات