فنجان قهوة
أبو خلدون


لا أحد يستطيع أن يتهم سولجنستين باللاسامية، من دون أن يثير مشاعر الاستخفاف في نفوس قرائه، فهذا الكاتب الذي أحدث ضجة في الأوساط الأدبية العالمية عندما انشق عن الاتحاد السوفييتي في السبعينات من أنصار ldquo;إسرائيلrdquo; والصهيونية المخلصين، وهو يعارض اندماج يهود العالم في المجتمعات التي يعيشون فيها وعندما ترد شخصية يهودية في رواياته، يتعامل معها، كما يقول الناقد ثوماس، المختص بأدبه: ldquo;برقة، باعتبارها ذكية ولامعة ورفيعة المستوى، وتناهض الستالينيةrdquo;. والشخصيتان الوحيدتان اللتان وردتا في رواياته بشكل يثير الاشمئزاز هما شخصية الكسندر بارفوشلفاند الذي حاول تجنيد لينين للتعاون مع المخابرات الألمانية في كتاب ldquo;لينين في زيوريخrdquo;، وشخصية موردكا (أو مردخاي) في رواية ldquo;العجلة الحمراءrdquo; الذي اغتال بيتر ستوليبين لإحباط سياسته في تحديث روسيا ldquo;لأن ما هو في مصلحة روسيا ليس في مصلحة اليهودrdquo;. ويصور سولجنستين موردكا بأنه تحدر من عائلة يهودية اندمجت كليا في المجتمع الروسي.

وفي كتابه الجديد الذي لم يترجم حتى الآن إلى اللغة الانجليزية، ومع ذلك، فإنه أثار عاصفة في الدوائر الصهيونية واليهودية في العالم، يحاول سولجنستين أن يقنعنا أن هنالك نوعين من اليهود يضع هو حدودا فاصلة كثيرة بينهما: الأول هم اليهود الصهاينة والمتدينون، وهؤلاء ينظر سولجنستين إليهم باحترام وتقدير ldquo;لأن جهودهم للحفاظ على خاصية الشعب اليهودي وتماسكه يستحقان الإجلال، وقد ساهم هؤلاء في تقدم روسيا ونهضتهاrdquo; والنوع الثاني هم اليهود الذين اندمجوا في المجتمع الروسي، وهؤلاء لا يترك سولجنستين نقيصة إلا ويلصقها بهم. والكتاب من جزأين، وهو بعنوان ldquo;200 سنة معاًrdquo; ويتناول تاريخ الأقلية اليهودية في روسيا منذ تقسيم بولندا عام 1795 وضم جزء منها إلى روسيا، حيث وجد الروس ما يزيد على مليون مواطن بولندي يهودي بين ظهرانيهم، إلى الوقت الحاضر. ويروي الكاتب بتفصيل كبير ما يطلق عليه ldquo;الانجازات الكبيرة التي حققها اليهود في الحياة والاقتصاد الروسيينrdquo; ولكنه يتطرق أيضا إلى المذابح التي جرت ضد اليهود في عصر القياصرة، ولدورهم في الثورة الشيوعية الأولى عام ،1905 والثانية عام ،1917 والمذابح التي جرت في عهد ستالين وكان اليهود هم ساعد ستالين الأيمن فيها، والتي راح ضحيتها الملايين من ابناء الشعوب السوفيتية. ويبدو أن هذا هو الهدف من وراء الكتاب، إذ إن سولجنستين يريد أن يحصل من قرائه على صكوك براءة لليهود من الجرائم والمذابح التي ارتكبوها في العصر الستالينيني، ويقول: ldquo;ليس هنالك مجال للقول إن اليهود صنعوا الثورة البلشفية، إذ إن الأمة الروسية بأسرها شاركت فيهاrdquo; ولكنه لا يفسر لنا سبب الوجود اليهودي الكبير في قيادة الثورة على أعلى المستويات، فقد كان 53 شخصا من أصل 57 شخصا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في عهد ستالين من اليهود.

الأوساط الصهيونية في العالم استقبلت الكتاب، حتى قبل ترجمته إلى اللغات الأجنبية، بعداء ظاهر، فقد وصفه يفجيني ستانوفوسكي، زعيم الجمعيات اليهودية في روسيا بقوله: ldquo;إنه ليس 200 سنة معاً وإنما 200 سنة من التباين بيننا وبين الروس، وهو لا يساوي حتى قيمة الورق الذي طبع عليه، وكعمل أدبي لا يساوي شيئا على الإطلاقrdquo;.

ونحن نقول كلاما مماثلاً، ولكن لأسباب غير الأسباب التي هي في ذهن ستانوفوسكي.