قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

17 يناير 2007


خيرالله خيرالله


تذكّر العرب والأسرائيليون ومعهم الأوروبيون والأميركيون والروس مؤتمر مدريد للسلام في مناسبة مرور خمسة عشر عاماً على أنعقاده. فأجتمعوا مجدداً قبل أيام في العاصمة الأسبانية في محاولة بدت أكثر من واضحة، يقف خلفها الأوروبيون خصوصاً، لمعرفة ما أذا كان في الأمكان أستكمال ما بدأ في مدريد قبل عقد ونصف عقد بين أسرائيل من جهة وكلّ من سوريا ولبنان والفلسطينيين من جهة أخرى.
بعد جلسات عمل عدّة تلت جلسة أفتتاحية شاركت فيها وفود رسمية وغير رسمية بما في ذلك شخصيّات كانت في مدريد قبل خمسة عشر عاماً، يمكن الخروج بخلاصة فحواها أن أسرائيل تغيّرت كثيراً وانّ همومها صارت مختلفة. وكان ملفتاً في هذا السياق ذلك التركيز الأسرائيلي على quot;الخطر الأيرانيquot; وكيفية مواجهته. ودعا ذلك باحثة روسية شاركت في المؤتمر ووزير الخارجية النروجي يوناس غاهر ستور ألى الدعوة ألى أن تكون أيران حاضرة في أي مؤتمر ذي طابع أقليمي يمكن أن ينعقد في المستقبل.
من بين الوسائل لمواجهة ما يسمّيه بعضهم quot;الخطر الأيرانيquot; ، بدا من الكلمات التي ألقاها أعضاء الوفد الأسرائيلي أن هناك تفكيراً جدّياً في السعي ألى الدخول في مفاوضات حقيقية مع العرب والفلسطينيين من أجل تسوية النزاع المزمن بين الجانبين. ولكن بدا واضحاً في الوقت ذاته، من طريقة تصرّف الأسرائيليين، أنّ لا وجود حالياً لحكومة أسرائيلية تمتلك ما يكفي من الوعي السياسي والأرادة السياسية للقيام بمبادرات شجاعة تصب في مصلحة أيجاد تسوية.أما الجانب الفلسطيني، فقد بدا مُضعضعاً وكأنّه يعاني من الحال السائدة في الأراضي الفلسطينية حيث الصراع على أشدّه بين quot;حماسquot; وفتحquot; بمقدار ما يعاني من فقدان القيادة الأسرائيلية ذات بعد النظر والباحثة فعلاً عن شريك تستطيع التفاوض معه. ولهذا السبب، ربّما، تحوّلت الجلسة التي خصصت للمسار التفاوضي الفلسطيني- الأسرائيلي ألى حوار طرشان أكتفى فيها كلّ طرف بألقاء اللوم على الطرف الآخر. وظهر في تلك الجلسة أن المطلوب أعادة فتح ملفّات الماضي بدل التطلع ألى المستقبل. وكشفت الجلسة، أضافة ألى حال الضياع لدى الأسرائيليين وغياب الأرادة الصلبة وشجاعة الأعتراف بأنّ الأحتلال في أساس كلّ المشاكل في الوقت الراهن وفي كلّ وقت، أن لا موقف فلسطينياً موحّداً من التسوية في غياب ياسر عرفات، رحمه الله، وفي ظلّ وجود حكومة quot;حماسquot; والذين يوجّهونها من خارج. لم يعد غياب الموقف الفلسطيني الواضح والموحد المقبول من الأسرة الدوليّة سرّاً ما دامت حكومة quot;حماسquot; أسيرة خطابها السياسي الذي يتضمّن كلّ التناقضات الممكنة بقوله الشيء وعكسه في الوقت ذاته.
لم يحل ما بدا أنّه طريق مسدود بين الأسرائيليين والفلسطينيين دون صدور أشارات ذات طابع أيجابي ألى حدّ ما ألتقطها الأوروبيّون. في مقدّم الأشارات أن الأسرائيليين بدأوا يعون أن الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة وغير المقطعة الأوصال ضرورة للدولة اليهودية. أكثر من ذلك، صار هناك وعي لأهمّية بقاء quot;حل الدولتينquot; حيّاً يرزق نظراً ألى أن البديل منه سدّ كلّ المنافذ في وجه أنهاء النزاع في المنطقة مع ما يعنيه ذلك من مخاطر تؤدّي ألى أنفجار كبير لا يستطيع أحد التكهّن بنتائجه. ولكن يبدو جليّاً أنّ الوعي الأسرائيلي لضرورة قيام دولة فلسطينية ليس كافياً لتحقيق أي تقدّم وأن لا شيء يمكن أن يتحقق من دون تدخل خارجي ومن الولايات المتحدة تحديداً. هل الأدارة الأميركية الحالية المنشغلة بما يدور في العراق على أستعداد للأقدام على خطوة ما بين الفلسطينيين والأسرائيليين فتسدّ بذلك الثغرة الناجمة عن حال الضياع والضعف وغياب القيادة التي تعاني منها أسرائيل؟ من دون تدخّل أميركي فعّال لا أمل في تحقيق أي تقدّم من أيّ نوع كان. ولكن حتى التحرّك الأميركي الفعّال ليس كافياً في غياب الموقف السياسي الموحّد فلسطينياً. وحده مثل هذا الموقف يقطع الطريق على من يقول أنّ لا وجود لشريك في الجانب الفلسطيني يمكن التفاوض معه.
بدا المسار الفلسطيني من خلال النقاشات التي شهدها مؤتمر مدريد الجديد معقّداً من دون أن يكون ميؤوساً منه. ما يدعو ألى قليل جدّاً من التفاؤل القناعة الأسرائيلية بضرورة قيام دولة فلسطينية في حال كان على الدولة اليهودية أن تكون جزءاً من المنطقة وأن تنصرف ألى مواجهة quot;الخطر الأكبرquot; المتمثل في أيران وأن تستفيد من النتائج التي خلّفها الأحتلال الأميركي للعراق وخروج أيران منتصرة من الحرب الأميركية على العراق ومن تصاعد الحساسيات ذات الطابع المذهبي في كلّ المنطقة.
أما المسار اللبناني، فقد بدا معلّقاً في وقت هناك quot;دولة داخل الدولة في لبنان تمتلك قرار الحرب والسلمquot; على حدّ تعبير الرئيس السابق أمين الجميّل الذي ألقى كلمة في أفتتاح المؤتمر. وفي ضوء الهجمة الشرسة التي يتعرّض لها لبنان من المحور الأيراني- السوري، ليس أمام البلد الصغير سوى التمسّك بموقفه القائل أنَه سيكون الدولة العربية الأخيرة التي توقّع معاهدة سلام مع أسرائيل. وجعل هذا الوضع من الجلسة المخصصة للمسار اللبناني جلسة باهتة لا أكثر ولا أقلّ.
بقي المسار السوري والموقف المحيّر لدمشق التي أرسلت ألى مدريد أثنين من كبار موظفي الخارجية أحدهما المستشار القانوني الدكتور رياض الداوودي الذي تحدّى الأسرائيليين أن يقبلوا العودة ألى طاولة المفاوضات وأستئناف مؤتمر مدريد. كان الداوودي الذي يعرف الملف التفاوضي السوري- الأسرائيلي عن ظهر قلب متفوّقاً على الأسرائيليين، ذلك أن أياً من الذين حضروا ألى مدريد لم يكن يمتلك الخبرة التي لديه. وعلى الرغم من ذلك، لم يجب المسؤول السوري الذي بدا جليّاً أنّه لا يستطيع الخروج عن هامش ضيّق، محدد له سلفاً، الأجابة عن سؤال أسرائيلي متعلّق بأيّ سلام تريده سوريا وهل تقبل بالجلوس ألى طاولة المفاوضات والبحث في التوصّل ألى معاهدة سلام على غرار تلك التي توصّلت لها مصر في العام 1979 والأردن في العام 1984من القرن الماضي... أم أنّها تريد أستئناف أعمال مؤتمر مدريد للتفاوض بأسم لبنان والفلسطينيين أيضاً ما دامت الطرف القادر على التحكّم بالأستقرار في لبنان وفلسطين في الوقت ذاته عبر quot;حزب اللهquot; و quot;حماسquot; وبعض التابعين لهما.
ما يمكن استخلاصه أن دمشق تشعر هذه الأيام بأنها قويّة، أو تريد أن توحي بذلك وبأن الوقت يعمل لمصلحتها. قد يكون ذلك صحيحاً كما قد لا يكون. الأكيد أنّه يفترض في الجانب الأسرائيلي الرد بشكل أيجابي على الدعوة السورية ألى التفاوض. سيتبين عندئذ ما أذا كانت هناك جدّية سورية وما أذا كان الهدف السوري التوصل ألى سلام أم أن المطلوب التفاوض من أجل التفاوض، ليس ألاّ، بغية تخفيف الضغوط الدولية على النظام القائم من جهة وأغراق قضية المحكمة ذات الطابع الدولي في أغتيال رفيق الحريري في متاهات التعقيدات الأقليمية والدور السوري المفترض في تحقيق الأستقرار الأقليمي من جهة أخرى.
بعد خمسة عشر عاماً على مؤتمر مدريد، يمكن اعتبار المؤتمر الذي أستضافته العاصمة الأسبانية قبل أيّام مفيداً أقلّه من ناحية التأكد من أن المنطقة تغيّرت كثيراً وأن من أستفاد من المؤتمر الأولى الذي أفتتح برعاية أميركية- سوفياتية، أنّما عرف قراءة المتغيّرات الدولية والرهان على المستقبل. ما الذي كان حلّ بالأردن لو أنتظر ألى اليوم كي يفكّر في ضرورة العودة ألى طاولة المفاوضات؟ لو لم يقرأ الملك الحسين، رحمه الله، الوضع الأقليمي قراءة صحيحة وتوصل ألى أتفاق مع أسرائيل بعد توقيع الجانب الفلسطيني أتفاق أوسلو، لكان المحور الأيراني- السوري يشرف على أربع حروب داخلية في المنطقة بدل الحروب الثلاث التي يشرف عليها الآن في العراق ولبنان وفلسطين!